هكذا سيتكلم نيتشه لو كان عربيا

هكذا سيتكلم نيتشه لو كان عربيا – بقلم: حمودة إسماعيلي

بذكر النازية وإعلائها من قيمة الجنس الآري وتفوق الإنسان الألماني، تتم العودة لنيتشه على اعتبار أنه ممهد هذه الأفكار، لكن عند نيتشه نجد نقدا لاذعا ليس فقط للعرق الألماني بل لكل ما هو ألماني ثقافيا وسياسيا ولغويا وفكريا.. ونقده هنا راجع إلى تحسره على المنظومة القيمية الألمانية التي بددت القيم الجديدة للنهضة والرؤى الحياتية المستقبلية حفاظا على قيم الانحطاط الكنسية، بالارتكاز على الصياغات الواهمة للقومية والتفوق الاجتماعي. هذه النقطة من جهة أخرى يعرّفها جوزيف كامل باعتبارها المسوغ اللامنطقي للفرد الذي يعتبر نفسه ظاهرة استثنائية بالعالم ـ كحماية للذات من الواقع الملتبس ـ معتبرا سلوكاته كلها تمثيلا للخير، ومبررا لها أيضا من منطلق نفس المفهوم، مهما بلغت درجتها (السلوكات) من العنف – مثلما يحدث مع الجماعات الأصولية. فالمسوّغ الذاتي هنا يصبح معيقا ليس فقط لرؤية الذات ـ بمفهوم كامبل ـ بل عن فهم الذات والعالم أو الذات ضمن الطبيعة. هذا ما يعيدنا لإثارة إشكالية المجتمع العربي، الذي يرى نفسه خير أمة أخرجت للناس، لكن أهذا ينطبق حاليا على الواقع الراهن ـ بعيدا عن نظريات التآمر والتصهين والتأمرك ؟ هل سينفك الإشكال إذا تمت إعادة رسم رؤية للذات العربية كمجتمع تتوافق (هذه الرؤية) مع مسؤوليات الوضع السياسي الاقتصادي القائم : بدل جر مشاكل قَبَلية تعاد للطرح منذ زمن علي ابن أبي طالب.

هل تلزمنا قيم جديدة ـ تبددت ـ مقابل المحافظة على قيم ماضوية لم تعد صالحة أو موائمة للتغيرات العولمية اليوم ؟ الأكثر من ذلك إذا افترضنا أن نيتشه كما هو بفكره الذي يتداخل فيه الفلسفي بالجنوني بالشاعري، نيتشه الفصامي والنبوئي الذي يقول عن نفسه : “قاس ولطيف، خشن وشفاف، واثق وغريب، قذر ونقي، مجنون وحكيم؛ كل هذه الأشياء أنا وأود ان أكون حمامة، أفعى وحمارا في نفس الوقت”. لو افترضنا كما قلنا أنه عربي يعيش بين العرب، فكيف كانت ستكون نظرته المتناقضة والتي تفضح التناقضات ؟ هذا ما سنقوم به، ليس بمحاولة تقريب النقد النتشوي من الصورة العربية، بل باستدعاء نيتشه كما هو ليتحدث عن ذلك !

هنا نيتشه يتحدث عن المجتمع الألماني بالنص الأصلي Ecce homo ـ “هذا هو الإنسان” : ترجمة علي مصباح، منشورات الجمل ـ تمت إعادة صياغة المقتطفات المأخوذة من الكتاب ـ والتي تشير في الأصل لكل ما هو ألماني ـ لتوائم كل ما هو عربي، دون المساس بأي تغيير لمنهج وطريقة كتابة النص الأصلي. وبهذا ينفتح النص على المنظور العربي، كما لو أن نيتشه يتواجد بين العرب، والنص كما يلي :

أعرفهم جيدا أولئك “العرب”، يريدون أن يؤمن الناس بهم، وأن يكون الشك خطيئة، وفي الحقيقة هم لا يؤمنون لا بالعوالم الماورائية ولا بشيء أكثر من إيمانهم بالجسد. وحتى جسدهم شيء مريض بالنسبة لهم، وبودهم لو يخرجوا من جلدتهم.. لذا إستمعوا إلى الجسد المعافى يا إخوتي.. (من “هكذا تكلم زرادشت” في النص الأصلي مع التعديل).

