لماذا يُعذّب الناس بعضهم البعض؟ التفسيرات النفسية للوحشية

لماذا يُعذّب الناس بعضهم البعض؟ التفسيرات النفسية للوحشية – ترجمة: هالة أسامة

كان النازيون خلال الهولوكوست يشيرون إلى اليهود بالجرذان، وكانت فئة الهوتو المتورِّطة في الإبادة الجماعية في رواندا تُطلِق على فئة التوتسي صراصير، ولطالما اعتبر مُلَّاك العبيد على مر العصور عبيدهم حيوانات أقل من البشر. يقول ديفيد ليفينجستون سميث في كتابه Less Than Human إنَّ تعريف نزع صفة الإنسانية ووصفه أمر هام، لأنَّه هو ما يفتح الباب أمام القسوة والإبادة الجماعية.

قال سميث لنيل كونان، المذيع بشبكة NPR: «نعلم جميعًا، على الرغم ممَّا نراه في الأفلام، إنَّه من الصعب جدًا قتل إنسان آخر عن قربٍ وبدمٍ بارد، أو ارتكاب بشاعات في حقِّه، من الناحية النفسية». إذًا فعندما يحدث هذا، قد يكون من المفيد فهم ما الذي يسمح للبشر بالتغلُّب على الموانع الطبيعية العميقة جدًا التي تمنعهم من معاملة الآخرين كطرائد أو حشرات أو حيوانات مفترسة خطيرة.

نشرت مجلة رولينج ستون مؤخرًا صورًا على الإنترنت لجنود أمريكيين مع جثث أفغانية، وترتبط هذه الصور بقضية جنود قاعدة لويس ماكورد المشتركة في ولاية واشنطن المنظورة أمام المحكمة العسكرية. يزعم سميث أنَّ هؤلاء الجنود ⎼الذين يُطلَق عليهم (فريق القتل)⎼، بالإضافة إلى التصوير مع الجثث، «قد أخذوا بعض أعضاء الجثث تذكارًا، وهي ظاهرة غالبًا ما تصاحب أحد أشكال نزع صفة البشرية، والذي يُنظَر فيه إلى العدو باعتباره طريدةً».

لكنَّ هذه هي الصورة الأخيرة فقط من نمطٍ مُتكرِّر انتشر مرةً تلو الأخرى على مدار التاريخ، وجد سميث في الأدب الصيني القديم والمصري القديم وأدب بلاد ما بين النهرين إشارات مُتكرِّرة إلى الأعداء بالمخلوقات الأقل من البشر، ولكن الأمر ليس بمثل سهولة هذه المقارنة، فيقول سميث: «عندما ينزع الناس صفة الإنسانية عن الآخرين، هُم في الحقيقة يُدركونهم كمخلوقات أقل من البشر»، وحينها فقط يمكن إطلاق العنان للعدوان وإقصاء الشخص هدف العدوان من المجتمع الأخلاقي.

يقول سميث إنَّ النازيين عندما وصفوا اليهود بـ Untermenschen أو أقل من البشر، لم يعنوا ذلك مجازًا، لم يعنوا أنَّهم كمخلوقات أقل من البشر، بل عنوا أنَّهم أقل من البشر حرفيًّا.

يقول سميث إنَّ البشر لطالما نظروا إلى الكون بوصفه يتكوَّن من تراتبيةٍ للقِيَم، الله في قمَّتها والمادة الخاملة في قاعدتها، وكل شيء آخر في المنتصف بينهما. ويقول إنَّ «هذا النموذج للكون لم يعُد منطقيًّا من الناحية العلمية، ولكن لسببٍ ما، ما زلنا ننظر إلى الكون بهذه الطريقة، ويُحيلون المخلوقات غير البشرية إلى مكانةٍ أدنى».

