مناقشة قضية الخلود والحياة الأبدية من الناحية العقلية والدينية

مناقشة قضية الخلود والحياة الأبدية من الناحية العقلية والدينية – طاهر يونس حسين

هناك الكثير من الناس ممن ينكر قضية الخلود، و منهم من يرفضها عقله لأنه لا يمكن أن يتصور و لا بأي شكل من الأشكال عدم وجود نهاية لشيء ما بالتالي لا يمكن أن يكون هناك حياة أبدية، و سوف نناقش الأمر من الناحية العقلية و الدينية من خلال العديد من الأمثلة، فمثلاً لو أخذنا حالة الأرقام هل يمكننا أن نصل إلى رقم و نقول أنَّ هذا الرقم هو الرقم النهائي و الذي لا يوجد رقم بعده، فلو بدأنا بالعد بدءاً من الرقم واحد و حتى مليار سنة فلن ننتهي من مسألة العد، و حتى الرقم الواحد و الذي يعتبر أصغر رقم صحيح.. هذا الواحد لو بقيت مئة ألف سنة تجزِّئْهُ لأرقام أصغر لن تنتهي، و كل رقم يعتبر رقم حقيقي ربما يكون له أثر ما حتى و لو لم نستشعره لفرط صغر قيمته، و حتى مسألة الأحجام بدءاً من الأرض و صولاً إلى أكبر مجرة، فكلَّما صعدنا في الفضاء وجدنا أنَّ الحجوم تكبر و المساحات المرعبة تتضاءل و تصبح تافهة و صغير ة الحجم بالنسبة لغيرها، فالشمس و التي تتسع لمليون كرة أرضية بداخلها تصبح نقطة تافهة غير مرئية بالنسبة لنجوم أكبر منها، فمثلاً نجم “UY Scuti” يملك قطر يساوي 2.4 مليار كم أي أنَّ حجمه أكبر من حجم الشمس ب 5 مليارات مرة، و مع ذلك هذا النجم على الرغم من حجمه المرعب يصبح نقطة تافهة غير مرئية بالنسبة للمجرة، و إنَّ عدَد النجوم في مجرة درب التبانة متوسطة الحجم من مئة مليار إلى 300 مليار نجم، وعدد المجرات في الكون يقدر ب 200 مليار مجرة، و مجرةُ درب التبانة متوسطة الحجم لو استخدمنا مركبة تسير بسرعة الضوء نحتاج الى 200 ألف سنة لنسافر من طرفِ المجرة إلى الطرف الآخر، و يقولُ العلماء إنَّ هناك على الأقل مائة مليار كوكب في المجرة، إنَّ أقربَ مجرة لمجرتنا دربُ التبانة هي مجرة المرأة المسلسلة و تبعد بمقدار 2.5 مليون سنة ضوئية ..

أي لو كان هناك شخص يجلس في تلك المجرة و أردنا أنْ نجريَ معه مكالمة صوت و صورة حتى يصلَ صوتنا و صورتنا إليه نحتاج إلى 2 و نص مليون سنة، و حتى يرُد علينا نحتاج أيضاً 2.5 مليون سنة، و حتى المجرة التي تملك حجماً مرعباً تصبح نقطة تافهة و سخيفة بالنسبة لصفحة السماء أو الكون، فهل يمكننا القول بأنه يوجد مكان ما ينتهي عنده كل شيء و لا يوجد شيء بعده.. هل يمكننا القول أنَّ هذا النجم هو أكبر حجم و لا يوجد شيء أكبر منه.. بل إنَّ العقل ينكر مسألة انتهاء شيء عند حد معين و لا يوجد شيء بعده أو أكبر منه، و كلما انتقلت من مكان ستجد مكاناً أكبر منه ..

