ديكارت وسلة التفاح: وظيفة المثال في درس الفلسفة – باسكال ريكول

الوضع الاعتباري للمثال

      يلجأ مدرس الفلسفة في دروسه للأمثلة، إذ بواسطة هذه الدعامات المرئية يوضح الحقيقة ويبسط خطابه. الهدف من اختيار المثال، سواء كان إرشاديا أو تمثيليا أو تاريخيا، وبمعزل عن تنوع أشكاله، هو الإقرار بالمعنى دون إثباته.

      ينتظر من التلاميذ أن يتعلموا، من خلال كتاباتهم الإنشائية، تدعيم حجاجهم وتفكيرهم بأمثلة مختارة على نحو جيد ومندمجة في منطق برهانهم بكيفية سليمة.

       ما الوضع الاعتباري للمثال في الخطاب الفلسفي؟ ما الذي يميزه ويمده بخصوصيته؟

      للإجابة عن هذين السؤالين سأحيل على نص مقتطف من الردود السبعة لديكارت على الاعتراضات التي وجهها الأب بوردان (Père Bourdin) لكتاب «تأملات ميتافيزيقية».

 “سأستعين هنا  بمثال متداول و مألوف لكي أذكره (يقصد الأب بوردان) بصواب طريقتي هذه، حتى لا يجهلها بتاتاً، أو يدعي أنه لم يسمع بها تماماً.

إن حدث أن حصلت لديه بالصدفة سلة مملوءة عن آخرها بالتفاح وخشي أن يكون بينها تفاح فاسد، فأراد إزالته مخافة أن يفسد الباقي، فما الذي عليه القيام به؟ ألن يبدأ أولا بإفراغ السلة من حمولتها وبعد ذلك ألن يقوم بفحص التفاح الواحدة تلو الأخرى وانتقاء التفاح السليم فقط، تاركا الفاسد منه، لن يعيده مرة ثانية للسلة؟

نفس الأمر أيضا، فالذين لا يحسنون التفلسف، تكونت لديهم ومنذ نعومة أظافرهم أراء مختلفة، فهم إن ارتابوا عن حق في مجمل هذه الآراء، فسيعملون جادين على عزلها فيما بينها، خشية أن تغدوا جميعها، بفعل اختلاطها، غير يقينية. و حتى لا ينخدعوا قط، ألا يكون من الأفضل لهم استبعادها في كليتها دفعة واحدة … ليقوموا بعد ذلك، بفحصها بطريقة منظمة، الواحدة تلو الأخرى، بحيث لن يحتفظوا قط إلا بالأفكار التي يعدّونها صادقة ويقينية.”1

       يتوخى مثال سلة التفاح إضفاء المعقولية على هذا المسعى وعلى دواعي اختيار المعيار الذي يستند إليه.  علينا، للقيام بفرز منهجي للأشياء ولبلوغ نتيجة ثابتة وأكيدة، أن نسير ببطء ونتدرج في خطواتنا، مقتفين في ذلك عملية انتقاء التفاح في مجملها. عملية الانتقاء هي بمثابة نموذج يُحتذى، يرشد الذهن ويقوده في مسعاه. فهذا النموذج لا يخبر ولا يصف. ليست صور التفاح و صفاته (اللون و الشكل) أمورا ثانوية غير ذات أهمية، إنها توجه العملية التي نقوم بها، و تضمن صلاحية معيار الانتقاء (السليم، اليقين، غياب كل داع للشك)، بوصفه صالحا للعقل و مرجعا ثابتا و دائما. يقوي اتفاق العقول حول هذه المرجعية العملية قناعتَها بتماسك هذا المشروع النظري في البحث عن اليقين. تمثل الصور المتتالية للتفاح المنتقى ذلك وتدل عليه وكأنها مصنف إرشادات أو وصفات نقتدي بها ونسير على هديها. انتقاء التفاح عملية مألوفة. تكتسي المعرفة الذاتية لهذا ” الأنا ” الذي يقوم بعملية الانتقاء وتجربته حمولة كونية؛ إنهما يكشفان أيضا، عند الانتقال من القول إلى الفعل، عن وضوح المنهج ومعقوليته. هكذا إذن يزول الشك في وجه كل من يسعى لبلوغ الحقيقة.

