التشرذم النفسي .. أبوهريرة يوم الجمعة إلفيس يوم السبت

التشرذم النفسي .. أبوهريرة يوم الجمعة إلفيس يوم السبت – بقلم: حمودة إسماعيلي

حينما تصطدم التقاليد بالحداثة، كصراع لتشكيل هوية حضارية دون فقدان أي معطى ـ سواء تقليدي أو حداثي ـ يحدث التشرذم النفسي كسوء تكيف مع الواقع الثقافي المتغير تاريخيا. على هذا المنوال : وهو ما يحدث بالمجتمع العربي المتأثر بالخطابات الإسلاموية كأساس، وبالاستهلاكية المظهرية كأسلوب تأقلم ثقافي في ظل عولمة العالم تجاريا. يتمظهر التشرذم على مستوى العقل (ثقافيا) وعلى مستوى المادة (مظهريا) كالتالي :

يصبح الشخص المعني هنا فقيها حنبليا يوم الجمعة، ومغني روك أند رول مستهتر عشية السبت. فإذا التقيت به في يوم الجمعة فلن تفلت من أخذ حصة من الأذكار والأدعية، ومن التقريع إذا كنت ممن يتجنبون سماع خطبة الجمعة السخيفة والجالبة للاكتئاب؛ أما إذا كان يوم السبت فأنت مدعو لشرب كأس في بار حقير أو الرقص في ملهى رخيص، أو كأضعف إيمان التجوال بالمرافق التي تتكاثر في الفتيات ذوات العطور الرخيصة المسببة للزكام، والمؤخرات المشحونة كهربائيا.

في شهر رمضان تندهش من تحول بعض الفتيات والنساء ل”رابعة العدوية”، أما في باقي الأيام السعيدة فهي مارلين مونرو أو سعاد حسني. أما في الأيام السيئة فتجدها كهاني شاكر أو حمادة هلال “دايماً دموع دايماً ألم…

إن الإشكال، ليس في حرية اختيار الشخص أن يكون غراندايزر أو جيمي هاندريكس أو حتى أسامة بن لادن بنفس الوقت؛ الإشكال هو في فرض الناس لآراءهم المتقلبة على آخرين سواهم، فقط كافتراس نفسي للاخرين كإشباع لأحاسيس التمكن الاجتماعي والتفوق على مستوى إدارة الواقع ذاتيا. يتلون الناس حسب شكل الواقع أو بتعبير أوضح حسب نوعية الحدث اليومي : إن كان عيدا وطنيا يتم استدعاء احساس قومي تعصبي مضحك، وإن كان يوما احتفاليا فهلم لتدخين الماريجوانا، وإن كان عيدا دينيا فلبيك اللهم لبيك !

إن ما يسبب الشعور بالذنب لبعض الناس، هم الناس المتشرذمة نفسيا، يقرّعك يوم الثلاثاء حتى تكره نفسك، أما هو فيوم الأربعاء سيكون شخصا آخر، وتظل أنت تأكل نفسك ! وكما في عنوان كتاب جميل للكاتب عبد الوهاب مطاوع “صديقي لا تأكل نفسك”، فياصديقي أو صديقتي لا تأكل(ي) نفسك، فالإنسان يأكل نفسه حينما يسمح للآخرين بأن يخبروه كيف يجب أن يعيش الحياة. فلنتخيل لو أن نيوتن وأينشتاين وأجاثا كريستي وأون سان سو تشي وأرسطو وسيمون دي بوفوار وشارلي شابلن ووالت ديزني وأديسون وبيل غيتس وجوبز ونزار قباني وتشايكوفسكي وما شابههم عاشوا الحياة كما فرضها عليهم الآخرون : فلم يكونوا ليوجدوا لأنهم كانوا سيأكلون أنفسهم، كما تؤكل الوجبات الأسبوعية المختلفة. الحياة يجب أن تعاش كما تحب وليس كما يحب هو أو هي أو هن أو ما سواه من الضمائر المستترة.

ف”إذا لم تَكُنْ مَطَراً يا حبيبي، فكُنْ شجراً.. مُشْبَعاً بالخُصُوبةِ، كُنْ شَجَرا
وإنْ لم تَكُنْ شجراً يا حبيبي، فكُنْ حجراً.. مُشْبعاً بالرُطُوبةِ، كُنْ حَجَرا
وإن لم تَكُنْ حجراً يا حبيبي، فكن قمراً.. في منام الحبيبة، كُنْ قَمرا”(1).

وقل للباقين “أَلم تتعبوا أَيُّها الساهرون ؟
واقفون هنا. قاعدون هنا. دائمون هنا. خالدون هنا.
ولنا هدف واحدٌ واحدٌ واحدٌ: أن نكون.
ومن بعده نحن مُخْتَلِفُونَ على كُلِّ شيء : على صُورة العَلَم الوطنيّ (ستُحْسِنُ صُنْعاً لو اخترتَ يا شعبيَ الحيَّ رَمْزَ الحمار البسيط).
ومختلفون علي كلمات النشيد الجديد (ستُحْسِنُ صُنْعاً لو اخترتَ أُغنيَّةً عن زواج الحمام).
ومختلفون علي واجبات النساء (ستُحْسِنُ صُنْعاً لو اخْتَرْتَ سيّدةً لرئاسة أَجهزة الأمنِ).
مختلفون على النسبة المئوية، والعامّ والخاص، مختلفون على كل شيء. لنا هدف واحد: أَن نكون ومن بعده يجدُ الفَرْدُ مُتّسعاً لاختيار الهدفْ”(2).

إننا “نحبُّ الحياةَ غداً؛ عندما يَصِلُ الغَدُ سوف نحبُّ الحياة
كما هي، عاديّةً ماكرةْ رماديّة أَو مُلوَّنةً.. لا قيامةَ فيها ولا آخِرَةْ”(3).

ألا فغادر اليوم “يومهم”، وعُد في يوم آخر “يومك” أنت.

هوامش :
1 ـ 2 ـ 3 : محمود درويش – قصيدة يُنقبُ عن دَوْلَةٍ نائمةْ.

ـــــــــــــــــــــــــــ

هذا المقال لا يعبر سوى عن رأي كاتبه، ولا يعبر بالضرورة عن رأي فريق المكتبة العامة

هذا المقال لا يعبر سوى عن رأي كاتبه، ولا يعبر بالضرورة عن رأي فريق المكتبة العامة

تعليقات الفيسبوك