المسلمون لم ينشروا الإسلام .. بل سعوا للطغيان بالسنة على الشيعة

المسلمون لم ينشروا الإسلام، بل سعوا للطغيان بالسنة على الشيعة – بقلم: حمودة إسماعيلي

ما إن تولد في بيئة إسلامية فأنت ستتلقن مباشرة أصول الإسلام على منهج أهل السنة؛ ليس هناك إسلام بالمعنى الصريح والواضح للكلمة، لست مسلما كاملا أو بموضوعية، طبعا تأتي التفاسير على أن ما عدا أهل السنة فإن كل الطوائف ضلال وخروج عن الملة. نأتي من جانب آخر، إن ولدت في بيئة شيعية ستتلقن مبادئ الإسلام على أساس منهج الشيعة، ما دون الشيعة كفر وضلال كذلك. لن نخرج من هذه الدائرة الطائفية، لأن الإسلام إسلامان منذ وفاة النبي، لم يتضح الانقسام إلا بعد ذلك بسنوات قليلة. إسلام السنة ليس هو إسلام الشيعة، بهذا فالحديث عن نشر الإسلام وإيصال مبادئه ودعوة الناس جميعا للتعرف على هذا الدين، إنما يخفي جوهر العملية، وهو بتعبير أدق وأفصح نشر منهج السنة كتغطية لمنهج الشيعة : وإلا لما لا تتم عملية تقديم الإسلام بكامل أوجهه كما في المسيحية بكنائسها المختلفة ؟ الأمر يتعلق بالانتشار السياسي طالما أن الصراع منذ بداياته صراع حول النفوذ.

ولنأخذ جولة سريعة لما يحدث الآن منذ الربيع العربي؛ في سوريا حزب شيعي (النظام) يواجه معارضة سنية؛ في مصر لملمة لفوضى خلفها حزب سني (الإخوان) حاول التجبر على جل الأطياف الدينية والسياسية؛ في تونس الديموقراطية مهددة من قِبل الجماعات السنية؛ في اليمن والبحرين وما جاورهما قمع سياسي وتضييق الخناق على المخالفين المذهبيين الشيعة؛ في فلسطين المعارضة السنية تأخذ زمام المبادرة وتجلب الويلات على القطاع والحكومة بتركها في صراع مع الصهيون وذلك بغية فرض هويتها الدينية : السنة تواجه اليهود؛ في العراق معارضة سنية تسعى لفرض مشروع سياسي يبيد مختلف الهويات (المشروع الأصلي لداعش وانطلاقته). يمكن اختزال كل هذا في ما قام به عبقري من الإمارات كان يعمل (سابقا) شرطيا أو شيء من هذا القبيل، باقتراح دمج المذاهب الشيعية في السنة !

ألم يصل الأمر حد تقسيم الأعياد، هذا عيد عند الشيعة وهذا يوم خاص باحتفال أهل السنة.. وكأننا نتحدث عن الهندوس وقبائل الزيمبابوي. وحينما يسأل أحدهم عن ديانة الإسلام، نقدم له منهج السنة.. هاك هذا هو الإسلام ! تضحك على مين يله ؟! تقدم له بيئتك وتقله إسلام !!

إن إشكالية السياسة العربية لا زالت تقبع في الدين : فليس هناك تنافس مشاريع سياسية أمام اقتراع المواطنين، بل الصراع يعود لأصول تاريخية لا تمت للمشاكل السياسية الحالية بصلة ـ كالبطالة والتعليم والصحة والسكن وفرص العمل ـ لا يزال معاوية يجمع أصحابة ويخطط لإبعاد علي وأتباعه من السلطة. هم كانوا دويلة في إطار النشوء تبحث عن تأكيد الصلاحية في تولي الشأن العام للجماعات القبلية. الآن المجتمع يحتاج للأكل والعمل والاستفادة من المنتجات التكنولوجية والإعلامية، يحتاج الإنسان للعيش بطريقة محترمة ثم تأتي بعد ذلك الهوية أو الترف الوجودي كتفسير لدور الإنسان الشبعان في الحياة : فالجياع لا يتبعون النبي لأنهم يؤمنون بما يقول بل لأنه يعدهم بالطعام، الشبعان هو الذي يهتم بمبادئه الفكرية أو المناقشات الفلسفية أو حتى معارضته مبدئيا.