       يوظف ديكارت، في رده على اعتراضات الأب بوردان الواردة في مؤلفه السجالي “مقالة في الفلسفة الأولى”، وسيلة متداولة في البلاغة، «قد لا تقنعه (الخطاب موجه للأب بوردان) لبساطتها، لكنها على الأقل تذكره بصواب طريقتي هذه لكي لا يجهلها البتة» . يدعم اختيار الصور الحجاجَ الديكارتي و يحميه من «الانتقادات والاعتراضات الموجهة للمنهج الذي استعمله للبحث عن الحقيقة». المطلوب هو رضا المعترض وموافقته. ما صور التفاح إلا أداة توضيحية، اللجوء إليها إقرار بضعف الخطاب الصوري في الإقناع. إن تدرج خطوات المنهج الذي يرتقي بالعقل نحو اليقين، كما في ” لتأملات” واضح وبيّن بالفعل، والقواعد التي تفضي للطريق السليم بديهية هي أيضا. يشير فعلا الاعتراض الذي وجهه الأب بوردان لديكارت والرد الذي اختياره صاحب “التأملات”، إلى الصعوبات التي تعترض الذات المفكرة في عملية التجريد في غياب “مرتكزات” مرئية. يندرج المثال إذن في منطق المناقشة.

       و لأنه يتعذر علينا، كما أشار لذلك هيجل «أن نتقدم  إلا عبر عملية التمثل»، «فإن التفكير يفترض بالضرورة توضيح المحتوى» . ليست صور التفاح وعملية الفرز إلا وسيلة لتجريد الأفكار؛ إنها بمثابة تمرين أولي نقوم به قبل انتقاء الموضوعات المجردة. يتجلى إذن الدور البيداغوجي للمثال في تبسيط المنهج وتيسيره. انتقاء التفاح وشروط هذا الانتقاء (من عدّ وإحصاء و تحليل) هو الوسيلة التي يلجأ إليها الفهم، مستعينا بالمخيلة والحواس، لإقامة قضايا صادقة يكشف عنها، من دون أن يبرهن عليها. يرتقي الذهن تدريجيا نحو الصياغة المفاهيمية الصورية (فكرة الشك واليقين) نحو هذه الأشكال الصرفة الخالية من كل محتوى حسي، مستعينا في ذلك بالصور المشتركة والأشياء المتداولة والقابلة للملاحظة في التجربة اليومية (التفاح). يمدّ فرز التفاح ملكةَ الحكم بأساس متين ومتداول. إنه يحدد شروط الفرز الجيد ومقتضياته. يقترح ما على الذهن أن يتعرف عليه (معيار اليقين أو معيار الشك) ويَعرفه على نحو أفضل. إذ حتى وإن كان الحس المشترك يرى، فإنه لا يتعرف بسهولة على ما ينبغي رؤيته. يلفت ديكارت، في رسالته لكليرسليي (Clerselier)، الانتباه إلى أنه «للبحث عن الحقيقة، يلزمنا البدء مما هو خاص لكي نرتقي إلى ما هو عام … وهكذا فعندما ندرس مبادئ الهندسة للطفل، علينا ألا نتكلم له عن قاعدة المساواة (طرح أجزاء متساوية من كمية متساوية، يكون الباقي متساويا) أو الكل أكبر من أجزائه، إن لم نوضح له ذلك بأمثلة عن حالات خاصة».2

 تمثيلية المثال

      ما صور التفاح إذن إلا منطلق التفكير في الشروط العامة لبلوغ اليقين. ليس المثال غاية في ذاته. إنه انعطاف لا مناص منه. تصبح الدلالة المتداولة للقرب التي يقيمها كل إنسان مع الأشياء محايدة، بواسطة المثال. علينا إذن، كما ذكّر بذلك هيجل، «الاستئناس بالموضوعات وتصوراتها الذهنية». يقيم المثالُ التشابهَ بين ما هو خارج عنا (التفاح الذي تم فرزه) وما هو فينا (فكرة الفرز) وهكذا يَرد المجهول للمعلوم. ما الصور إذن إلا خُدعة توضيحية. فهي تكشف طبيعة اليقين الذي تُبيّنه. يجسد التفاح ما تمثله ضرورة إقصاء كل موضوع لا يرقى لدرجة اليقين.