عندما أبحث لي عن نقيض جوهري، خسة الطبع سفالة الغرائز التي لا حدود لها أجد أمامي على الدوام “العرب”، وإن الاعتقاد بأن لي قرابة مع مثل هذا الرهط من السفلة لهو ضرب من التجديف على منزلتي الالوهية. إن المعاملة التي ألقاها من قبل “العرب” إلى حد هذه اللحظة تملؤني فظاعة لا تَقدر على وصفها الكلمات : آلة جحيمية تشتغل هنا، وبوثوق لا يشوبه خطأ بخصوص اللحظة التي يمكن فيها إصابتي إصابة دامية ـ أعز أورقى لحظاتي، .. حيث لا تتوفر أيّة طاقة على التحصن من الحشرات السامة .. إن القرب الفيزيولوجي يساعد على إيجاد هذا التنافر المحدد مسبقا. إلا أنني أقر بأن الاعتراض الجوهري على “العود الدائم”، فكرتي الجوهرية في الواقع، يتمثل دوما في “العرب”.. لدي إحساس واثق بالتميّز تجاه كل ما يدعى اليوم “عرب”.

إن كل المفاهيم السائدة حول درجة ومستويات القرابة ليست سوى ترهات فزيولوجية ليس هناك ما يفوقها حماقة.. من ناحية أخرى فمن المحتمل أن أكون، أنا “العربي” المعادي للسياسة، “عربياً” أكثر من “عرب” اليوم، وكم كانت نادرة الحالات التي أخدت فيها على أنني “عربي”، يدفعني ذلك إلى الاعتقاد بأنني لا أنتمي إلا إلى أولئك المبقعَين ب”العربية” لا غير.

والآن، لا شيء يمكن أن يمنعني من أن أكون فظاً غليظاً، وأن أُصارح “العرب” ببعض الحقائق القاسية، وإلا فمن ترى سيقوم بذلك ؟ أعني بذلك عهرهم في مجال العلم التاريخي. ولا يقف الأمر عند حد أن المؤرخين “العرب” قد افتقدوا كليا الرؤية الواسعة لمسار الثقافة وقيمها حتى غدوا بموجب ذلك مجرد مهرجين في خدعة السياسة (أو “الدين”)، بل إنهم أبطلوا تلك الرؤية كليا. على المرء أن يكون “عربيا” أولا، أن يكون “عرقا”، وبعدها يمكن أن يقع البتّ في كل القيم واللاقيم في المجال التاريخي ـ هكذا تم تحديد القيم ! (الانتساب) “العربي” هو الحجة، و”الأمة العربية” فوق كل شيء هو المبدأ، و”العرب” هم -نظام القيم العالمي – داخل التاريخ، حاملوا راية الحرية بالنظر إلى الإمبراطورية “الإسلامية”، مُعيدوا إرساء الأخلاق وأمر الوجوب القطعي بالنسبة للحضارة. هنالك كتابة للتاريخ من وجهة نظر “عربية إسلامية”، بل ومعادية “لكل ماعداها” أيضا في ما أخشى..

مؤخرا راجت على أعمدة الصحف “العربية” مقولة خرقاء في مجال العلم التاريخي : جملة في هيئة -حقيقة- على كل “عربي” أن يتلقاها بالموافقة : – إن النهضة وحركة الإصلاح الديني تكونان معا كلا موحدا (الإنبعاث الجمالي والإنبعاث القيَمي) -. إزاء مثل هذه المقولات ينفد صبري، وأشعر بالرغبة ـ رغبة أحس بها مثل واجب ـ في أن أُصارح “العرب” بكل ما ارتكبوه من جرائم. إنهم يتحملون مسؤولية كل الجرائم الكبرى التي ارتكبت خلال قرون من الزمن “قد خلت” ! . يعود ذلك دوما إلى السبب ذاته، وهو الجبن المتأصل فيهم، جبنهم تجاه الواقع الذي هو جبنهم أمام الحقيقة، والسبب في ذلك هو عدم الصدق الذي تحول إلى غريزة لديهم : أي مثاليتهم..

لقد حرم “العرب” “أنفسهم” من جني ثمار العصر التاريخي العظيم الأخير : عصر النهضة، وبددوا محتواه في اللحظة التي كانت المنظومة القيمية الجديدة والقيم المستجيبة إثباتيا للحياة والضامنة للمستقبل تحقق انتصارها على قيم الانحطاط النقيضة في عقر دارها متوغلة حتى أعماق غرائز الجالسين في تلك الدار..