الآن لو سرنا بالاتجاه العكسي في الكون الصغير، ففي أمريكا قام عدد من الباحثين بإحضار أنظف مخدة نوم ” وسادة ” ثمَّ تم تكبيرها باستخدام مجهر يكبر آلاف المرات، فظهر لهم دابة ترعى كالخروف على هذه المخدة ” وهي من فصيلة العناكب و لكنها تشبه الحروف بشكل كبير” ، و هي تأكل فراكة جلد النائم و التي تسقط على المخدة .. لو وضعنا نقطة ماء صغيرة تحت المجهر لوجدنا فيها عالم متكامل من مخلوقات عجيبة.. و صراحةً هذا العالم الصغير مرعب ومدهش، فمن السَّهل عليك بناء الأشياء الكبيرة.. على سبيل المثال غرفة بأربع حيطان و سقف، و لكن الأشياء الصغيرة صعبة الإنشاء فنحن لكي نضع خيط داخل إبرة نشعُر بالصُّداع، فكيف مخلوق تم تكبيره بالمجهر يكبر آلاف المرات، و مع ذلك هذا مخلوق متكامل له عيون و أرجل و جهاز عصبي و دماغ و فم و معدة إلخ.. تشكيل هذا المخلوق بهذا الصِّغر شيء عجيب صراحة.. كان العلم يعتقد أنَّ الذرة هي أصغر شيء في الوجود، و لا يوجد أصغر منها ثمَّ تبين أنَّ هناك أشياء أصغر من الذرة الكترونات و بروتونات و كواركات ثم الأوتار، و أعتقد أنَّ هذا العالم الصغير لا حدود له فهناك أيضا المزيد من الصغر كما أنَّه لا حدود للكبر، و أعتقد لو أحضرنا مجهر يكبر مليار مرة.. لوجدنا أيضًا أشياء مدهشة، و لو أحضرنا حجرة صغيرة و كبرناها بالمجهر لوجدنا فيها حياة متكاملة أمم و شعوب و قبائل تعيش على قطعة البحص الصغيرة، و قد يكون بينها حروب طاحنة و أسلحة و قنابل تُناسب هذه البحصة التي تعيش عليها، و قد تكون كُرتُنا الأرضية بالنسبة لمخلوقات ثانية هي كمثل البحصة الصغيرة، و قد يَوَد أحدُهم أنْ يُكَبر كُرتنا الأرضية بالمجهر ليكتشف ما فيها.. ليصيبه الذُّهول من رؤية أمم و شعوب وحضارات و جيوش و حياة متكاملة على قطعة الحجر التي نسميها الأرض..

بالتالي كل هذا نسميه أبدية سواء أبدية الحجوم و عدم انتهائها أو أبدية الأرقام وعدم انتهائها و هي أبدية لأن خالقها أبدي و لاحدود له، و الزمن ينتمي لعالم الأرقام أليست الأيام و الشهور و السنين عبارة عن عداد يتزايد من الأرقام .

الآن لو أتينا إلى مسألة الزمن إنَّ زَمن الأرض التي نعيش عليها مرتبط بدوران الأرض، و من هذا الدوران ” سواء حول نفسها أو حول الشمس ” ينتج لدينا الساعات و الأيام و السنين.. إنَّ السنة على سطح الأرض تُعادل 365 يوم… بينما السِّنة على سطح عطارد تعادل فقط 88 يوم من أيامنا، و تبلُغ قيمة السّنة في كوكب الزهرة 224 يوم بينما اليوم على كوكب الزهرة يعادل 243 من أيامنا، أي أنَّ اليوم على سطح كوكب الزهرة أطول من سنته ” شيء عجيب “.. بالتالي لكُل نظام حركي زمنُهُ الخاص من كواكب و مجموعات شمسية و مجرات إلخ.. و الله أخبرنا في قرآنه عن تفاوت الأنظمة الزمنية .. يقول ربُّنا: ” يُدَبِّرُ الْأَمْرَ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ ثُمَّ يَعْرُجُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ أَلْفَ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّون ” و يقول في آية أخرى ” تَعْرُجُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَة “، و نقطة أخرى أن هذا الكون في يوم من الأيام سوف يتدمر ليتم إعادة صياغته بشكل جديد و نظام كوني جديد بزمن جديد يتناسب مع تلك الحياة الأبدية الخالدة ..

