الثورة الفرنسية والشارع العربي

الثورة الفرنسية والشارع العربي – بقلم: محمد فخري جلبي

المشكلة الحقيقة والجوهرية في الدول العربية التي ترزح تحت جحيم الصراع العربي هو تعطيل لغة الحوار المباشر بين الأطراف المتنازعة من غير تواجد وسيط خارجي ، حيث ترفض تلك الأطراف وبشكل قاطع الجلوس إلى طاولة الحوار العربي العربي تحت مظلة الوطن المنهك من جريرة تلك الصراعات اللامتناهية ، بل أن التصريحات التي تسبق أي مؤتمر يفضي إلى حل يكاد أن يكون عقيم الولادة تطيح بتلك المؤتمرات وينحر أمال الشعوب العربية المتعطشة للسلام والمتجرعة لمرارة الأرهاب والعنف الممنهج المطبق من كل الطرفين .
كما تسعى جميع الأطراف المتنازعة وفي أطار سياسة أطالة عمر الأزمة الأرتهان للمعسكرات الدولية (أمريكا وروسيا) بجهالة المغيبين عن الواقع أو بعلم المدرك لما ستؤول إليه الأمور ، فعبر التاريخ الطويل لتلك المعسكرات الخارجية والتي تواظب على ذرع بذور الشقاق بين الأطراف المتنازعة ونبش الخلافات القديمة وأحياءها من خلال الأملاءات الأجبارية التطبيق أو عبر وعود سرابية لاتغادر قاعات الفنادق والسفارات حيث هناك تسقط الأنتماءات الوطنية كما تسقط الثمرة الفاسدة عن أغصانها ويفقد المجتمعين على جثة الوطن هويتهم العروبية كما يفقد المحكوم عليه سجل مواطنته فأن تلك المعسكرات لايمكن التعويل عليها لما تجنيه من ثمار أقتتال الشعوب فيما بينها ، ولما تحققه من أهداف صعبة المنال لولا تلك الصراعات .
والجدير بالذكر بأن المستهلك بتلك النزاعات أو وقود تلك الحروب الشرسة هم الشعوب العربية المنغمسة في مستنقع الفقر والعوز حيث تقف تلك الجماهير العريضة على مفترق طرق معبد بالألغام ، فمن ناحية العقل والمنطق والدين والأنسانية فأن المشاركة بتلك الثورات هو واجب مقدس لاغبار عليه بل أن الغوص في بحار تلك الجموع المحتشدة المطالبة بأبسط حقوقها والمواجهة لمدافع الدبابات وفوهات البنادق بصدور عارية كالغوص في بركة ماء عذب تغسل الذنوب والخطايا ، ومن ناحية أخرى فأن المشاركة بتلك الثورات هو كحجز مقعد مسبق في حافلة الموت لما يعلمه المواطن العربي من وحشية تلك الأنظمة المستبدة وأمكانية
عقدها أتفاق مع الشيطان لضمان بقاءها في الحكم .
ولكن والحق يقال فأن تلك الشعوب وعلى مر السنين قدمت قرابين الطاعة لولاة الأمر بشكل ملحمي متناسين أو مرغمين على تجاوز حرياتهم وأرتباطهم بالجنس البشري الذي فضله الخالق عن بقية مخلوقات هذا الكوكب المظلم في عالمنا العربي !! فكلما كان يشتد الحصار الأقتصادي كان الشعب يصفق حتى الثمالة وكلما كانت السجون وأقبية التعذيب تنازع دور العبادة والحدائق في تعدادها كانوا يباركون رؤية القائد الثاقبة للأمور ويدعون له بالعمر المديد !!
أما آن للحزن أن ينقضي ؟؟
وأما آن لذلك السفاح الذي يمتطي ظهور الجياع بأن يتنحى ؟؟
وأما آن للمواطن العربي بأن يغادر دائرة الموت المؤجل ؟؟
لماذا تسمى الثورة الفرنسية وليدة فكر الأنوار لما حملته في جعبتها من أقرار للديمقراطية وقيادة عربة البلاد إلى محطة النجاة ،
وتسمى الثورات في البلاد العربية أرهابا
لامبرر له ؟؟
مع العلم بأن الثورة الفرنسية تخللها الكثير من المجازر والأنتهاكات بحق الشعب الفرنسي
حيث تسلق بعض الأشخاص المستفيدين أو المريضين نفسيا منصة الثورة ومارسوا جشعهم وأمراضهم على فئات الشعب المسحوقة !! وكما يقول المؤرخ الفرنسي بيير كارون أن المذابح التي أرتكبتها الثورة الفرنسية لم يشهدها أي بلد في العالم ويصفها بأنها الأكثر أرهايا في التاريخ ، ولكن مع المقارنة بما آلت إليه الأمور في النهاية فكانت التضحية واجبة ولامناص منها !!
فمن المعروف بأن الثورة تأكل أبناءها وبأن الفئات الشعبية المهمشة تتبع أي صوت ينادي للحرية والخلاص دون الكشف عن ماهية أولئك الأشخاص وسجلهم الأخلاقي ، فالثورة بمفهومها العام تحتاج إلى وعي مطلق وحذر شديد لما يملكه الطرف الحاكم من أذرع أقتصادية وسياسية وأرتباطات دولية تمكنه من الأستمرار في مكافحة الثورة أو جعلها منبع للأرهاب وفزاعة قلق تؤرق مضجع حكومات الدول الأقليمة لما تشكله من حاضنة