لقد كانت هناك تراتبية تاريخية داخل التصنيف البشري، فالأوروبيون البيض -مُهندسو النظرية⎼ في القرن الثامن عشر قد وضعوا أنفسهم في قمَّته، ووفقًا لتفكيرهم كانت الأطراف السُفلى للتصنيف تتداخل مع القردة.

وهكذا كان الأفارقة الجنوبيون والمواطنون الأمريكيون الأصليون يحتلُّون قاعدة التصنيف البشري، إذا كانوا قد مُنِحوا أصلًا وضع البشر، بل كان يُنظَر إليهم غالبًا باعتبارهم حيوانات لا روح لها، وقد أتاح نزع صفة البشرية وقوع بشاعات هائلة.

وفيما يلي مقتطف من كتاب Less Than Human لديفيد ليفينجستون سميث:

قبل أن أبدأ في شرح كيفية عمل آلية نزع صفة الإنسانية، أريد أن أوضِّح أهميتها توضيحًا مبدئيًّا، لذا سأناقش في البداية باختصار الدور الذي لعبه نزع صفة الإنسانية فيما يُعتبَر أكثر الأحداث تدميرًا في تاريخ البشرية: الحرب العالمية الثانية. مات أكثر من سبعين مليون شخص في الحرب، معظمهم من المدنيين، ومات الملايين في المعارك، وحُرِق الكثيرون أحياءً بفعل القنابل الحارقة، وبفعل الأسلحة النووية في النهاية، ووقع ملايين آخرون ضحايا للإبادة الجماعية الممنهجة، وأتاح نزع صفة الإنسانية الكثير من هذه المذابح ممكنًا.

لنبدأ من النهاية، كانت محاكمة أطباء نورمبرج عام 1946 هي الأولى من بين اثني عشر مجلسًا قضائيًّا عسكريًّا عُقدوا في ألمانيا بعد هزيمة ألمانيا واليابان، اتُّهِم عشرون طبيبًا وثلاثة مديرين ⎼اثنا وعشرون رجلًا وامرأة واحدة⎼ بجرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية، كانوا قد شاركوا في برنامج هتلر للقتل الرحيم، الذي قُتِل فيه حوالي 200,000 شخصًا مُعاقًا عقليًّا وجسديًّا خنقًا بالغاز لاعتبارهم غير لائقين بالحياة، كما أجروا تجارب طبية شيطانية على آلاف السجناء اليهود والروسيين والغجر والبولنديين.

بدأ المُدَّعي تيلفورد تايلور كلمته الافتتاحية بهذه الكلمات الحزينة:

«إنَّ المُدَّعى عليهم في هذه القضية مُتَّهمون بالقتل والتعذيب وبشاعات أخرى ارتُكِبت باسم العلم الطبي، يُقدَّر عدد ضحايا هذه الجرائم بمئات الآلاف، ليس منهم على قيد الحياة سوى قِلَّة، وستأتي بضعةٌ من الناجين إلى قاعة المحكمة، ولكن معظم هؤلاء الضحايا البائسين قد قُتِلوا على الفور أو ماتوا خلال التعذيب الذي تعرَّضوا له. لم يُمثِّل هؤلاء الناس المساكين لقاتليهم أفرادًا على الإطلاق، فقد كانوا يأتون على دفعات بالجملة ويُعامَلون أسوأ من الحيوانات».

واستأنف ليصف التجارب تفصيلًا، كان بعض خنازير الغينيا هؤلاء يُحرَم من الأوكسجين لمحاكاة قفزات الباراشوت من مرتفعات عالية، والبعض الآخر يتجمَّد أو تُنقَل إليه الملاريا، أو يتعرَّض لغاز الخردل. كان الأطباء يصنعون شقوقًا في لحمهم لمحاكاة الجروح، ويُدخِلون في أجسامهم قطعًا من الزجاج المكسور أو نشارة الخشب، ثم يربطون الأوعية الدموية ويُدخِلون البكتيريا لتحفيز الغنغرينة. وصف تايلور إجبار الرجال والنساء على شرب مياه البحر، وإصابتهم بالتيفوس وأمراض مميتة أخرى، وسُمِّموا وحُرِقوا بالفسفور، ووصف تسجيل العاملين الطبيين لصرخاتهم المتألمة وتشنّجاتهم العنيفة عن عمد.

