مترجم: التلاعب بالماضي، من يكتب تاريخ مصر؟

ماذا لو كانت كل الكتابات على جدران المعابد والمقابر والبرديات لا تعبر إلا عن جانب واحد فقط من القصة، تمامًا كالدعاية في عصرنا؟ همس صديقي بهذا السؤال في نهاية نقاش طويل حول الوضع الراهن في مصر.

كلانا ضحك، ونحن نحاول تحليل سلسلة الأحداث التي مهدت للوضع الذي تشهده مصر عام 2015. رغبتنا في بدء نقاشات أخرى تتقلص هذه الأيام، ليس لأننا أصبحنا أقل تسامحًا مع اختلاف وجهات النظر كما هو الوضع السائد في مصر، ولكن لأننا نشعر أن الأمر عبثي بلا جدوى. في الواقع، لقد استهلكنا عاطفيًّا وعقليًّا، تمامًا مثل العديد من الشباب المصريين على مدى السنوات الأربع الماضية، حيث بدأت تلك الفترة بآمال كبيرة وانتهت بخيبة ويأس.

كنا إذًا نتجنب النقاشات، حتى ذلك اليوم الذي كنت أشاهد فيه فيلمًا وثائقيًا عن رعمسيوم، المعبد الكبير الباقي من عهد الفرعون رمسيسي الثاني. في هذا المعبد الرائع، ثمة جدارية ضخمة تمجد “الانتصار على الحيثيين في معركة قادش”، على الرغم من أن معظم الاستنتاجات التاريخية التي توصل لها الباحثون، توضح بأن نتيجة تلك المعركة كانت إما الانسحاب أو الهزيمة العسكرية لجيش رمسيس. عند هذه المرحلة، تذكرت سؤال صديقي.

لاحقًا، كنت أقرأ مقالًا وجدت فيه أن الملك فؤاد كان قد شكل لجنة يديرها حسن نشأت باشا – والذي كان يشغل منصب القائم بأعمال رئيس الديوان الملكي- مهمتها جمع كل المستندات الرسيمة منذ عهد محمد علي. عقب ذلك طلب من المؤرخين الأجانب أن يعيدوا كتابة تاريخ العائلة المالكة بشكل يلمع صورة محمد علي. صرت أكثر قلقًا، لهذا قررت أن أتعمق في بحثي أكثر.

سرعان ما قرأت المجلد الرابع من أكثر المراجع شمولًا في ذلك الحين، «عجائب الآثار في التراجم والأخبار». في هذا الكتاب، يخبرنا عبد الرحمن الجبرتي جابنًا آخر من قصة مصر تحت حكم الباشا. في الواقع، في عصر النهضة، عانى المصريون الظلم والقمع والاستعباد والجهل. بالطبع ظل كتاب الجبرتي محظورًا حتى وافق الخديوي توفيق على نشره عام 1880. الدكتور خالد فهمي خطا خطوة أخرى في الاتجاه نفسه من خلال عمله على المخطوطات العثمانية، وذلك باستخدام النصوص التركية الأصلية بالإضافة إلى الترجمات العربية في الأرشيفات الوطنية المصرية.

في كتابه الرائع «كل رجال الباشا، محمد علي وجيشه وبناء مصر الحديثة»، يدحض فهمي بالعديد من الحجج الفرضية التقليدية بأن محمد علي باشا هو “باني مصر الحديثة”. يجد فهمي في بحثه فروقًا هامة بين الوثائق التركية الأصلية وترجمتها العربية. يوضح أيضًا أنه في كثير من الحالات، تم حذف بعض أجزاء من النص الأصلي عند ترجمتها، لكيلا تخل تلك الأجزاء بصورة الباشا المترسخة منذ زمن. يستعرض فهمي أيضًا العديد من الكتب للمؤرخين الأوائل، ويستخلص منها أنها كانت انتقائية في سردها، متقطعة من سياقها التاريخي في الغالب، لتخدم نفس الأهداف وترسخ صورة بعينها لمحمد علي.

يسلط فهمي أيضًا الضوء على مقالة للباحث الإسلامي الحداثي الشهير محمد عبده، حيث يشير عبده إلى محمد علي باعتباره مدمرًا لا بانيًا. المفكر الرائد يشكك بوضوح في نوايا الباشا، إذ يعتبر أن كل ما قد نسميه إصلاحات كان قد تم فقط بهدف تعزيز سلطة الباشا في مصر. على سبيل المثال، وفقًا لعبده، فإنه على الرغم من إرسال العديد من البعثات الطلابية إلى أوروبا لدراسة الطب، لكنها لم تكن مخولة لعلاج آلاف المصريين الذين كانوا بحاجة ماسة للرعاية الطبية. بعبارة أخرى يَفترض عبده أن ما سُمي بتحديث مصر ترك أغلبية المصريين في أوضاع أكثر سوءًا مما كانوا عليه.