قد يسأل سائل كيف يمكن لهذا الجسد الإنساني أن يتحمل الخلود و لا يتعرض للتلف عبر الزمن و الجواب على هذا السؤال هو: أنَّ أجسادنا من أي شيء مصنوعة.. أليست هي من تربة الأرض؟ و بعد الموت يعود الإنسان إلى التراب، و لكن هذه الأرض سوف يأتي يوم و تتدمر و لن تكون هي المكان الذي سيعيش عليه الإنسان، فأنت تعيش على الأرض الآن لذلك جسدك مركب بشكل أساسي من تربة هذه الأرض، و في الآخرة لا أعتقد أنَّ جسد الإنسان سيكون مثل الأجساد التي نراها الآن من حيث التركيبة و الشكل.. سيكون هذا الجسد متوافق مع ذلك العالم، فأجساد أهل النار ستكون تركيبتها موافقة للنَّار، و أجساد أهل الجنة ستكون تركيبتها متوافقة مع بنية الجنة.. ربما تكون أجساد نورانية وليس طينية ترابية كأجساد أهل الأرض، بالتالي قد يكون هناك تراكيب جديدة و أشكال جديدة مختلفة كلية عن الأشكال و التراكيب التي نعرفها، فنحن ضمن الدنيا تتغير أشكالنا في كل مرحلة زمنية، و يصبح لدينا شكل مغاير بالكلية عمَّا كنَّا في السابق هذا ضمن العالم الواحد، فكيف ضمن العوالم المختلفة ..

إنَّ مسألة إدراكنا لهذا العالم المحيط بنا تتم عن طريق هذا العقل المحدود، و عن طريقه تمَّ إنتاج كُل ما توصلت إليه البشرية من علوم و فكر، و لكِن هذا العقل عبارة عن آلة صغيرة محدودة مُبرمجة فقط للتعامل مع العالم المحيط، و لا تصلُح أبدًا لخارج هذا العالم.. أنت كإنسان آلة حية مبرمجة بكل ما للكلمة من معنى.. يقولُ ربُّنا ” و َلَوْ أَنَّمَا فِي الأَرْضِ مِن شَجَرَةٍ أَقْلامٌ وَ الْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِن بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ مَّا نَفِدَتْ كَلِمَاتُ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ * مَّا خَلْقُكُمْ وَ لا بَعْثُكُمْ إِلاَّ كَنَفْسٍ وَاحِدَةٍ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِير ” .. بالتالي لو أحضرنَا دبوس و غَطسناهُ في ماء المحيط الأطلسي فإنَّه سوف يعود بنقطة تافهة من الماء.. لا نقول إنَّ علوم البشرية التي توصلت إليها هي كنقطة الماء التي عاد بها الدبوس بالنسبة للبحر، و إنَّما نقطة الماء التي عاد بها الدبوس تُمثل بحر، و علم البشرية عبارة عن نقطة تافهة منها، و من المعلوم إنَّ كل وسائل الترفيه و الحياة الميسرة من كهرباء و تلفاز و انترنت و تكنولوجيا .. إلخ هي من نِتاج العلم بالتالي يُمكنك تصور كم سيكون مذهلاً مقدار العلم المرعب الذي يملكُه الله في إنتاج وسائل من الترفيه و الاستمتاع و أشياء أخرى لا تخُص المتع الحسية و الجسدية.. لأنَّ الحياة ليست فقط أكل و شرب و نساء، و إنَّما هناك أشياء مخفية لا يمكنني الكلام عنها لأنَّها ضمن العلم اللدني عند رب العالمين، و هي خارج نطاق العقل البشري، و بذلك يُصبح لمفهوم الجنة و الأبدية معنىً.. بأن تكونَ نظام حياة شامل فيه أعاجيب و غرائب و يتناسب مع حياة أبدية، و ليس فقط مكان للأكل و الشُّرب، و لا نعلم ماهيته و لا كُنهَهُ و بالفعل أفضل توصيف للجنَّة لا عينٌ رأت و لا أذنٌ سمعت و لا خطرَ على قلب بشر.. لأنَّه في العالم الآخر الأبدي و لله العلم سيكون هناك عقل جديد و عيون جديدة، و آذانًا جديدة، و أشياء أخرى غير العين و السَّمع و الشَّم و الذوق قد يكون هناك حواس جديدة لا يعلمها إلا الله.. تركيبة جديدة بحواس جديدة مختلفة كُل الاختلاف عن تركيبة الطِّين البشرية الدنيوية .. قال تعالى ” نَحْنُ قَدَّرْنَا بَيْنَكُمُ الْمَوْتَ وَ مَا نَحْنُ بِمَسْبُوقِينَ * عَلَىٰ أَن نُّبَدِّلَ أَمْثَالَكُمْ وَ نُنشِئَكُمْ فِي مَا لَا تَعْلَمُونَ * وَ لَقَدْ عَلِمْتُمُ النَّشْأَةَ الْأُولَىٰ فَلَوْلَا تَذَكَّرُون “