كانت الأوصاف التي استخدمها تايلور في روايته مفزعة للغاية، ممَّا يُسهِّل التغاضي عمَّا قد يبدو وكأنَّه تعبير خطابي بسيط، وهو تعليقه بأنَّ «هؤلاء الناس المساكين..  يُعامَلون أسوأ من الحيوانات». ولكن يُثير هذا التعليق تساؤلًا ذا أهمية جوهرية وعميقة، ما الذي يُمكِّن مجموعة من البشر من معاملة مجموعة أخرى كأنَّها مخلوقات أقل من البشر؟

ليس من الصعب الوصول إلى إجابةٍ قاسية، يُمهِّد التفكير الطريق أمام الفعل، والتفكير في البشر باعتبارهم أدنى من البشر يُمهِّد الطريق لارتكاب البشاعات. كان النازيون واضحين في وصفهم لوضع ضحاياهم، فقد كانوا أقل من البشر، وهكذا كانوا مستبعدين من نظام الالتزامات والحقوق الأخلاقية التي تُلزِم البشرية جميعًا، من الخطأ قتل شخص، ولكن من المسموح الفتك بفأر، وفي نظر النازيين كان كل اليهود والغجر وآخرين فئرانًا، فئرانًا خطيرة حاملة للأمراض.

كان اليهود هم الضحايا الأساسيين لمشروع الإبادة الجماعية هذا، كان هتلر وأتباعه مقتنعين منذ البداية بأنَّ الشعب اليهودي يُشكِّل تهديدًا مميتًا لكل ما هو نبيل في البشرية. كان هؤلاء الأعداء المفترضون للحضارة، من وجهة النظر النازية، يُمثِّلون كائنات حية طفيلية مثل، العلقات، والقمل، والبكتيريا، وناقلي العدوى.

أعلن هتلر عام 1943: «اليهود اليوم في كل العالم هُم خميرة تفريق الشعوب والدول، تمامًا كما كانوا في العصور القديمة، وسيظل الأمر كما هو طالما لم يجد الناس في أنفسهم القوة اللازمة للتخلُّص من هذا الفيروس». كانت كلٌ من معسكرات الموت (أفران الغاز التي صُنِعت على شاكلة غرف التفلية من القمل) ووحدات القتل المُتنقِّلة (فرق موت شبه مسلحة كانت تجوب أنحاء أوروبا الشرقية في أعقاب تقدُّم الجيش الألماني) استجابات لما رآه النازيون وباءً قاتلًا.

كان النازيون أحيانًا يعتقدون أنَّ أعداءهم أشرار، مفترسون مُتعطِّشون للدماء وليسوا طفيليات. عندما بدأت المجموعات في المناطق المُحتلَّة من الاتحاد السوفييتي في شنِّ حرب عصابات ضد القوات الألمانية، أصدر فالتر فون رايخيناو، مشير الجيش الألماني، أمرًا بإيقاع «عقاب صارم ولكن عادل على العناصر اليهودية الأقل من البشر». (اعتبر النازيون كل أعدائهم جزءًا من اليهود العالميين، وكانوا مقتنعين بأنَّ اليهود يُسيطرون على حكومات روسيا والمملكة المتحدة والولايات المتحدة).

تؤكِّد المؤرِّخة العسكرية ماري آر.هابيك أنَّ «الجنود والضباط كانوا يُفكِّرون في الروسيين واليهود باعتبارهم حيوانات…لا بد أن تهلك. سمح نزع صفة الإنسانية عن العدو للجنود والضباط الألمان بالاتفاق مع رؤية النازيين الجديدة للحرب، وبالقتال دون منح السوفييت أي رحمة أو مأوى.

