ماذا تعرف عن الفابية ونقاط تعارضها مع الماركسية ؟

ماذا تعرف عن الفابية ونقاط تعارضها مع الماركسية ؟ – نبيل الحفار

لم تكن إنكلترا في نهاية القرن التاسع عشر حاضنة لحركات اشتراكية متطرفة في برامجها. فعلى الرغم من شعور الكثرة بضرورة إحداث تغيير اجتماعي، إلا أن المهتمين بأفكار كارل ماركس K.Marx كانوا قلة؛ واليساريين، ولاسيما من الطبقة الوسطى المتعلِّمة، كانوا يطمحون إلى شيء مغاير، أقل عدائية من أفكار ماركس في حال تطبيقها، فوجدوا ما يبغونه إيديولوجياً في «الجمعية الفابية» (ويلفظها بعضهم الفابيانية) Fabian Society التي أسسها في تشرين الأول/أكتوبر عام 1883 إديث نِسْبيتEdith Nesbit وهيوبرت بلاند Hubert Bland اللذان كوّنا مجموعة حوار اشتراكي مع إدوارد پيزEdward Pease.

إلا أن الذي منح الجمعية اسمها الفعلي كان العضو الجديد فرانك بودمور Frank Podmore عام 1884، فقد استعار لها اسم القائد العسكري الروماني فابيوس مكسيموسFabius Maximus، الذي اشتهر بلقب المتردد – المتريث Cunctator لتجنبه المعركة المباشرة والحاسمة ضد هنّيبال (حنابعل) Hannabal، مفضلاً عليها هجمات صغيرة وسريعة، محققاً الانتصار البطيء، المضمون، بدلاً من الهزيمة السريعة الحتميّة، فتحوّل لقبه «المتردد» السلبي المعنى أصلاً، إلى مديح. وفي الواقع كان أسلوب فابيوس التكتيكي خير رمز لعملية تفكير أعضاء الجمعية، الذين أكَّدوا أن الديمقراطية الاجتماعية لن تتحقق بالثورةوالعنف الثوري، حسب تنظيرات ماركس، وإنما بالتحرك الديمقراطي البطيء والمستمر، إذ كانوا يؤمنون بالدرجة الأولى بأن الرأسمالية capitalism في أساسها غير عادلة تجاه غالبية الشعب، وأنها كنظام اقتصادي لا يلائم المجتمع الحديث. أما الحل من وجهة نظر الفابيين، والذي حبَّذه معظم الاشتراكيين تقريباً، فيتلخَّص في ضرورة امتلاك العمال وسائل الإنتاج، وذلك عن طريق الاحتجاجات والفعاليات المحلية حتى الوصول إلى التشريعات القانونية التي ستنقذ الطبقة العاملة prolitariat من حالتها، فاختاروا طريق التوعية لتحقيق القبول التدريجي بالفكر الاشتراكي، بدلاً من فرض الرأي بالقوة، إلا أن هذه القاعدة في العمل كان لها استثناءاتها، فكثير من أعضاء الجمعية كانوا من أنصار الاتحاد السوڤييتي.

ورد في بيان الفابيين التوصيف الآتي: «تتكون الجمعية من اشتراكيين يهدفون إلى تأسيس مجتمع يحقق عدالة الفُرص لأفراده، ويلغي امتيازات بعض الشخصيات والطبقات واحتكارها للقوة الاقتصادية، وذلك عن طريق الملكية الجماعية والإدارة الديمقراطية للمصادر الاقتصادية في المجتمع، كما تبغي الجمعية ضمان هذه النتائج بأدوات الديمقراطية السياسية. ولما كانت الجمعية تؤمن بالمساواة في حق المواطنة، بالمعنى الأشمل للكلمة، فإن عضويتها مفتوحة للجميع بغض النظر عن الجنس أو العرق أو العقيدة، ممن يلتزمون هدفها وأغراضها، ويعملون على تطوير عملها. ستكون الجمعية أحد أجنحة حزب العمال، وستخدم فعالياتُها نشر الفكر الاشتراكي، عن طريق عقد الاجتماعات وإلقاء المحاضرات وتشكيل مجموعات الحوار وإقامة الندوات والدورات الصيفية، وتشجيع البحث العلمي في القضايا السياسية والاقتصادية والاجتماعية على الصعيدين القومي والأممي، ونشر الكتب والكتيبات والدوريات، وبأي وسيلةٍ مناسبةٍ أخرى».

على الرغم من الاختلاف في الرأي بين الفابيين وماركس حول موضوع الثورة، إلا أن حركتهم تدعم مثله القيم الاشتراكية، مثل ضرورة مساعدة العمال على تحقيق العدالة الاقتصادية.

لم ينظر أعضاء الجمعية الفابية إلى تنظيمهم بوصفه حزباً سياسياً، لكنهم أسهموا مع كبريات الاتحادات التجارية ومع مجموعات حقوق العمال في تأسيس حزب العمال البريطاني The Labour Party عام 1906، ومنذئذ حافظ الطرفان دائماً على علاقة وثيقة، وقد أسهمت الجمعية في العشرينيات في انتخابات كثيرٍ من مسؤولي الحزب المهمين. صحيح أن الحركة كانت تخاطب الكثيرين في صفوف الطبقة العاملة، إلا أن محركها الرئيسي كان بعض الأثرياء والمنعمين في المجتمع البريطاني الذين أسهموا بمبالغ كبيرة في البحوث الاقتصادية والاجتماعية وظروف المعيشة في البلد، ومن ثم فإن الحركة الفابية كانت في المقام الأول حركة علمية، كما كانت معتقداتها مبنية على التحليل الدقيق للوقائع والدراسة. وهذه المقاربة العلمية والحصيفة للاشتراكية جذبت إليها في حينها أبرز الشخصيات التي نشطت في إطار الجمعية الفابية، مثل سيدني وبياتريس وِبSidney and Beatrice Webb وغراهام وَلاس Graham Wallas وسيدني أوليڤييه Sidney Olivierوهربرت جورج ويلز Herbert George Wells وجورج برنارد شو George Bernard Shaw الذي حلل في معظم مسرحياته البنية المجتمعية الإنكليزية من وجهة نظر الاشتراكية الفابية، وألَّف الكتاب المهم «دليل المرأة العاقلة إلى الاشتراكية والرأسمالية» The Intelligent Woman‘s Guide to Socialism and Capitalism (1928).

عند منعطف القرن الحادي والعشرين قدَّرت إحصائية داخلية في الحركة عدد أعضائها الفاعلين بـ(5000) عضو، هم مصدر الاستشارات الاقتصادية والمجتمعية اليسارية لحزب العمال الذي قارب عمره القرن، إلى جانب متابعة نشاطات التوعية السياسية والاقتصادية في جميع أوساط المجتمع البريطاني.

المصدر: الموسوعة العربية

هذا المقال لا يعبر سوى عن رأي كاتبه، ولا يعبر بالضرورة عن رأي فريق المكتبة العامة

هذا المقال لا يعبر سوى عن رأي كاتبه، ولا يعبر بالضرورة عن رأي فريق المكتبة العامة







تعليقات الفيسبوك