      هكذا فاختيار الصور ليس اعتباطي. إنها تقيم علاقات مع ما تتصوره. مع ذلك تبقى تمثيلية المثال (L’exemplarité de l’exemple)  موضع تساؤل. ما الذي تمثله صور التفاح الذي سيُفرز والسلة الفارغة؟

      ما يبرر وجود الصور هو وضوح البرهان ومعقوليته. الكيفية الوحيدة للتفكير في خصوصية الصور؛ أن تدمج في النص برمته وألا تفصل عن دواعي انتقاء الموضوعات، بما فيها المجردة. تسعى الصيغة »نفس الأمر أيضا…» التي استهل بها ديكارت الفقرة الثانية لإقامة علاقة تكامل بين ما هو حسي في المنهج و ما يطابق مبادئ العقل.

      تدعونا صور التفاح للتفكير، فهي ليست كيانات مكتفية بذاتها. لقد أوجدت صنفاً (un genre) ليست هي هو، إلا أنها «صدرت عنه وخرجت منه»، لكنها ترتبط به على مستوى الفهم. يركز الذهن بفضل هذه الصور على ما هو كائن وفي نفس الآن ـ على ما ينبغي أن يكون. بواسطة هذه العلاقات الأولية يتأسس التماثل.

      هذا التجانس في البنية بين فرز التفاح وفرز الأفكار فيما بينها هو تجانس بين الطريق الذي نسلكه في التطبيق وذاك الذي نتبعه نظريا. يحيل التوازي (le parallélisme) القائم بين الشروع في العمل المنهجي (إفراغ المحتوى كليا؛ مسح الطاولة) والمعايير الضرورية (الفاسد والمشكوك فيه) والجهد المبذول، يحيل كل هذا على ضرورة توخي الحذر وفصل العناصر المشكوك فيها (التفاح المتعفن) عن العناصر السليمة تجنبا لكل تعفن محتمل. هكذا إذن يتسم إدراك الموضوع الأساسي (فرز الأفكار ومصداقية معيار للفرز) بالبداهة والوضوح. بواسطة هذا التجانس في البنية يتجه التنوع الحسي وتعدد الحالات الزمكانية المُبهمة (مختلف أصناف التفاح) وخصائصها المتعددة (سليمة ـ متعفنة) نحو ما يرتضيه العقل؛ وحدة المعنى.

      لا يقدم المثال إذن إلا حقيقة جزئية تحيينها، مرهون بتجاوز الصور التي جعلته مفكراً فيه. ينبغي إذن تجاوز الطابع المؤقت للصور وخاصيتها التجريبية بواسطة عمل العقل. تتوحد الثنائية الظاهرة والأولية بين الأفكار والاستعارات، في تشابههما. لا يفصل ديكارت، عند صياغته للفقرة الثانية، هذه الفاكهة عن علاقتها الطبيعية بالواقع. إنه يكشف عن حقيقتها الفعلية، لا عن تلك الخصائص التي نضفيها مباشرة وبكيفية تلقائية على الأشياء والتي يدعوها جون لوك (John Locke) “الخصائص الثانوية”، حيث اختزلت في وظيفة واحدة تفيد الحياة المعاشة: تفادي تناول الفواكه العفنة وعزلها عن الفاكهة السليمة كي لا تتعفن هي الأخرى. إن كان الأمر كذلك، فإن الإدراك الحسي سيتشبث بتجربة ناجعة بالفعل، لكن مبررها ينفلت منه.