الهولوكوست هو أكثر مثال موثَّق جيِّدًا على الدمار الناتج عن نزع صفة الإنسانية، تتجاوز بشاعته حدود الخيال، ومع ذلك قد يكون التركيز عليه مريحًا على نحوٍ غريب، فمن السهل جدًا تصوُّر أنَّ الرايخ الثالث كان انحرافًا عجيبًا، أو نوعًا من الجنون الجماعي الذي تسبَّبت فيه مجموعة صغيرة من الدعاة المجانين الذين تآمروا من أجل الاستيلاء على السلطة السياسية والتلاعب بأمةٍ لكي تلائم رغباتهم، ومن المُغري تصوُّر أنَّ الألمان كانوا (أو ما زالوا) شعب وحشي مُتعطِّش للدماء على نحوٍ فريد. ولكن هذه التشخيصات خاطئة بصورةٍ خطيرة، فالأمر الأكثر إزعاجًا في الظاهرة النازية ليس أنَّ النازيين كانوا مجانين أو وحوشًا، بل أنَّهم كانوا بشرًا عاديين.

عندما نُفكِّر في نزع صفة الإنسانية خلال الحرب العالمية الثانية، تتَّجه أنظارنا إلى الهولوكوست، ولكن الألمان لم يكونوا الوحيدين الذين نزعوا صفة الإنسانية عن أعدائهم، فبينما كان مهندسو الحل النهائي مشغولين بتطبيق برنامج التطهير العرقي القاتل، كان الروائي والشاعر اليهودي الروسي إيليا إهرنبورغ يُنتِج بغزارةٍ دعاية ليوزِّعها جيش ستالين الأحمر، كانت هذه الكُتيبات تشتغل بالخطاب الذي ينزع صفة الإنسانية عن الأعداء، فكان يشير إلى «رائحة أنفاس ألمانيا الحيوانية» ويصف الألمان بأنَّهم «حيوانات بساقين قد برعت في تقنية الحرب»، أشباه رجال لا بد من إهلاكهم. كتب إهرنبورغ: «الألمان ليسوا بشرًا، إذا قتلتَ ألمانيًّا، اقتل آخر، ليس هناك ما هو ممتع لنا أكثر من كومةٍ من جثث الألمان».

لم يكُن هذا كلامًا تافهًا، لقد قتلَ الفيرماخت (قوة الدفاع الألمانية) 23 مليون مواطنًا سوفييتيًّا، نصفهم تقريبًا من المدنيين، وعندما انقلبت موازين الحرب أخيرًا، تدفَّق سيل من القوات الروسية إلى ألمانيا من الشرق، وأصبح تقدُّمهم العنيد حفلةً من الاغتصاب والقتل.

قال الصحفي جايلز ماكدوناو إنَّ إهرنبورغ والدعائيين السوفييتيين الآخرين قد حرَّضوهم على ذلك بالتأكيد، وكتب:

«كانت بروسيا الشرقية هي المنطقة الألمانية الوحيدة التي يزورها الجيش الأحمر…قتل الجيش الأحمر خلال ليلةٍ واحدة اثنتين وسبعين امرأة ورجلًا واحدًا، اغتُصِبت معظم النساء اللاتي كانت أكبرهن في الرابعة والثمانين، وصُلِب بعض الضحايا…حكى أحد الشهود الذين وصلوا إلى الغرب عن فتاة قروية فقيرة اغتصبها جنود سرب دبابات بأكمله من الثامنة مساءً وحتى التاسعة صباحًا، وضُرِب رجل بالرصاص ثم أُطعِم للخنازير».

المصدر: ساسة بوست

هذا المقال لا يعبر سوى عن رأي كاتبه، ولا يعبر بالضرورة عن رأي فريق المكتبة العامة

هذا المقال لا يعبر سوى عن رأي كاتبه، ولا يعبر بالضرورة عن رأي فريق المكتبة العامة







تعليقات الفيسبوك