معلومات ربما لا تعرفها عن الديانة البوذية ومؤسسها !

معلومات ربما لا تعرفها عن الديانة البوذية ومؤسسها – محمد بشار البيطار

البوذية: Bouddhism فلسفة وديانة آسيوية كبيرة، قامت على تعاليم مؤسسها «سيدهارتا غوتاما» Siddhartha Gautama. وقامت بدور مركزي في الحياة الثقافية والاجتماعية والروحية في المشرق، وكان لها بعض الانتشار في العالم الغربي منذ بداية القرن العشرين. ويتلخص جوهر الفلسفة البوذية في إدراك شمولية الألم، واتباع الطريقة الصحيحة  للتغلب عليه.

انتشار البوذية

نشأت البوذية في الهند في القرن السادس قبل الميلاد، وتداخلت مع الهندوسية لتؤلفا معاً ما يسمى «البوذية السرية»، وانتشرت في جزء واسع من وسط آسيا وجنوب شرقيها، وبدأت تفقد أهميتها في الهند ابتداءً من القرن الحادي عشر.

وثمة اليوم فرعان أساسيان للبوذية: العقيدة الأصلية، وتدعى عقيدة السلف تيرافادا Theravada أو المركبة الصغرى الهينايانا Hinayana. وتمارس في سري لانكة ومينمار(بورمة) ولاوس وكمبودية وتايلند، والفرع الثاني المركبة الكبرى الماهايانا Mahayana، وهي مقسمة إلى عدة مذاهب فرعية تبعاً للأحوال المحلية، وتنتشر مذاهبها المختلفة في فييتنام واليابان والتبت وكورية ومنغولية والصين.والبوذية غير منتشرة عالمياً، وليس لها إلا قليل من المعتنقين الجدد، وهي غير مستقلة تماماً لاندماجها بأديان أخرى، مثل الطاوية في الصين، والشنتوية في اليابان، والمذهب الطبيعي في التبت.

بوذا (563-483 ق.م)Buddha

كان أبوه سادهودانا حاكم إحدى المقاطعات الصغيرة الواقعة في شمال شرقي الهند، وينتمي هو وزوجه ماهامايا إلى قبيلة ساكيا. وقد نسجت الخرافات حول ولادة بوذا وسيرته. تقول إحداها إن أمّه حلمت بفيل صغير أبيض يدخل أحشاءها فتنبأ لها النساك بولادة ملك أو كاهن. وسمي في اليوم الخامس لولادته سيدهارتا، وتعني لفظاً «الذي أدى رسالته». وقد حضر حفل التسمية عدد كبير من الكهنة الذين تنبؤوا بأنه سيكون ملكاً أو مرشداً، بسبب علامات أربع يراها فيما بعد. أما لقب بوذا، أي المشرق أو المتنوّر، فقد أُطلق عليه بعد ذلك.

ماتت أمه بعد ولادته بسبعة أيام، فتولت رعايته أختها، وهي زوجة أبيه الثانية. وحاول الأب منع ابنه من رؤية أي بائس أو معذب، فعاش حياة عزلة وبذخ ودلال. وزوّجَهُ بابنة خاله الجميلة التي أنجبت له طفلاً.

حدثت نقطة الانعطاف الحاد في حياة بوذا عندما بلغ التاسعة والعشرين من عمره، حينما غادر القصر فرأى العلامات الأربع التي تحدث عنها الكهنة وهي: عجوز ومريض وجثة وراهب وديع حليق الرأس في ثوب أصفر. فأدرك أن العجز ألم والمرض ألم والموت ألم، أمور ثلاثة تحدث عند كل تقمص، فالتقمص ألم.. فما هو الحل؟

قرر سيدهارتا الرحيل بحثاً عن حل لمسألة الألم، فهجر زوجته وابنه ورحل تحت جنح الظلام، ووصل إلى حدود غابة، فترجّل عن فرسه وحلق شعره وتبادل ملابسه مع أحد الصيادين الذين لقيهم. وانطلق بعد ذلك في بحثه الكبير الذي قاده إلى التنور أو الإشراق. وقد اتبع في البدء منهج التقشف للوصول إلى مبتغاه، وحين أدرك عدم جدوى ذلك، اختار منهجاً وسطاً بعيداً عن الملذات وبعيداً عن تعذيب الذات.