       على الأفكار إذن أن تعلمنا هذا وتجعلنا على بيّنة من الطابع العقلاني لطريقة، ما الصور فيها إلا علامات وإشارات. لا يوجد انفصال بين تمثل المحسوسات وما هو مرئي. الأول تعبير عن الثاني، شريطة أن تستدعي وحدتهما الطبيعية، تأجيل (suspension) ما يدل عليه عموما فرز التفاح وأن يتم الانتقال من التفاح إلى الأفكار ـ موضوعات على اختلافها في الظاهر ـ على أحسن وجه. هكذا فالتطابق بين الأجسام الطبيعية والموضوعات الفكرية قد تم تنظيمه مسبقا (préréglée). طريقة المقارنة، التي تتيح اختزال الفقرة الأولى في الثانية قابلة إذن للتعميم. في هذا السياق، تعلن القاعدة الرابعة عشر أنه «لما كانت الأقيسة لا تفيد إطلاقا في إدراك الحقيقة، كان من صالح القارئ أن يعرف أن كل علم غير مكتسب بمجرد الحدس الخالص، إنما يكتسب بالمقارنة بين موضوعين أو أكثر. و يكاد ينحصر مجهود العقل الإنساني كله في التمهيد لعملية المقارنة هذه » . ( ديكارت – قواعد لتوجيه العقل )

 نظام المعرفة سابق على نظام الوجود

      لا تتيح المحسوسات وحدها إدراك خصائص فكرة اليقين والشك والفرز المستخلصة بواسطة الصور. ليس الأمر إلا محض تشابه. لهذا فإن فهم الانتقال من العمل المرئي لفرز التفاح وتطبيقه على عمل الذهن، يستلزم إدراك العلاقة التي تربط فرز التفاح بشروط الفرز الجيد. هناك إذن حكم مسبق يقوم عليه التشابه. بل يبدو أيضا أنه لإصدار حكم سديد حول فرز التفاح ـ وللتطبيق الجيد لهذا الحكم ـ لا بد من تصور قبلي عن شروط إصدار مثل هذا الحكم، من هنا يكتسي المثال تمثيليته.  يسبق التصور التمثل «عندما تحكم على تفاحة قد تفسد بالصدفة غذاءك، أنها جيدة، فإنك تتصور فعلا أن ما هو طيب ولذيذ هو طعمها و رائحتها … و لأنك تتصورها على هذا النحو، فإن حكمك يكون بهذا الشكل».4  إن التصور الذي نكونه عن الكوني و الشمولي ـ شكل الفرز و معيار الصدق في الفرزـ  يجعل المعرفة بالمكونات المادية واضحة و عملية الفرز ممكنة: يفترض هذا أن فرز التفاح بهذه الكيفية مطابق للعقل. لم يتم التفكير في التفاح من أجل ذاته، فهو تعبير عن تماسك مسعى إجرائي. ليس التفاح إلا ما هو مرئي. يقوم التساؤل أولا وقبل كل شيء على ما يميز نظام الفعل. الأولوية إذن لنظام المعرفة على نظام الفعل.

      صاغ ديكارت هذا النص بكيفية تختلف عن الوضع الطبيعي للأشياء، حيث الأسبقية للمحسوسات. أقام نظام العقل هذا المقطع بناء على ما نريد معرفته. فلسفيا، لا بد أن نعرف ما هي عليه الأشياء قبل أن نعرف ما هي. لا تخضع إذن صياغة النص لمسار خطي. لا تكتسي قراءته معناها إلا لأن الذهن في عملية التعميم أعطى الأولوية أولا وقبل كل شيء للأفكار الأساسية التي تعقلن عملية الفرز.  ما الاستقراء إلا خدعة. المنطق الذي يحتكم إليه النص في كتابته مخالف لطريقة صياغته. تبرر الفقرةُ الثانية الفقرةَ الأولى، فإن بدا أن فرز التفاح عملية ناجعة، فذلك لأنه قد تم التفكير أولا وقبل كل شيء في تحديد كل من الفرز وطبيعة الفعل المرتبط به. يتعرف الذهن في فرز التفاح على ما يتذكره عن شروط الفرز الجيد وغايته. يخفي نظامُ المعرفة نظامَ الوجود.