إنَّ الإنسانَ هذا الكائن المسكين.. يطمح للشُّهرة بأي وسيلة.. يريد أنْ يصبحَ أي شيء يجعله مشهوراً.. فنان.. مطرب.. عالم .. كاتب.. أي شيء ليس حباً في الشهرة، و إنَّما في محاولةٍ للبحث عن الخلود .. الخلود الذي يأسَ أنْ يحصلَ عليه باستمرار حياته، فقنُعَت نفسه بأن يكون له أي نوع من الخلود، و لو ذكرى أو كلمات.. أو أي شيء يُبقِي له جزء من السيرة.. إنَّ عقلَهُ لا يمكن أن يستوعبَ أنَّه سوفَ يموت في يومٍ من الأيام ، لأنه في قرارة نفسه يدرك أن هناك أبدية و هناك حياة خالدة، و حتى العلماء يسهرون الليل و النَّهار في البحث العلمي في الفيزياء و الطب و الهندسة و علوم الكون.. عسى يصلون في يوم من الأيام إلى الخلود، و حتى آدم عليه السلام ما تجرَأ على الشَّجرة إلا طمعاً في هذا الخلود ” وَ قَالَ مَا نَهَاكُمَا رَبّكُمَا عَنْ هَذِهِ الشَّجَرَة إِلَّا أَنْ تَكُونَا مَلَكَيْنِ أَوْ تَكُونَا مِنْ الْخَالِدِين ” [الأعراف – 20]، و إنَّ كثيراً من الأشياء التي نُغلفُها بهدفٍ سَامٍ كنُصرة حق أو علم أو أي شيء يكون وراءَها شهوة الخلد الخفية.

” وَ يَوْمَ يُنفَخُ فِي الصُّورِ فَفَزِعَ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَ مَن فِي الأَرْضِ إِلاَّ مَن شَاء اللَّهُ وَ كُلٌّ أَتَوْهُ دَاخِرِين * وَ تَرَى الْجِبَالَ تَحْسَبُهَا جَامِدَةً وَ هِيَ تَمُرُّ مَرَّ السَّحَابِ صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ إِنَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَفْعَلُون * مَن جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ خَيْرٌ مِّنْهَا وَ هُم مِّن فَزَعٍ يَوْمَئِذٍ آمِنُون * وَ مَن جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَكُبَّتْ وُجُوهُهُمْ فِي النَّارِ هَلْ تُجْزَوْنَ إِلاَّ مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ * إِنَّمَا أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ رَبَّ هَذِهِ الْبَلْدَةِ الَّذِي حَرَّمَهَا وَ لَهُ كُلُّ شَيْءٍ وَ أُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُسْلِمِين * وَ أَنْ أَتْلُوَ الْقُرْآنَ فَمَنِ اهْتَدَى فَإِنَّمَا يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ وَمَن ضَلَّ فَقُلْ إِنَّمَا أَنَا مِنَ الْمُنذِرِين * وَ قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ سَيُرِيكُمْ آيَاتِهِ فَتَعْرِفُونَهَا وَمَا رَبُّكَ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُون ” [سورة النمل: 87-93] صدق الله العظيم

ـــــــــــــــــــــــ

هذا المقال لا يعبر سوى عن رأي كاتبه، ولا يعبر بالضرورة عن رأي فريق المكتبة العامة

هذا المقال لا يعبر سوى عن رأي كاتبه، ولا يعبر بالضرورة عن رأي فريق المكتبة العامة






تعليقات الفيسبوك