جغرافية تقوم بتصدير العناصر الأرهابية للمجتمع المتحضر ، وبالعودة للثورة الفرنسية ولما واكبها من فظائع يندى لها جبين البشرية فيجب الحديث عن نتائجها أيضا
لندرك في نهاية المطاف بأن الأمور ليست مائعة التشكل وبأن الحرية لاترتجى بباقات الزهور ورسائل الأستعطاف الملقاة في صندوق بريد القصر الجمهوري ، ومن نتائح الثورة الفرنسية فيعد أهمها ماوصلت إليه فرنسا الأن في وقتنا الحاضر (حيث كان هذا الأنفجار الشعبي الأول الأثر الأكبر في تشكل الثورات المتلاحقة وشرارة البدء بالتغير ) أما في ذلك التاريخ السحيق فالنتائج تتلخص
بتجربة الطبقات المسحوقة طعم الحرية ووضع حد للأستبداد وإلغاء الفيدرالية وتفعيل دور حقوق الإنسان والقضاء على الطبقات المتحكمة بزمام الأمور من نبلاء ورجال دين كما أنها قادت البلاد خلال فترة زمنية معينة (عشر سنوات) وبخطى ثابتة نحو الهدوء الجزئي بالمقارنة مع السابق ، مع التنويه بتشكل عدة صراعات أظهرت حكومة الإدارة ضعيفة (وأسست حكومة الإدارة لتفادي العودة إلى الديكتاتورية ووزعت السلطة بين مجلس الخمسمائة ومجلس القدماء و5 مديرين يسيرون الحكومة) ولم تستطع الحكومة مواجهة المشاكل الخارجية والداخلية فلجأت البورجوازية إلى الجيش وفي 9 نوفمبر 1799 نظم الجنرال نابليون بونابرت أنقلاب بمساعدة أحد المديرين وبذلك انتهت تجربة الجمهورية وانتهت أيضا الثورة الفرنسية لمدة 10 سنوات !!
ولكن المجريات أخذت أنذاك منحى مختلف وتم بلورة رؤية مشتركة لدى فئات الشعب بأحقيته بالحياة الكريمة وبقدرته على النهوض بوجه الأستبداد متى دعت الحاحة لذلك ، فتشكلت الثورة الثانية والثالثة ونتائح تلك الثورات هي فرنسا الأن .
ولايمكن أسقاط الثورة الفرنسية على الثورات العربية ولعدة أسباب منها ..
١- عدم تدخل الأطراف الخارحية المستفيدة بشكل كبير من أستمرار تلك الثورات أو القضاء عليها .
2- تهميش العناصر الوطنية الفاعلة والتي تعد عصب تلك الثورات ، حيث ينبغي لتلك الجماهير الغاضبة من تواجد فئة مثقفة وأكاديمية تدير دفة الثورة .
٣- الثورة الفرنسية ثورة داخلية مطلقة وحراك شعبي منفرد تم خلالها وعبر الزمن تنحية الأطراف المستأجرة من قبل الطبقات الحاكمة لأجهاض الثورة للوصول إلى عناصر وطنية
تستطيع خلق مشروع وطني متكامل يدفع البلاد إلى الشفاء من أمراضه المستعصية ولترجمة دماء الشهداء الأوائل بدولة ديمقراطية متحضرة .
ويجدر الأشارة هنا بأن الشعوب العربية مصابة بمرض الخوف المزمن المستحيل العلاج !! فبعد شرارة الثورات الأولى وخروج الجماهير المغلوب على أمرهم إلى الساحات تم الركون والأنزواء من جديد وكأن المرض قد قاوم العلاج فتلك الشعوب أستطاعت الوقوف بوجه الدبابات ومواجهة البراميل المتفجرة بأذرع نحيلة ثم عادت إلى جحورها ولم تستطع مواصلة مواجهة الأنظمة وحلفائها ، كما بالمقابل لم تتمكن تلك الفئة الثائرة من أيقاف بعض العناصر الفاسدة الذين يتشدقون بأحقيتهم بقيادة الثورة ، فالثورات المضادة تمكنت من تصنيع فيروس يحيي مرض الخوف بقلوب تلك الجماهير فعاودت ملىء الساحات ليس للمطالبة بالحرية ولكن للتصفيق والتهليل .
أذا أراد الشعب الحياة فلابد أن يستجيب القدر !! ولكن الشعوب العربية تضجر بسرعة ولاتؤمن بصراع الأرادات وتطمح بثورة كطعام الفاست الفود بأن يسقط نظام أي بلد عربي خلال بضعة أشهر !! ويمكن ملاحظة ذلك جليا بتراجع أعداد مؤيدي الثورات العربية مع تزايد نسبة مؤيدي الأنظمة الحاكمة ، بل أن العجب العجاب هو توجه أغلب العناصر (الثورية) إلى حلفاء تلك الأنظمة العربية من أجل إيجاد حل ينهي تلك الثورات مع أمكانية أبقاء تلك الأنظمة على رأس عملها أو القبول بتجزئة البلاد قسرا متغاضين عن دماء الشهداء وألام المهجرين ، فمن قتل الثورة قبل فطامها ؟؟؟ هنا يكمن مربط الفرس .

ـــــــــــــــــــــــ

هذا المقال لا يعبر سوى عن رأي كاتبه، ولا يعبر بالضرورة عن رأي فريق المكتبة العامة

هذا المقال لا يعبر سوى عن رأي كاتبه، ولا يعبر بالضرورة عن رأي فريق المكتبة العامة






تعليقات الفيسبوك