      يعتبر ديكارت أن ما قال به ودافع عنه الأب بوردان، بأنه «من المعرفة إلى الوجود، التبعية غير صحيحة» غير مقبول. يرد ديكارت على هذا القول السكولائي (scolastique)، قائلا: «من المعرفة إلى الوجود، التبعية سليمة، إذ يتعذر علينا أن نعرف شيئا ما إن لم يكن فعلا، كما نعرفه، يعني موجودا، أو أن ما هو معطى لنا في المعرفة هو فقط طبيعته».5 هكذا إذن يفند ديكارت الاعتراض الذي قدمه الأب بوردان، لأنه ينقض القاعدة المنطقية التي تعتبر أن الأشياء التي تعرض هي الأولى ولم يسبقها شيء آخر (هنا فرز التفاح بناء على معيار الذوق) ينبغي أن تُعرف من دون حاجة للأشياء التي تليها، لكن الأشياء اللاحقة (هنا فرز الآراء بواسطة معيار الشك) يلزم، بعد تنظيمها وترتيبها، استحضارها بواسطة الأشياء التي سبقتها.

      يفترض الاستقراء الاستنباط، إذ استنبطت طريقة فرز التفاح من الطابع الكلي والشمولي لشروط  الفرز الجيد. إن هذه الطريقة في التفكير السليم والانجاز المحكم» تظهر لي، ببداهة كلية، حقيقتها التي تلائم طبيعتي ملاءمة شديدة، بحيث يبدو لي أني لا أتعلم أمرا جديدا، عندما أكتشفها، بل أتذكر ما كنت أعلمه من قبل، أي أدرك أمورا موجودة في ذهني، سابقا و إن لم أكن قد وجهت إليها فكري بعد».6

       هكذا إذن تثبت فكرة انتقاء الآراء الموجودة فينا، حقيقَتَها الموضوعية بتطبيقها في الفرز الفعلي للتفاح. لكن المقارنة لا تكتسي قيمتها إلا لأن التصور الذي كونه الفهم عن ماهية الفرز الجيد يحمل في طياته كل الحجج التي نستنتج من خلالها تماسك الفرز المنجز.

      إن أردنا، في نظر ديكارت، بلوغ اليقين في الفكر، علينا ألا نبدأ من الوجود الخارجي للأشياء. إن الاشتغال على مثال سلة التفاح يدعونا لتحديد المنطلق الفعلي لكل معرفة تخص الذات المفكرة وبنيات التفكير. النظام الذي احتكم إليه ديكارت هو بالفعل النظام الذي يخضع له التفكير في الأشياء ومعرفتها على هذا النحو، لا نظام الموضوعات الطبيعية.

     هذا ما يؤكده ديكارت، في “ردوده على الاعتراضات الأولى” قائلا: «لا ينبغي علينا أبدا، وفقا لقوانين المنطق السليم، أن نطلب أي شيء إن لم نعرف أولا ما هو عليه هذا الشيء».7 إن نظام الأفكار هو الذي يوجد في نظام الأشياء. الخصائص الفكرية التي كوناها عن التفاح هي في حد ذاتها خصائص أفكارنا عنه. الأولوية المنطقية والفكرية إذن هي للفكر. عندما يفحص الذهن التفاحَ فإنه في نفس الآن يفحص ذاته، يكتشف فيه ويتعرف فيه على الأفكار الدالة على الأنا المفكر. «يلزم من كوني لا أعرف شيئا آخر يخص ماهيتي أنه لا يوجد أيضا في الحقيقة شيء آخر يخصها».8

 هل بالإمكان تجاوز المثال؟

      يتفحص الذهن إذن في المقام الأول الأفكار. لا يكتفي ديكارت باستخلاص الشروط العامة ومراحل اكتساب المعرفة الصادقة من عملية فرز الفواكه. لا تشتق الفقرة الثانية من الأولى، إنها تشير، خلافا للتجريبيين، إلى أن النوع والمفرد الذي يتجسد فيه لا يشكلان زوجا (une dualité). الكوني هو الطبيعة الفعلية التي تضفي، بكيفية معقولة ومستساغة، الموضوعية على المفرد. وقد تم إدراكه بالحدس. إلا أن هذا “الحدس الماهوي” (intuition éidétique)، كما دعاه هوسرل (E. Husserl)، يقر- عند تطبيقه- بعيوب كل تمثل، المثال شاهد عليه.