 وفي أثناء تأمله تحت شجرة تين، استعاد جميع حالات وجوده السابقة، وأدرك أن الألم مصاحب للوجود وأن الرغبة أو الشهوة هي سبب الألم، والقضاء عليها، قضاء عليه، ويكون ذلك بطريقة عرفها عندما تم له الإشراق، فأراد نقلها إلى الآخرين. يتضمن إشراق سيدهارتا اكتسابه النيرفانا  Nirvana، وتحرره من دورات التقمص وانتهاء آلامه.

الفلسفة البوذية

تشمل الفلسفة البوذية الحقائق النبيلة الأربع والنيرفانا والكارما واللاأنا واستمرارية الحياة.

1ـ الحقائق النبيلة الأربع:

آ ـ إن وجود الكائن يسبب له ألماً يلازمه ملازمةً دائمة.

ب ـ الألم غير متأصل، ولكنه ينشأ عن الرغبة، الرغبة في التملك والسرور والقوة والوجود المستمر.

ج ـ لما كانت الرغبة هي منبع الألم فالقضاء عليها يقضي عليه.

د ـ طريق القضاء على الرغبة: هو الطريق النبيل ذو الشعب الثماني، الذي يتكون من الفهم السليم والتفكير السليم والكلام السليم والسلوك السليم والمعاش السليم والجهاز السليم والوعي السليم والتأمل السليم.

إن سلوك الطريق النبيل يضع حداً للألم وينتهي إلى الراحة النهائية، إلى الانطفاء، إلى النيرفانا.

2ـ النيرفانا: وتعني الإنطفاء أو الفناء. فالمرء كالمصباح إذا ما انطفأ لا يذكي شعلته بنفسه. وهو الانطفاء الذي يحدث عندما تستهلك جميع الأسباب التي تحدث اللهب. النيرفانا هي خاتمة الولادات، وهي هروب من دورة التقمصات، وتتحقق بإيقاف فعل قانون السببية الشامل (الكارما)، بإيقاف الرغبة. وهي الحالة التي تتحرر فيها الروح من التناسخ.

3ـ الكارما Karma: أو قانون السببية الشامل، أو ارتباط السبب بالنتيجة: لكل فعل نتيجة لا يمكن تجنبها، فالفعل الحسن يعطي ثمرة طيبة والفعل السيئ يعطي ثمرة سيئة، وسلوك الفرد يحدد شكل تقمصه التالي ويربط الوجود السابق بالوجود اللاحق، ويفرض على الفرد تناسخاً مستمراً في واحدة من خمس هيئات من الصيرورة: هيئة إله أو رجل أو حيوان أو شبح أو قاطن للجحيم. ولا ينجح في قطع هذا الاتصال والامتزاج بالمطلق إلا المتنوّر.

4ـ اللاأنا: لم يربط بوذا الكارما بأنا ثابتة، كما فعل البراهمة، تنتقل من تقمص إلى آخر، ولا بجسد مادي، بل بجسد لا يمكن إدراكه مؤلف من أجزاء تتبدد عند الموت، ثم لاتلبث أن تأتلف بتأثير الكارما، وتكوّن كائناً جديداً، ليس كالقديم، وليس مختلفاً عنه. لا يشبه مادة الشمعة، بل يشبه اللهب الذي يستمد غذاءه منها.

5ـ استمرارية الحياة: وتتحقق على دورات متوالية من التقمصات، وتنتج كل دورة من سلسلة مؤلفة من اثني عشر عاملاً فعالاً، كل منها سبب لما بعده ونتيجة لما قبله. وهذه العوامل هي على الترتيب: الجهل بوحدة الوجود، والنشاط الإرادي، والوعي، وتَكَوُّن مجموعة الروح والجسد، والحواس، والانطباعات، والرغبة، والارتباط، والصيرورة، والتقمص، والشيخوخة، والموت. وبإيقاف فعل هذه العوامل يتوقف الألم ويكون ذلك بالتنوّر، وبالوصول إلى النيرفانا.

