قصص الأباطرة العرب الذين حكموا روما

قصص الأباطرة العرب الذين حكموا روما – بقلم: أمين نصر

شهدت جمهورية روما قبل تحوّلها إمبراطوية، وتحديداً عام 49 ق.م، آخر صراعاتها السياسية، عندما برز اسم يوليوس قيصر، قائد الفيالق العسكرية، مزاحماً مجلس الشيوخ وحليفهم بومباي على السلطة. انتهى الصراع بعد سلسلة من المعارك العسكرية، شملت جميع أنحاء الجمهورية، بتنصيب يوليوس قيصر دكتاتور روما، الذي حكم بقبضة من حديد، محدثاً تغييرات جذرية في طريقة الحكم السياسي لروما، مهدت لتحوّلها إمبراطورية. وبعد اغتياله عام 44 ق.م، انزلقت البلاد مرة جديدة إلى فوضى الحرب الأهلية، بسبب صراع بين ابنه بالتبني أوكتافيوس، والجنرال ماركوس أنتونيوس، انتهى بهزيمة أنتونيوس، وعودة أوكتافيوس إلى روما عام 29، عودة مظفرة، حاملاً لقب “أغسطس”، أول إمبراطور روماني. حكم الإمبراطورية بعد وفاة أغسطس وقبل انقسامها إلى شرقية وغربية نحو 76 امبراطوراً من عدة أسر مختلفة، كان بينهم أباطرة من أصول عربية، توزعوا بين لبنان وسوريا وليبيا والجزائر.

سيبتيموس سيفيروس 193-211

Septimius_Severus

ولد سيبتيموس سيفيروس عام 145 في مدينة لبدة، شمال غربي ليبيا، والده من أصول بونية، فينيقية. وفي بداية عام 162 انتقل إلى روما ودخل الحقل الوظيفي عضواً في لجنة صيانة الطرق، في عهد الإمبراطور ماركوس أوريليوس.

عام 187، وبينما كان في إيميسا “حمص”، تعرف على جوليا دومنا، وهي ابنة كاهن معبد إله الشمس الأعظم. تزوجها ورزق منها كركلا وغيتا، وكان لزوجته الثانية جوليا، الأثر الكبير في تكوين شخصيته، فقاسمته المكانة والنفوذ. عام 191، عُيّن حاكماً لولاية بانونيا العليا، وقائداً أعلى للفيلق البريتوري الـ14. عند اغتيال الإمبراطور كومودوس، ابن الإمبراطور أورليوس عام 192، تنافس على منصب الإمبراطور نحو 5 جنرالات، استطاع سيفيروس إخضاعهم وحاز المنصب. وعُرفت جميع هذه الأحداث بسنة الأباطرة الخمسة.

بعد قيامه بعدة إصلاحات عسكرية، انصرف سيفيروس لقتال الإمبراطورية البارثية (الفارسية)، وتوسع في حدود الإمبراطورية. استهل العام 208 بحملات في الجزيرة البريطانية، هدفت للتوسع شمالاً، لكن اشتداد مرضه حال دون ذلك، وتوفي في مدينة أبوراكوم (يورك-انكلترا)، عام 211. خلفه في الحكم ولداه كركلا وغيتا، ومعهما بدأ حكم السلالة السيفيرية الذي استمر للعام 235.

يعتبر سيفيروس من ألمع أباطرة روما وأكثرهم تصميماً وحنكة، فقام بإصلاحات زراعية ونقدية وإدارية، واهتم بالعمران والترميم، بنى في روما قوس نصر ضخماً يمجد انتصاراته، وبنى معبداً للإله جوبيتر في مدينة الشمس – بعلبك، في شرق لبنان، وأولى مدينة حمص اهتماماً جذرياً كما بنى كلية الحقوق الرومانية الشهيرة في بيروت.

كركلا 198-217

Caracalla

ولد كركلا في مدينة لوغدونوم (ليون، فرنسا) عام 188، والده الإمبراطور سيبتيموس سيفيروس، ووالدته جوليا دومنا. كانت العلاقة بين الأخوين كركلا وغيتا، يشوبها العداء والحذر والريبة. فالطموح الجامح لكل منهما في فرض السيطرة، وبسط النفوذ داخل الجيش ومجلس الشيوخ، شملت جميع أراضي الإمبراطورية. عام 211، اغتالت العناصر الموالية لكركلا شقيقه غيتا.

أصدر كركلا مرسوماً سنة 212، قضى بتجنيس جميع الرجال الأحرار وجعلهم مواطنين روماناً. وأصدر عملة جديدة عرفت بعملة الـ”إنتينونيانوس”. وفرض الضرائب على الأغنياء والأشراف، واهتم بالجيش وبرواتبه، وأمضى جل وقته مع جنوده العاديين، يحاكي طريقة عيشهم، منها الملبس والمأكل. على المستوى العمراني بنيت في عهده “حمامات كركلا”، التي يقال إنها كانت قادرة على استيعاب نحو 2000 شخص. انصرف عام 213 لقتال القبائل الجرمانية، تاركاً الحكم وإدارة شؤون الإمبراطورية لوالدته جوليا. عرف عن كركلا هوسه بشخصية الإسكندر الأكبر، محاكياً إستراتجياته العسكرية، وارتكب مجزرة مروعة باتباع مدرسة أرسطو الفلسفية لاعتقاده أن أرسطو مهذب الإسكندر هو من قام بتسميمه وقتله.