      فعلا إن الصور المشار إليها في الفقرة الأولى تبقى قاصرة وناقصة في نفس الآن وكل قراءة للنص تقف عندها، ستكتفي بأحكام مسبقة مُغالطة، ولن تستجيب لمقتضيات البيان وتميز الأفكار من أجل معقولية البرهان. لا يمكن أن تحل الصور محل أفكار ما هي إلا نسخ منها.  لن تؤسس الصور وحدها حقيقتها الخاصة بها. إن الإحالة على الأفكار وعلى حقيقة دائمة (أبدية) هو ما يضمن جودتها وتمثيليتها. عندما فكر ديكارت في فرز التفاح، فقد تأمل، في الآن نفسه، مسار فكره نحو المعرفة اليقينية. ليست حقيقة فرز التفاح إلا التعبير المقترح عن حقيقة الأنا المفكر ومعرفته بصور الأشياء. لا يكشف لنا التفاح إلا نشاط ملكة الحكم العقلي وهي تباشر تأويلها لخصائصه.

      هكذا، ما اعتراض الأب بوردان والذي رد عليه ديكارت بحكمة وتبصّر، إلا مناسبة يؤكد فيها الأنا المفكر مجددا أولوية الفهم على الحواس، أولوية التصور على التمثل.

      لا يعد المثال هنا ممكناً ولا مقنعاً، إلا لأن ما يمثله ليس فقط مدركا بل هو أيضا قابل للفهم ما دام في نطاق الأنا المفكر. لهذا السبب يتم الإقرار به. تندرج الصور على تخوم هذه الآراء المعرفة (الارتيابي، اليقيني، ماهية الفرز…) فهي ليست فقط معقولة، بل أيضا مفهومة. ولأن هذه الخطة تقترح أفكارا حدودها قابلة للتعيين، فإنها تحضى بقبول المعترض و رضاه.

      هكذا، كما يبيّن ” التأمل السادس ” من خلال مثال الشكل الهندسي ذي الألف ضلع9، إن كان فعلا التمثل بواسطة الصورة وسيلة إجرائية تغري ملكة الفهم باللجوء إليها، فإنه (أي التمثل) يقر بمحدوديته ويعلن بطلانه عندما يتجاوز ما ينبغي إدراكه حدودَ الخيال.

      إن تبرير الأسباب التي دعت لاختيار المثال والعودة إليه كما يبدو هنا -كسند للبرهان بالمماثلةـ قد يساعدنا فيما بعد في عملية تبرير حدوده. ما يبقى على عاتق رجل التربية شرحه للتلاميذ، في درس آخر هو لماذا حسب التعبير الديكارتي «لا أنصح بقراءته بتاتا لأحد من الناس إلا لمن يريدون أن يتأملوا معي تأملا جديا، و يستطيعون أن يحرروا أنفسهم من مخالطة الحواس.» 10 ، يعني تجاوز المثال.

ــــــــــــــــــــــــــــ

  1. . Septièmes réponses aux Objections contre les Méditations. Edition G. Flammarion. P 426.

  2. . Lettre à Clerselier. G. Flammarion. P 377

  3. Règles pour la direction de l’Esprit. La Pléiade. P 96.

  4. Cinquièmes Réponses à Gassendi.

  5. Remarque sur les Septièmes Objections. G. Flammarion.

  1. ديكارت. التأمل الخامس. (اعتمدت ترجمة عثمان أمين. المكتبة الأنجلومصرية. الطبعة الثانية. ص 210 .)

  2. Premières réponses. La Pléiade. P 348.

  3. ديكارت. تأملات ميتافيزيقية.. تصدير المؤلف. (ترجمة عثمان أمين. ص 48.)

  4. ورد هذا المثال في التأمل السادس على النحو التالي: “ولكن إذا أردت أن أفكر في الألف ضلع. فإني أتصور في الحقيقة أنه شكل محاط بألف ضلع، بمثل السهولة التي أتصور بها أن المثلث شكل محاط بثلاثة أضلاع فحسب.” ص 238 .

  5. ديكارت. تأملات ميتافيزيقية. (ترجمة عثمان أمين. 50)

المصدر

هذا المقال لا يعبر سوى عن رأي كاتبه، ولا يُعْتبر نشر المكتبة العامة له نوعاً من الموافقة على مضمونه.

هذا المقال لا يعبر سوى عن رأي كاتبه، ولا يعبر بالضرورة عن رأي فريق المكتبة العامة






تعليقات الفيسبوك