مذهب عقيدة السلف أو المركبة الصغرى (الهينايانا):

الهدف الأكبر للبوذي الخلاص من وهم الأنا، وتحرير النفس من قيود العالم الدنيوي، ويكون ذلك بممارسة الطريق السليم وصولاً إلى النيرفانا. ولا يعتبر السلفيون بوذا إلهاً، وينظرون إليه كمعلم يخضع لتأثير الكارما، بل إن الآلهة نفسها تخضع للتقمص تحت التأثير نفسه، لذا فإن المرء يجب أن يعمل على خلاصه من دون الاستعانة بأحد، إذ لا توجد أنا خالدة.

يغلب على هذه العقيدة صفة الأنانية وعدم تمييز الآلهة من الكائنات الأخرى. وهو الفرق الرئيس بينها وبين الماهايانا.

المركبة الكبرى (الماهايانا):

ظهرت الماهايانا في القرن الأول الميلادي، لتشرح البوذية شرحاً أعم وأشمل، وهي لا تؤكد المسيرة الذاتية للإنسان وصولاً إلى النيرفانا، بل تمجد طريق المرشح Bodhisattva، وهو الكائن المؤهل للدخول في النيرفانا، بسبب فضائله من كرم وخلق قويم وصبر ونشاط وتركيز وحكمة، وبسبب أفعاله الماضية الصالحة. إن المرشح يستمر في عالم الوجود الارتحالي في سبيل إنقاذ الآخرين، إنه يشفق عليهم ويرضى بالألم في سبيل خلاصهم، ويضحي بنفسه في سبيل مساعدة الكائنات الواعية على التَنَوُّر. فالهدف من هذه الشريعة ليس طموحاً أنانياً للفرد لينجو بنفسه غير مكترث بغيره، بل مساعدة الآخرين على النجاة. والكائن المثالي فيها هو المرشح الذي يستطيع أن يحول جزءاً من حقيقته إلى الذين يحتاجون إليها، لأنه راغب في التضحية بنفسه، ويؤخر دخوله في عالم النيرفانا حباً بالآخرين وإيثاراً لهم.

تَعدُّ المركبة الكبرى بوذا كائناً خالداً غير خاضع للموت، هدفه، إذ يتجلى في صورة إنسان، إنقاذُ البشرية. وقد ظهر مراراً في الماضي وسيظهر مراراً في المستقبل. ويلاحَظُ هنا التخلي عن صفة الإلحاد في الديانة البوذية، إذ لم يكن هنالك مجال لإله مسيطر على الأسباب والنتائج ومتمتع بإرادة مستقلة يتدخل متى شاء في حركة التقمص المستمرة، فغدا المجال مفتوحاً لتأليه شخصية بوذا. وذلك ما تصفهُ عقيدة الأجساد الثلاثة لبوذا، فلهُ جسد يظهر فيه على الأرض، وهو الجسد الذي ظهر فيه غوتاما بوذا، وجسد النعمة يتخذه عند دخوله العوالم فوق الأرضية، وجسد الشريعة لدى تجرده من الظهور وذوبانه في المطلق. وباستثناء بوذا الذي هو وراء الفناء، تخضع الكائنات جميعها للموت والصيرورة، وذلك قدر غير المتنورين. إن هنالك عدداً لا متناهياً من البوذات، وغوتاما أحدهم. وهناك كذلك عدد لا متناهٍ من المرشحين لا يمكن حصرهم كالكون الذي يقومون بخدمته.

الحقيقة المطلقة والحقيقة النسبية:

تميز البوذية نوعين من الحقيقة: حقيقة مطلقة، وحقيقة نسبية. ولا يمكن إدراك الحقيقة المطلقة، ومن ثمَّ لا يمكن شرحُها. لأن العقل المحدود لا يستطيع أن يدرك اللامحدود. إن إدراكنا الأول للمطلق هو المظهر الأول له. فالفضاء الواسع الرحب يبدو للناظر إليه ذاتاً مجردةً، وحقيقةً مطلقة، لا يمكن الإحاطة بها أو فهمها. كذلك الأمر في حركة الحياة، فهي مطلقة لا يمكن فهمها إلا عندما تتداعى جميع مظاهرها الخارجية، ويتحلل وَهْم المادة إلى عناصره الجوهرية. إن للمطلق مظاهر مطلقة في نظر الكائنات التي لها مظاهر متغيرة في أثناء دورات التقمص.