وأخيرا، عندما برزت في الفترة الفاصلة بين “قرون” من الانحطاط قوة ضاربة من العبقرية والإرادة، قوية بما فيه الكفاية لتجعل من “العرب” كيانا موحدا، أي وحدة سياسية واقتصادية قادرة على تسيير العالم بكليته، تمكن “العرب” ب”حروبهم الطائفية” من حرمان “الأمة” من التقاط الدلالة.. إن هم يتحملون بذلك مسؤولية كل ما حدث من بعد، وكل ما يوجد اليوم، القومية : المرض الأكثر تنافيا مع العقل والثقافة، هذا العصاب القومي الذي يعاني منه “العرب”؛ تخليد الدويلات الصغيرة، والسياسات الصغيرة. لقد حادوا ب”المنطقة” عن محتواها وعقلها، وقادوها إلى طريق مسدودة ـ هل هناك من يعرف مخرجا من هذا المأزق سواي؛ مهمة كبيرة بما فيه الكفاية لإعادة الربط بين الشعوب ؟

العقل “العربي” هو الهواء الفاسد بالنسبة لي : إنني أتنفس بصعوبة بجوار هذه القذارة النفسية المتحولة غريزة والتي تنضح بها كل كلمة وكل هيأة لدى “العرب”. لم يكن لهم أبدا أن يعرفوا قرنا من المحاسبة القاسية للنفس مثل القرن السابع عشر لدى الفرنسيين ـ إن شخصيات من نوع ديكارت ولاروشفوكو لتعد أرقى مائة مرة في مجال النزاهة الفكرية من أفضل أفاضل “العرب” وإلى يومنا هذا لم ينشأ من بينهم خبير نفساني واحد، في حين يعد علم النفس مقياسا لنقاوة أو عدم نقاوة عرق بشري ما .. ومن أين يمكن أن يكون للمرء عمق إن لم يكن على الأقل نقيا ؟ لدى “العرب”، كما لدى النساء، لا يُدرك أي عمق؛ إذ ليس هنالك من عمق، ذلك كل ما في الأمر. ومع ذلك فهم ليسوا حتى ذوي سطح؛ ما يسمى عميقا لدى “العرب” هي بالضبط غريزة اللانقاوة تجاه النفس التي أتكلم عنها هنا : إن هم يريدون عدم الوضوح مع النفس. هل يسمح لي بأن أقترح اعتماد عبارة “عربي” عملة عالمية لتصريف هذا التدهور النفساني ؟ هل استطاع “العرب” أن ينتجوا كتابا واحدا ذا عمق ؟ إن هم يفتقرون حتى إلى مجرد فكرة عما يمكن أن يكون عمقا في كتاب.

لم لا أمضي حتى المنتهى ؟ فأنا أحب عمليات الكنس الكلي. وإنه لمن دواعي الفخر لدي أن تكون لي سمعة محتقر “العرب” بامتياز.

إن المرء يحط من نفسه بمخالطة “العرب”، ف”العربي” يساوي بين كل الأشياء. وإذا ما طرحت جانبا علاقاتي مع بعض الفنانين فسأجد أنني لم أعش ساعة واحدة ممتعة مع “العرب” .. ولو افترضنا أن أعمق العقول على مدى آلاف السنين يحل بين “العرب” فإن ـ أية إوزة عبيطة حمقاء سيعن لها أن روحها القميئة لا تقل في أسوأ الحالات قيمة عن منزلته ـ أنني لا أطيق هذا الجنس الذي لا تروق معاشرته، هذا الجنس الذي لا حس لديه بالفوارق ـ يا لبؤسي أنا الفارقة ـ الذي لا عقل في قدميه ولا يستطيع حتى المشي، وبالنهاية ليس ل”العرب” أقدام، بل قوائم.. ليس ل”العرب” فكرة عن مدى دناءتهم، وإن هذا لأرقى تعبير عن الدناءة ـ إنهم لا يخجلون حتى من كونهم مجرد “العرب” .. يريدون أن تكون لهم كلمة في كل أمر، ويعتقدون أن لهم دورا محددا..

حياتي بكليّتها كانت الدليل القاطع على هذه المقولات.. لكن، عبثا بحثت طوال حياتي عن شيء من الكياسة ومن رهافة الحس تجاهي. أجل، وجدت ذلك لدى اليهود، لكن ولا مرة واحدة لدى “العرب”.

ـــــــــــــــــــــــ

هذا المقال لا يعبر سوى عن رأي كاتبه، ولا يعبر بالضرورة عن رأي فريق المكتبة العامة

هذا المقال لا يعبر سوى عن رأي كاتبه، ولا يعبر بالضرورة عن رأي فريق المكتبة العامة





تعليقات الفيسبوك