وَهْمٌ جميل .. اسْمه الماضي

وَهْمٌ جَميل.. اسْمُه الماضي – بقلم: إبراهيم سعد الدين

(انْظُرْ وَراءَكَ في غَضَبْ) Look Back in Anger مسرحيَّةٌ بَديعة للكاتب البريطاني الشهير جون أسبورن John Osborne. حَقَّقَت هذه المسرحيَّة نجاحاً كبيراً وانتشاراً واسعاً في أوساط الجمهور والنُّقّادِ في بريطانيا والعالم كُلّه، حتَّى أن شهرة أوسبورن ارتبطتْ بهذه المَسْرحية رغم أنه قَدَّمَ نحو أرْبَعين عَملاً أدبيا رفيعَ المُسْتوى تنَوَّعَتْ بين المَسْرحِيّة والسِّيناريو والنَّصِّ الأدبي، بل إنّه كَتَبَ واحداً من أعظم النصوص السينمائية التي ما تزالُ تُدَرَّس بأكاديميات السينما ومعاهدها هو سيناريو فيلم (تومْ جونْز) المأخوذ عَنْ رِواية شهيرة بنفس الاسْم للكاتب البريطاني هنري فيلْدنج. لكنَّنا لسنا بِصَدَدِ الحديث عن أوسبورن وأعماله، حَسْبُنا فقط أن نَسْتَعير عُنوان مَسْرَحِيَّته الشَّهيرة (أنْظُرْ خَلْفَك في غَضَبْ) ليكون مَدْخَلَنا إلى هذا المَقالْ.

خُلاصَة الفكرة التي يدور حولها حَديثُنا هي صورة الماضي في أذهاننا ومَخايِلِنا، وكيف أننا نحيطُ الماضي دوماً بهالَةٍ من قَداسَةٍ وجمالْ رُبَّما لا يكونُ لها ظِلٌّ من الواقع، أو على أقَلّ تَقْدير أنها مُبالغٌ فيها كثيراً. لِماذا يَتَبَدَّى لنا الزمن القديم أشبه بالفَجْر القُطْبي (الأورورا) فاتناً وساحِراً وجميلاً..؟! ولماذا نَبْقَى مشدودين إليْه هكذا وموصولين به بوشائجَ أشبه بالحَبْل السُّرِّيّ الذي يَصلُ الجنين بشريان الحياةِ في جسَدِ الأمّ..؟! نَتَذَكَّرُ سِنِيَّ طفولَتِنا وصِبانا ونَتَحَسَّرُ على زَمَنِ البَراءةِ والصَّفاءِ وخُلُوِّ البالِ وشَغفِنا بالحياة وصورَتها الوَرْدِيَّةِ في مَخايِلِنا. ونسْتَرْجِعُ ذكرياتِ شبابِنا الباكر وأيّامنا المَدْرَسِيَّة بما فيها من انطلاق وتَحَرُّرٍ من المسؤولِيَّة وصداقاتٍ خالِصَةٍ نَقِيَّة. والمُتَزَوِّجون مِنّا يَتَسَلَّلون ـ سِرّاً أو جَهْراً ـ إلى مَرافئ العزوبِيّة المأسوفِ علَيْها، يَخْتَلِسون لَحَظاتٍ من النَّزَقِ الحَميد والانعتاقِ من قيود الزَّواجِ وروابِطِه الصّارِمَةِ وروتينه القاتِلْ. والطّاعنون بالسِّنِّ يَتَنَهَّدونَ في ألَمٍ وحَسْرَة على أيّامِ الشَّبابِ العامرة بالنضارَةِ والجمالِ وحَيَويّة الرُّوح والجَسَد وشَهوةِ الكَشْفِ والمعرفة وحرارة العِشْق. وهكذا. عُزوفٌ أبَدِيٌّ عن الحاضِر وهروبٌ دائمٌ إلى رَحِمِ الماضي الجميل حيث الدِّعَةُ والسَّكينةُ والأمانُ والطُّمَأنينةُ مِصْداقاً للمقولَة الفرويديَّة الشَّهيرة: إنَّ أوَّلَ فاجِعَةٍ في تاريخنا الإنساني تبدأ بِلَحْظة خروجنا إلى الحياة ومفارَقَتِنا لرَحِم الأمُّ، وما بَقي من رِحْلَةِ الحياة ـ بَعد ذلك ـ هو تَطَلُّعٌ دائمٌ وبَحْثٌ دءوبْ عنْ فِرْدَوْسِنا المَفْقودْ. هي ـ إذَنْ ـ غريزة الحَنين للماضي والانسِحاب الآمِن إلى عالَمٍ نُعيدُ صياغَتَه من خيالِنا. فأيّامُ طُفولَتِنا لَمْ تَكُنْ صَفاءً خالياً من كُلِّ شائبَةٍ أوْ كَدَرْ، بِدَليلِ أنَّ أكْثَرَ دموعِنا نَذْرِفُها في سَنواتِ الطفولَة. وأيَّامُ صبانا كانتْ مَليئةً بالأوامِرِ والنَّواهي والكَوابِحِ والمَحْظوراتِ وتَسَلُّطِ الآباءِ ووصايا الكبارِ التي كانتْ تَمْلؤنا بالتَّعاسَةِ والضِّيقِ والأمنياتِ المُسْتَحيلَة بأن نُغْمِضَ أعْيُنَنا ونَفْتَحَها فنجدنا قد كَبرْنا وانْعَتَقْنا من أسْرِ الآباءِ ووصاية أولي الأمْر.