تعدٌّ المركبة الكبرى العالم موجوداً، ولكنّهُ ليس حقيقة مطلقة بل ظاهرة غير ثابتة تتعرض للجريان والتغير. وتوجد جميع الظواهر بسبب العلاقة فيما بينها، لأنها دوماً في حركة، وبلا ذات ثابتة. والحقيقة المطلقة هي عالم النيرفانا المكتسب من حدس بوذا، والحقيقة النسبية هي عالم الارتحال الذي تعيشه جميع الكائنات غير المتنوّرة.ممارسة البوذية الحديثة:

1ـ حياة الرهبنة: ينتمي رجال الدين البوذي إلى مجتمع الأديرة، ويمارسون حياتهم الروحية بمنأى عن الإزعاجات المادية. وينظم الدير محاضرات للجمهور حول التعاليم يلقيها الرهبان. ويرتدي الرهبان في جنوب شرقي آسيا ثياباً صفراء. والشخص الذي يريد الانضمام إلى الرهبنة أمامه سيامتان: الأولى لمن أتمّ السادسة عشرة، وعلى المتقدم أن يجهر ثلاثاً بإيمانه ببوذا ومبادئه وجماعته. وأن يؤكد زهده بالحياة، والشهوة، والزنا، والأمور الدنسة، والكذب، والمشروبات المعتقة، والأكل في الأوقات الحرجة، والرقص، والاحتفالات، والتبرج، والتعطر، واستخدام سرير مرتفع أو وسيع وقبول أي ذهب أو فضة. ثم يتشح باللون الأصفر ويمارس التسول والتأمل. أما السيامة الثانية فهي لمن أتمّ العشرين وفيها يتقبل سر الكهنوت.

2ـ حياة العامة: لايظهر تقسيم البوذية إلى مركبة صغرى ومركبة كبرى على المجتمع، لأن قواعد الحياة اليومية هي نفسها في العالم البوذي. إذ يبجل البوذيون آثار بوذا، وممتلكاته الشخصية، ورمادَ رفاته الذي يحتفظون به. ويسجدون أمام تماثيله، ويحرقون الشموع العطرية. ويرددون في أثناء العبادة إعلان إيمانهم ببوذا وقانونه وجماعته ومبادئه الخمسة: عدم القتل والسرقة  والزنا والكذب وشرب الخمر. ويؤمنون بالعلاقة الطيبة بين الأفراد، ويحتفظون بما يرونه مقدساً في منازلهم، وهم يذهبون إلى المعابد لتقديم فروض الاحترام لبوذا، ويحجون إلى أربعة أماكن: حيث ولد وحيث تمّ له التَنَوّر وحيث ألقى خطبته الأولى وحيث توفي.

الفن والعمارة:

تطور النحت والرسم وبناء المسلات تمجيداً لحوادث أسطورية في حياة بوذا. واستعملت الرموز، كالدواليب والأشجار لتمثيل بوذا. ثم تم تمثيلهُ إنساناً بانتشار المركبة الكبرى. وأغلب صور بوذا تمثله جالساً في حالة التأمل، أو التدريس بيدين مرتفعتين. أما صورته في وضع الاستلقاء فتمثل مروره إلى النيرفانا. والصور لا تعبد بوصفها أوثاناً، وإنما لتذكر بحياة المعلم الأكبر وفضائله.

الأدب:

مع كل التغيرات التي طرأت عليها، فإن البوذية لم تتنكّر لمبادئها الأساسية، بل على العكس من ذلك، فقد تم إعادة تفسير هذه المبادئ وإعادة صياغتها مما أنتج أدباً لا يستهان به. يضم الأدب البوذي الأصلي التيبتاكا (السلال الثلاثة) وهي مجموعة تعاليم بوذا باللغة الباليّة مع شرحها والتعليق عليها، كما يضم الأشعار والمحاورات التي يعترف بها أتباع الماهايانا على أنها «كلمات بوذا». ويلاحظ وجود استمرارية واضحة تدور حول نواة مركزية واحدة منذ موعظة بوذا الأولى حتى التفرعات المعاصرة، مما جعل البوذية تحافظ بفضلها على سماتها المميزة.

المصدر: الموسوعة العربية

هذا المقال لا يعبر سوى عن رأي كاتبه، ولا يعبر بالضرورة عن رأي فريق المكتبة العامة

هذا المقال لا يعبر سوى عن رأي كاتبه، ولا يعبر بالضرورة عن رأي فريق المكتبة العامة







تعليقات الفيسبوك