عام 217، وبينما كان يعد لحملات عسكرية، وظف القائد ماكرينوس غضب ضابط روماني على كركلا، فقام باغتياله طعناً في مدينه الرها في 8 أبريل عام 217. بعد اغتياله اقتلعت جميع تماثيله وأذيبت، وألغي احتفال سباق الخيل الذي كان يقام بمناسبة عيد ميلاده. لكن لم يتم طمس كل ما يتعلق بحكمه وصوره “دمناتيو ميمورياي” إلا بحالات قليلة نسبية.

غيتا 209-211

Geta

غيتا هو الابن الأصغر للإمبراطور سيبتيموس سيفيروس وشقيق الإمبراطور كركلا. حكم الإمبراطورية الرومانية بالشراكة مع والده عام 209 حتى 211. وعهد له ترتيب ومتابعة الشؤون الإدارية والبيروقراطية داخل الإمبراطورية. ثم اغتيل على يد شقيقه الأكبر كركلا، بعد ازدياد التنافس بينهما على تركة أبيهم والإمبراطورية الرومانية، حاول كركلا قتل أخيه عدة مرات إلى أن نجح أخيراً في 19 ديسمبر في عيد الإله ساتورن، عندما حاولت الوالدة جوليا حل الخلاف والتوسط بينهما، فقد وثب مناصرو كركلا من الحرس البريتوري على غيتا وقتلوه أمام أعين والدته وشقيقه الذي بدأ بحملة تطهير واسعة، قتل خلالها نحو 20 ألفاً، وعمل على إزالة الصور وتحطيم التماثيل، وإذابة النقود المعدنية، التي تحمل صور غيتا وكل ما يتعلق بشقيقه من السجلات الرومانية، وحرمانه من الذاكرة نهائياً.

ماكرينوس 217-218

Macrino

ولد ماكرينوس في شمال إفريقيا في مدينة شرشال الجزائرية، عاصمة ولاية موريتانيا القيصرية، من أصول بربرية عربية. حاز ثقة الإمبراطور كركلا، فعينه قائد فرقة الحرس الإمبرطوري البريتوريا، وأصبح من كبار مساعديه. في أبريل عام 217، حين كان كركلا في مدينة الرها يحضر للحملات العسكرية ضد الإمبراطورية البارثية، دبر ماكرينوس حادثة مقتله، وأعلن نفسه إمبراطوراً من إنطاكيا، التي مكث فيها طوال مدة حكمه. وقّع على عدة معاهدات سلام مع المملكة الأرمينية وداقية وبارثيا، أما على الصعيد المالي، فاتبع ترتيبات سبتيموس سيفيروس المالية، وزاد من قيمة الدينار والفضة. وبسبب الإصلاحات المالية الجديدة التي لم ترق للجيش، كثرت المخططات للإطاحة بماكرينوس.

كانت جوليا ميسا مصممة على استرداد العرش من ماكرينوس، فادّعت بأن حفيدها إيل جبل، كاهن معبد الشمس في حمص، هو ابن كركلا غير الشرعي، ومن حقه استرداد عرش والده، فأُعلن إيل جبل (14 ربيعاً) امبراطوراً في حمص عام 218، معلناً بدء التمرد على ماكرينوس. وهاجمت جيوش إيل جبل بدورها إنطاكيا واستطاعت هزيمة ماكرينوس وقطع رأسه هو وولده البالغ من العمر 10 سنوات.

“إيل جبل” 218-222

Elagabalo

ماركوس أورليوس أنتونيوس، والده السياسي السوري سيكستوس مارسيلوس، ووالدته جوليا سومنيا، ابنة شقيقة جوليا دومنا. عمل “إيل جبل” منذ طفولته كاهناً في معبد الشمس في حمص، اعتلى كرسي الحكم بعد نجاح مؤامرة جدته للإطاحة بالإمبراطور ماكرينوس. تميز عهده بالطيش والاضطرابات الدينية، إلى جانب الفضائح الأخلاقية. عند بداية حكمه قام الإمبراطور الصغير بتخفيض قيمة الدينار الروماني، وعملة الانتونينوس، وسمح لوالدته وجدته بدخول مجلس الشيوخ. وكانتا أول امرأتين تحوزان هذا التميز، فلعبتا ومارستا دوراً ونفوذاً كبيرين.