وأيّامُنا المَدْرَسِيَّة كانتْ شَقاءً ومُعاناةً يَومِيَّةً لا تُحْتَمَل من الصَّحو المُبَكِّر صباحاً والانصياع الذَّليلِ إلى فصول الدِّراسَة وتَجَرُّعِ مرارَة مَوادٍّ ومناهج وعلومٍ ومعلوماتٍ يَحْشون بها رؤوسَنا حَشْواً ويُطالبوننا بِحِفْظها وترديدها كالبَبْغاوات، ويجْعلوننا نَعيشُ في كابوسٍ لا يَنْتَهي خَشْيَة الفَشَلِ والسقوطْ. ناهيكَ عن عَجْز بعض مُعَلِّمينا وعنفهم وسادِيَّتِهم وإحباطاتهم التي لا يَجدون مُتَنَفَّساً لها إلاّ فيما يُمارسونه مَعنا من تَعذيبٍ وإهانَة. وسَنواتُ شَبابِنا وعُزوبِيَّتِنا كانتْ حافِلَةً بالحماقاتِ وقِلَّةِ المَعْرِفَةِ وانعِدام الخِبْرَةِ وضَآلَةِ المَرْكَزِ الاجتماعي، والإحساسِ المُمِضّ بالخَوْفِ من المَجْهول والسَّعْي المَحْموم إلى التَّقَدّم للأمامِ وتأمين الغَدِ والادّخار للمُسْتَقْبَلْ.

لِكُلِّ زَمانٍ ـ إذَنْ ـ مَحاسِنُه وعيوبُه، ولِكُلِّ عُمْرٍ جَمالُه وهمومُه، لَكنَّ التَّطَلُّعَ إلى الوَراء يُلامِسُ وَتَراً حَسّاساً في الطبيعة الإنسانيَّة هو الحَنين الدّائم إلى الزَّمن القديم والنَّظر إليه بِعَيْنِ العاشِقْ التي تُجَسِّمُ المزايا وتُسْقِط العيوبْ. هي خِدْعَةٌ يُمارِسُها عَقْلُنا الباطِنْ ليُحَقِّقَ رَغْبَةً دفينةً ومَطْمورَةً في أغوارِه فيُعيدُنا أوْ يَعودُ بِنا إلى رَحِمِ الماضي حيث فِرْدَوْسُنا المَفْقودْ. لكنَّه فِرْدَوْسٌ جَرَى تَحويره وتَزويره من خلال عَمليَّةٍ أشْبَه بِعَمَلِ المُونْتير في السِّينما حيثُ تُحْذَفُ كُلُّ اللَّقَطاتِ المُحْزِنَةِ والمُفْجِعَة لِتَبْقَى صورة الماضي آيَةً من الجَمالِ والكَمالْ. لذا فالقاعدة الذَّهَبِيَّة التي أثِقُ بها لِكَيْ نَبْرَأ من هَوَاجِسِ الزَّمَنِ القَديم ونُفْلِتَ من الانسياقِ وراءَ هذه الخِدْعة، هي أنْ نَنْظُرَ خَلْفنا في غضَب حتى لا نُغالي في قيمة الماضي ونَغْفَلَ عن جمال الحاضر.

ــــــــــــــــــــــ

هذا المقال لا يعبر سوى عن رأي كاتبه، ولا يعبر بالضرورة عن رأي فريق المكتبة العامة

هذا المقال لا يعبر سوى عن رأي كاتبه، ولا يعبر بالضرورة عن رأي فريق المكتبة العامة







تعليقات الفيسبوك