لماذا تم منع فيلم الرسالة ومحاربته في الدول الإسلامية؟

لماذا تم منع فيلم الرسالة ومحاربته في الدول الإسلامية؟ – إعداد: محمد قبلان

شاهد المخرج الهوليوودي مصطفى العقاد فيلم ”لورنس العرب­“ في عام 1962 وكان من إخراج ”ديفيد ليين“، وترك مشهد تقديم شخصية ”عمر الشريف“ فيه لأول مرة أثرا كبيرا في نفس العقاد، يظهر المشهد الممثل عمر الشريف خارجا من بين الرمال كشبح على ظهر الخيل، لأول مرة رأى العقاد بطلا سينمائيا عربيا!

يقول العقاد متذكرا ذلك المشهد:

أعتبر المشهد الذي قدم فيه ديفيد ليين ”عمر الشريف“ من أفضل المشاهد التي رأيتها في حياتي، لقد حرك هذا المشهد شيئا في داخلي وكنت أحاول أن أحاكي ذلك المشهد في أعمالي اللاحقة.

عزم مصطفى العقاد السوري الأصل على أن يصنع فيلما ملحميا عربيا بكل ما تعنيه الكلمة من معنى، وقرر أن يتحدث الفيلم عن حياة النبي محمد ونشأة الإسلام في القرن السابع للميلاد.

أراد العقاد للفيلم أن يعمل كجسر تواصل بين الإسلام والغرب، لكن تصوير الفيلم كان صعبا جدا وتعرض لموجة انتقادات حادة في أجزاء كبيرة من العالم الإسلامي، وزاد الأمر سوءا ارتباط عرض الفيلم بأحداث عنف قامت بها مجموعات مسلحة إسلامية في العاصمة واشنطن.

يقول العقاد في مقابلة أجريت معه سنة 1976:

نظرا لكوني مسلما يعيش في الغرب، شعرت بأنني عليّ مسؤولية وواجب ديني لأروي الحقيقة عن الإسلام وأردت أن أروي القصة التي ستبني جسر التواصل بين الإسلام والغرب.

 استعد العقاد للعمل على الفيلم القرآني بعد أن تم جمع المال اللازم لتمويل الفيلم من مصادر مختلفة في الشرق الأوسط، وبمستوى انتاجي يضاهي أفلام هولييودية انجيلية مشهورة في تلك الفترة كفيلم الوصايا العشر وفيلم بين هور.

وبالفعل بدأ العقاد تصوير الفيلم في أواخر سنة 1974، وصور العقاد الفيلم بنسختين على التزامن، نسخة عربية ونسخة إنكليزية، حتى يصل الفيلم للعالمين الإسلامي والغربي. ومثّل في النسخة العربية مجموعة من أكبر نجوم السينما العربية والإسلامية آن ذاك.

أنثوني كويين فيلم الرسالة

النجم ”أنثوني كويين“ والذي لعب دور ”حمزة“ وهو عم الرسول. – صورة لـGetty Images

تم ترشيح النسخة الإنكليزية من فيلم الرسالة لجائزة أفضل توزيع موسيقي أصلي، وكانت النسخة الإنكليزية من بطولة النجم ”أنثوني كويين“ والذي لعب دور ”حمزة“ وهو عم الرسول، كما لعبت ”آيرين باباس“ دور ”هند“ وهي امرأة من مكة لطالما وقفت في وجه أتباع الرسول ولكنها دخلت لاحقا في الإسلام.

واجه العقاد تحد رئيسي أثناء تصوير الفيلم، فأي تصوير مرئي للرسول يعتبر محرما في الإسلام. ولذلك فإن الشخصية الرئيسية لم تظهر بالفيلم قط.

يقول أنثوني كوين موضحا هذه النقطة لجريدة بيبول ماغازين:

لن تستطيع أن ترى النبي محمد في الفيلم، لن تستطيع أن ترى حتى ظله.

حل العقاد هذه المعضلة بالتلميح لوجود النبي محمد في الفيلم حين تتكلم الشخصيات باتجاه الكاميرا مباشرة، وكانت تلك المشاهد أشبه بمن يرى وحيا روحيا، وكان يقوم من يحدثه بترديد كلماته حيث لا يسمع صوت الرسول أيضا.

 يقول الباحث الإسلامي خالد أبو الفضل وهو صديق مقرب من العقاد:

أن تجد طريقة لتجعل من الرسول شخصية في الفيلم دون أن تظهره، كان إنجازا ذكيا، بل كان إنجازا عبقريا. لقد أراد العقاد للمشاهدين أن يشعروا بوجود الرسول كإنسان في الفيلم، لكنه احترم في نفس الوقت أن معظم المسلمين لا يريدون أن يتم تجسيد النبي محمد بممثل أو بآخر.

يقول الممثل ”جاريك هاجون“ العامل في لندن والذي قام بتمثيل دور ”عمار“ أحد أتباع الرسول:

في ذلك الوقت لم نكن نعرف الكثير عن الإسلام، لقد كان محمد بالنسبة لنا لا يزيد عن كونه مجرد اسم، ولذلك كان هذا الفيلم بمثابة درس تنويري.

المخرج مصطفي العقاد فيلم الرسالة

المخرج مصطفي العقاد (على اليمين) مع الممثلة ”Irene Papas“ أثناء تصوير أحد المشاهد.

