السكير والقديس (قصة قصيرة) – بقلم: سامح عبد الله

– من مجموعة قصص قصيرة .. “رَجفة قَلب”

عَاش “باولو” حياته كُلها وحيداً حتي عندما كانت الحياة تمتلئ صخباً حوله كان وحيداً لقد أدمَنْ الرجُل شعور الوحدة كما أدمَنْ تماما تناول الخمر حتى بِحانة توماس التي لا تبتعد كثيراً عن غُرفة مَعيشته حتي الثُمالة.
رجل مسن قضي حياته كلها عاملا بمحطة قطارات كنج كروس Kingś Cross بوسط لندن..
لم يتزوج “باولو” وإن كَان ذات يوم أخبرتهُ إمرأة رافقها بضعة أشهر بأنها حامل منه لكنها إختفت ولم يعد لها أثر ولا يدري حتي الآن ما إذا كانت تلك المرأة صادقة أم كانت تحتال عليه من أجل حفنة من النقود.
المُهم أن الرجل بقي وحيداً إلا من زُجاجة الخمر التي كانت تُرافقَهُ دائماً.
كان يَقطن حُجرة صغيرة لا ترهقه قيمة إيجارها الذي يتناسب مع قيمة المعاش الذي يتقاضاه من عَملهُ السابق
كان جاره القسيس فرانسيس رجل غامض بعض الشيء صمته أكثر من كلماته حاد العينين لا تري منه رقة إلا نادراً وكانت مفارقة كبري أن يكون الرجُل الذي يصعد بالناس إلي السماء بمثل هذه الصفات. ورغم أن باولو غالباً ما كان يتجنب الحديث معه إلا أن فرانسيين دائماً ما كان يَحتقره فهو ليس في نظره سوي السكير المُلحد الذي لم تطأ قدماه الكنسية منذ أحد عشر عاماً.
كان بَاولو يعلم عن فرانسيس ما لايعلمه غيره من جيرانه فقد رآه مجرد خادماً بالكنيسة لا يقوم سوي ببعض الأعمال اليدوية ثم جاءت الحرب وأصبحت تلك الكنسية الصغيرة مجرد منزل لإيواء الجرحي والمُهاجرين من بيوتهم التى دمرتها طائرات الألمان لكنه بعد إنتهاء الحرب أصبح قسيساً يلقي العظات ويعترف الناس له بكل خطاياهم من وراء ستار قاتم اللون ويتلقي التبرعات!
ومن هنا يأتي سر الكراهية المتبادلة بين رجل أصبح في غفلة من الزمن قسيساً وبين سكير مُلحد بحث عن الله كثيرا ولم يجده!
والحقيقة أن “باولو” كان رجل طيب القلب مسالما إلي أبعد درجة فقد شوهد كثيرا وهو يطعم الكلاب الضالة من طعامه بل شوهد وهو يأوي كلب ضال في حجرته عدة أيام من برد الشتاء وقسوة الثلوج والمطر والحقيقة أيضا أنه بحث عن الله عدة سنوات بين جدران كنيسة سانت نيقولا وبين عظات القساوسة وبين حكمة الرهبان وذهدهم لكنه لم يستطع.. كانت عظات القسس تبعده أكثر عن الطريق الذي يقربه إلي الله لكنه كان يشعر بأن مُعجزة ذات يوم ستضعه علي الطريق بعيداً عن إحتقار فرنسيس له ونعته دائما بالسكير المُلحد.
وذات ليلة بينما كان عائدا من الحانة وهو بنصف وعي قابل إبنة جاره توما المريض بالربو كانت الفتاة تبكي فقد إمتنع مالك الصيدلية اليهودي راؤول عن إعطائها الدواء الذي يأخذه أباها قبل أن تدفع الثمن المؤجل بينما يشتد المرض عليه وعند ذاك إصطحبها باولو إلي اليهودي وكان يحمل معه زجاجة نبيذ معتق كان قد إشتراها لتوه لليلة الميلاد التي قرب موعدها وعرض علي راؤول أن يقايضه بها وأن يعطي للفتاة دواء يكفي والدها شهرا كاملا وهنا وافق اليهودي علي الفور فقد كانت زجاجة النبيذ تعود إلي عام 1930 أي أنها قدّ عُتقت لمدة عشرون عاما كاملة.
وعاد “باولو” إلي غُرفته دون زجاجة النبيذ المعتقة لكنه عاد بشيء أثمن بكثير كان يبحث عنه طويلا لقد عاد برجفة قلب لم يشعر بها بين جدران الكنيسة أو من عظات الكهان أو من شفاعة القديسين والرهبان.

كانت رجفة القلب هذه من السماء ويالها من معجزة!
لم يشرب الخمر بعدها وعندما مات وجدوا أسفل وسادته خطابا بسيطا يقول فيه إبحثوا عن الله في إسعاد البشر.. لقد مات مُؤمناً دون وعظة من قسيس أو شفاعة من راهب..

لقد مات مُؤمناً من رجفة قلب.

– سامح عبد الله.

هذا المقال لا يعبر سوى عن رأي كاتبه، ولا يعبر بالضرورة عن رأي فريق المكتبة العامة







تعليقات الفيسبوك