من يكتب تاريخ مصر الحديث؟

فكرة الملك فؤاد بأن يعيد تشكيل التاريخ بدت مغرية لدرجة أن الرئيس جمال عبد الناصر والرئيس أنور السادات شكلا لجان مشابهة لإعادة كتابة تاريخ مصر. مع ذلك، فإن أعمال هذه اللجان غير معروفة إلى حد كبير. قبل ثورة- انقلاب عام 1952، كانت ثورة أحمد عرابي تسمى تمردًا. كتب التاريخ أخبرتنا أن أعضاء الحزب الوطني لمصطفى كامل وآخرين عاملوا عرابي باعتباره خائنًا واعتبروه مسؤولًا عن الاحتلال البريطاني لمصر. بعد عام 1952، أصبح الوضع معكوسًا. عرابي وصف باعتباره بطلًا قوميًّا انهزمت ثورته بسبب مؤامرات البريطانيين والقصر الملكي. صورة عرابي باشا وهو يشير للجيش على حصانه الأبيض ليحمي مطالب الشعب المصري استبدلت الحكايات القديمة للخيانة. غابت الانتقادات الكبيرة لآراء وقرارات عرابي. حدث هذا حتى في آثار لمثقفين كبار مثل عبد الرحمن الرافعي.

استمر هذا النمط على مدار القرن. ذات مرة تجول مراسلٌ وسط القاهرة ليسأل: من كان أول رئيس لجمهورية مصر العربية؟»، الأغلبية رددت: «ناصر»، قليلون فقط تذكروا أنه كان في الواقع محمد نجيب. لم تكن ردود الأغلبية مصادفة.

عام 1954، أعلن مجلس قيادة الثورة استقالة نجيب، والتي كان سببها خلاف بينه وبين ناصر. تم وضع نجيب تحت الإقامة الجبرية وحذف دوره في الثورة- الانقلاب. ظلت الأمور بهذا الشكل حتى عام 1972، عندما وضع الرئيس السادات حدًّا لاعتقاله في منزله. حضر الرئيس مبارك جنازته، وفي عام 2013 مُنح اسمه وسام النيل من الرئيس المؤقت عدلي منصور.

قصة مماثلة حدثت عندما تجاهل الرئيس السادات أربعة من كبار جنرالاته، رئيس الأركان سعد الدين الشاذلي، قائد الجيش الثالث عبد المنعم واصل وقادة الجيش الثاني سعد مأمون وعبد المنعم خليل أثناء احتفالات نصر 1973، والتي أقيمت في البرلمان المصري. تجاهُل هؤلاء الرجال كان للتستر على سلسة من أخطاء السادات القاتلة التي أدت إلى  التوجه شرقًا، ثم عقبها هجمة إسرائيلية ناجحة وعبور للقناة ومحاصرة الجيش الثالث. في مذكرات سعد الدين الشاذلي، أشار إلى محادثته مع سعد مأمون قبل الحرب. أخبره مأمون أنه إذا فشلت القوات في عبور قناة السويس، سوف يُلقى اللوم كله على عاتقهم. من المفارقات أن القوات نجحت، لكن الرجال الأربعة عوقبوا لخلاف مهني عادي، حتى بعد أن ثبت أنهم كانوا محقين. أراد الرئيس السادات أن يستحوذ على النصر كاملًا، وقد كان.

بالنسبة لسعد الدين الشاذلي، فقد كان على موعد مع الأسوأ. بعد أن أصبح حسني مبارك، والذي شغل منصب قائد القوات الجوية المصرية أثناء الحرب، رئيسًا للجمهورية، تغيرت قصة النصر مرة أخرى لتعظم دور القوات الجوية فوق الجميع. في ذكرى نصر أكتوبر، ظهرت صورة كبيرة، حل فيها مبارك محل الشاذلي، وكأن الرجل لم يوجد أبدًا. مرة أخرى، بعد ثورة الـ 25 من يناير، منح اسم سعد الدين الشاذلي وسام النيل. لكن الضرر كان قد وقع عليه بالفعل.

قبل بضع سنوات، نادى الصحفي المصري أحمد المسلماني في سلسلة من المقالات بإعادة دراسة تاريخ مصر. العديد من المفكرين والمؤرخين تشجعوا لفعل ذلك، لكن فكرة مثل هذه، والتي تقع خارج الكليشيهات القومية التقليدية، واجهت معارضة شرسة. الحق يقال، كل الأنظمة في مصر أعطت الاهتمام الأكبر لبقائها، حتى لو كان وعي أجيال كثيرة على المحك.

من الواضح الآن إلى أين قادتنا محاولات إعادة كتابة التاريخ تلك. حتى إعادة الدراسة المقترحة لن تحدث تغييرًا كافيًا. كتابة التاريخ ليس معناها الانحياز إلى طرف بعينه. التأريخ عملية شاملة تهدف إلى فهم دروس الماضي. طبقًا لمقولة «كار» فإن التاريخ هو حوار لا ينتهي بين الماضي والحاضر. معالجة تاريخ مصر بأخذ وجهات النظر المختلفة في الاعتبار لن تسلط الضوء فقط على أساسات المشاكل التي نمر بها الآن، ولكنها ستعطينا أيضًا مجالًا للمناقشات الحرة التي قد تنير طريقنا نحو مستقبل أفضل.

المصدر

هذا المقال لا يعبر سوى عن رأي كاتبه، ولا يُعْتبر نشر المكتبة العامة له نوعاً من الموافقة على مضمونه.

هذا المقال لا يعبر سوى عن رأي كاتبه، ولا يعبر بالضرورة عن رأي فريق المكتبة العامة






تعليقات الفيسبوك