قدم مصطفى العقاد الإسلام في الفيلم على أنه دين عالمي عظيم متناغم مع التقاليد الروحية الأخرى، فتقول أحد الشخصيات بالفيلم: ”لقد خاطبنا الله من قبل عبر إبراهيم ونوح وموسى“ وتتابع شخصية أخرى بالقول: ”وعبر عيسى المسيح“.

كما يستجوب ملك الحبشة المسيحي أتباع محمد الهاربين من مكة في مشهد من مشاهد الفيلم، ويطلب منهم أن يقنعوه بدينهم وإلا كان مصيرهم الهلاك بالعودة إلى مكة، فيقول أحدهم: ”علمنا محمد أن نعبد إلها واحدا وأن نتكلم بصدق وأن نحب جيراننا كما نحب أنفسنا“.

مالك وهو ابن مصطفى العقاد تكلم عن هذا الموضوع في أحد اللقاءات:

إن رسالة التعايش المشترك المقدمة في هذا الفيلم كانت شديدة الأهمية بالنسبة لوالدي، وكان مشهد ملك الحبشة من مشاهده المفضلة في الفيلم، كان يريد للغرب أن يرى أنّ معتقداتنا ليست مختلفة تمام الاختلاف.

كان مصطفى مدركا أنه سيواجه الكثير من النقاد، وبالفعل تمت دراسة نص السيناريو صفحة بصفحة من قبل علماء الأزهر في القاهرة وتم حذف اسم الرسول من العنوان الأساسي ”محمد رسول الله“ وأعيدت تسميته ليصبح الاسم ببساطة ”الرسالة“.

ابتدأ العقاد تصوير الفيلم في المغرب العربي لكن تعرض الفيلم لضغوط سياسية سعودية أدت به إلى التخلي عن مواقع تصويره الباهظة الثمن في المغرب، وقام بنقل عملية التصوير إلى ليبيا بعد حصوله على دعم مادي أثار جدلا كبيرا من القائد الليبي معمر قذافي. يقول مالك مفسرا سبب قبول العقاد لمساعدة القذافي:

كان والدي مصرا على إنهاء هذا الفيلم، ولذلك لم يمانع تلقي أي مساعدة في سبيل تحقيق هذا الهدف.

تزايد الجدل حول الفيلم وحتى علماء الأزهر الذين وافقوا على النص قبل تصويره، تراجعوا عن دعمهم له واعتبروا الفيلم الذي عرض عام 1976 بأنه إهانة للإسلام، وتبع ذلك الأمر موجات انتقاد أخرى، أدت إلى امتناع العديد من الدول عن عرض الفيلم.

 يتكلم أبو الفضل واصفا حالة العقاد آن ذاك:

لقد كان مصطفى مذهولا بالجدل الهائل الذي أثير حول الفيلم، لقد تم منع الفيلم في كل مكان، في السعودية والكويت ومصر.

لكن الوضع في الولايات المتحدة الأمريكية كان أكثر سوءا ففي عام 1977 قامت ”حركة الحنفي“ وهي مجموعة إسلامية مسلحة منشقة عن جماعة ”أمة الإسلام“ باقتحام عدة أبنية في العاصمة واشنطن، واحتجزوا العديد من الرهائن، بل وقاموا بقتل رهينتين خلال حصار دام ثلاثة أيام من قبل الشرطة. كانت مطالب مجموعة الحنفي تتضمن منع عرض فيلم الرسالة باعتباره تدنيس سافر للدين الإسلامي.

يقول أبو الفضل:

أنا متأكد أنهم لم يرو الفيلم حتى، وقد وصف مصطفى ما حدث بأنه دلالة على كارثية الوضع الثقافي الإسلامي.

نعش المخرج مصطفى العقاد

المشيعون يحملون نعش المخرج مصطفى العقاد في حلب، سوريا، يوم 13 نوفمبر 2005. بعد مقتله مع ابنته ريما في تفجير انتحاري بالأردن.

عاد الأسى لحياة العقاد بعد سنين خلت على عرض الفيلم، ففي عام 2005 وأثناء حضور مصطفى العقاد وابنته حفل زفاف في فندق أردني، تعرض الفندق لتفجير إرهابي توفيت فيه ابنته ”ريما“ على الفور، بينما أصيب العقاد ليموت متأثرا بجراحه بعد يومين، كان ذلك التفجير جزءا من موجة تفجيرات للقاعدة في العاصمة عمان.

يقول أبو الفضل واصفا الحدث:

وكأن الشياطين كانت تسخر من كل أحلامنا، لأن العقاد كان لنا رمزا للأمل.

يكاد لا يذكر الغرب مصطفى العقاد كمخرج فيلم الرسالة، فهناك يذكر العقاد بأنه المنتج المنفذ لسلسلة أفلام ”هالوين“ وهو منصب تولاه ابنه مالك لاحقا، لكن وبعد 40 سنة فيلم الرسالة لا زال علامة فارقة في العالم العربي، حيث انتشر بشدة عبر النسخ المقرصنة للفيلم. يقوم مالك حاليا بتجديد الفيلم تجهيزا لإعادة عرضه بالصورة عالية الدقة.

يختتم أبو الفضل حديثه عن العقاد بالقول:

أظن أن مصطفى سوف يذكر في كتب التاريخ كبطل وسباق، لو قمنا بتقديم الوقت مئة سنة أظن بأننا سوف نفاجئ بما نراه.

المصدر: دخلك بتعرف

هذا المقال لا يعبر سوى عن رأي كاتبه، ولا يعبر بالضرورة عن رأي فريق المكتبة العامة


تعليقات الفيسبوك