فرض إيل جبل طقوس عبادة الشمس في روما متخطية عبادة كبير آلهة الرومان جوبيتر، وما زاد الطين بلة، هو قيام إيل جبل بالزواج من إحدى كاهنات معبد الآلهة فيستا “آلهة النار” الممنوع عليهن الزواج. وذلك يعد خرقاً واضحاً للتقاليد الرومانية. عاش إيل جبل حياة مليئة بالفضائح، وكانت لديه عدة علاقات مثلية. وقد سجل التاريخ الروماني المعاصر لتلك الفترة تصرفات غير مألوفة لإيل جبل، منها التبرج.

زادت نقمة الجيش والعامة على الإمبراطور بعد استفحاله بـ”الفضائح”، فما كان من جدته جوليا ميسا، التي اقتعنت بضرورة إزاحته عن الحكم، إلا أن أقنعته بتعيين ابن خالته الصغير ألكسندر سيفيروس وصياً على العرش وخليفته. اغتيل هو ووالدته، التي شجعته على التغييرات الدينية، ونكل بجثتيهما في روما في مارس عام 222.

سيفيروس ألكسندر 222-235

Alexander_Severus

ولد في مدينة عرقة في قضاء عكار، لبنان، صعد إلى كرسي الحكم وقد بلغ من العمر 14 عاماً. حاول إحداث تغيير جذري في البلاط الروماني وإصلاح حال الشعب. قام، بتوجيه من جدته، بتعيين أولبيانوس الفقيه (مدينة صور لبنان)، للإشراف على القضاء، كما عين المؤرخ كاسيوس ديو مستشاراً له. وأنشأ مجلساً بلدياً لمدينة روما، مؤلفاً من 14 عضواً لإدارة وترتيب شؤون المدينة. وقام بالتخفيف من حدة الضرائب المفروضة، وكان يتمتع بعقل منفتح على جميع الأديان، وسمح ببناء معبد لليهود في روما.

على الصعيد الخارجي، انشغل الإمبراطور بالحروب مع الفرس، الدولة الساسانية. وعلى الجبهات الغربية الشمالية، برز مجدداً خطر القبائل الجرمانية الدائم، لكن سيفيروس حاول اعتماد الحلول الدبلوماسية مع الجرمان واسترضاءهم، ما أدى إلى نقمة بين صفوف الجيش. فكان هذا القرار ممهداً لإسقاطه على يد جنوده فاغتيل هو ووالدته في مارس عام 235 في مدينة ماينز الألمانية. وأصبح الجنرال ماكسيمينيوس الإمبراطور الجديد.

عاش سيفيروس ألكسندر حياة عادية، كان مقتصداً في المأكل والملبس، ويعد من أوائل أباطرة روما الذين كان لديهم ميل نحو المسيحية أو الدين الجديد. فتلقى العلوم المسيحية على يد أوريغانوس، وهو من آباء الكنيسة المسيحية الأولين. بوفاته خفت نجم سلالة “سيفيرين”، التي حكمت روما لنحو 42 عاماً، معلنةً عن بدء حقبة سوداء في تاريخ روما عرفت بأزمة القرن الثالث، التي انهارت فيها روما كدولة مركزية نهائياً.

فيليب العربي 244-249

Philippus_Arabus

ولد فيليب المعروف بالعربي في مدينة شهباء الواقعة ضمن نطاق محافظة السويداء في جنوب سوريا. برز اسمه نتيجة جهود قام بها شقيقه غايوس بريسكوس، الذي حاز ثقة الإمبراطور غورديان الثالث. فأقنعه بضرورة تعيين شقيقه فيليب قائد على الحرس البريتوري، بعد مقتل القائد السابق تيميسثيوس في الحملات العسكرية ضد الفرس. بعد وفاة الإمبراطور غورديان الثالث عام 244، أصبح فيليب القائد العام للحرس الإمبراطوري. لم يرتكب فيليب الخطأ الذي ارتكبه سلفه ماركينوس، فقد عاد إلى روما مباشرة وتشاور مع مجلس الشيوخ ووقع اتفاقية سلام مع الفرس، منهياً حالة العداء معهم. عندما عاد إلى روما عام 247، بعد خروجه منها قبل سنتين لمواجهة خطر القبائل الكاربي، أقام عام 248 احتفالاً ضخماً بمناسبة مرور ألف عام على إنشاء مدينة روما.

أرسل ديقيوس إلى الدانوب لإخضاع تمرد، اندلع بين الجنود على خلفية عدم رضى الجيش على نتائج حروب فيليب مع قبيلة الكاربي، فنادت الفيالق بديقيوس إمبراطوراً عام 249، وأرغموه على الزحف إلى إيطاليا. قابلهم فيليب في فيرونا شمال إيطاليا، وقتل في المعركة في سبتمبر من العام نفسه. لم يعتنق الدين المسيحي قط، لكنه كان أكثر الأباطرة تسامحاً مع المسيحيين ومهد لاعتناق روما المسيحية.

المصدر: رصيف 22

هذا المقال لا يعبر سوى عن رأي كاتبه، ولا يعبر بالضرورة عن رأي فريق المكتبة العامة

هذا المقال لا يعبر سوى عن رأي كاتبه، ولا يعبر بالضرورة عن رأي فريق المكتبة العامة






تعليقات الفيسبوك