إن ما يحدث حاليا وسابقا من صراعات سياسية ـ لا علاقة لها بالسياسة بقدر ما لها عالقة بالدين ـ في المنطقة، إنما تكشف عن غياب وعي سياسي عربي، فالصراع ما هو إلى حجاب للعجز عن إيجاد حلول اقتصادية واقعية لمشاكل الشعب. فيتم عصر آخر قطرات الدين الإسلامي الذي استهلك ثم استهلك ثم استهلك على مدار تاريخه حتى بدا أنه يلفظ أنفاسه !!

لم تعرف أوروبا سياسة فعلية إلا بعد سقوط الفاتيكان كسلطة حاكمة للمجتمع الأوروبي، ولم ترى المشاريع السياسية النور إلا بعد موت المسيحية كغطاء سياسي بالقرون الوسطى . المسيحية عادت كديانة وليست كسلطة للحكم. النخب العربية المابعد الربيع العربي تكافح في إعادة بعث الروح الدينية في المشاريع السياسية الحديثة لأنها لا تفقه في التسييس الاجتماعي : فالثقافة العربية ثقافة دينية، وليست ثقافة سياسية، نحن نسلي الروح ونفاجي النفس ونأمل ونأمل ونأمل حتى لا نمل، لا نرسم وقائع تعاش تجعل من الفرد في مواجهة الحياة والأزمات والصعوبات، تجعل الإنسان يعيش واقعه كتصنيع لمستقبله، لا أن يرتع في الماضي : كما ينحبس المصدوم والمضطرب في ماضيه الآمن.

ستستمر أزمة السياسة العربية في الدين : حتى يتخلى السنة أو الشيعة عن ديانتهم ! فلو صارت الشيعة ملحدة ياترى ؟ ما الذي سيقدم عليه السنيون ؟ سينقسمون هم أنفسهم لسنة وشيعة جديدة !! ف”ريما” مريضة بعادتها القديمة ! فلن تكون لدينا سياسة أو هوية أو أسلوب حياة أو أهداف أو سلوك إذا لم تكن هناك سنة وشيعة ـ بالداخل؛ وكفرة ونصارى ـ بالخارج. هكذا تفهم السياسة العربية العالم، أما الديموقراطية والليبرالية والاشتراكية فلا هي من ديننا ولا هي من ثقافتنا ولا هي من لغتنا حتى. أين هي السياسة أصلا حتى تحتوي هذه المفردات، لذا دعنا في شيعة وداعش وسنة وشورى وروى إمامنا مالك عن أبي الزناد عن الأعرج.. فسياستنا عرجاء !

من بين الحشود يظهر البعض، مقترحين أن الحل في البنوك الإسلامية (بنوك سنية على فكرة !)، فيعلنون بذلك افلاس العقل والثقافة الاقتصادية؛ داهسين عن جهل الإدراك السياسي بأن نجاح أي مشروع اقتصادي أو اجتماعي أو مؤسسي يعتمد على الإدراة وتوزيع المهام واستغلال الوقت (دون ذكر الكفاءة وخلق الفرص). ولكن لما لا نأسلم الرياضيات فنقسم المعادلات بين السنة والشيعة، فيكون لدينا حساب التفاضل والتكامل السني والهندسة الشيعية، فذلك ما تبقى لنا من تراهات : أشهرها خدعة اليسار السياسي. ليس هناك يسار تقدمي أو اشتراكية ثورية إلا بالنسبة للكتاب والأدباء، أما بالجو السياسي فهناك يمين راديكالي ويمين نيولوك (وهو ما نظنه أو نسميه يسار) وهو في النخاع يميني محافظ يحاول إبراز ذاته في الجانب الآخر !

في كل خطبة جمعة يصيح الإمام قبل تقديم الخطبة “كل بدعة ضلالة” بدعة هنا يُقصد بها “الشيعة” بطريقة غير مباشرة !

ـــــــــــــــــــ

هذا المقال لا يعبر سوى عن رأي كاتبه، ولا يعبر بالضرورة عن رأي فريق المكتبة العامة

هذا المقال لا يعبر سوى عن رأي كاتبه، ولا يعبر بالضرورة عن رأي فريق المكتبة العامة







تعليقات الفيسبوك