معلومات ربما لا تعرفها عن الطائفة المارونية !

معلومات ربما لا تعرفها عن الطائفة المارونية – عدنان شكري يوسف

المارونية maronism طائفة من طوائف النصارى الكاثوليك الشرقيين، تنسب إلى «مارون» الناسك والقديس، الذي عاش في أواخر القرن الرابع الميلادي في جبل قورش على نهر العاصي بجوار أنطاكية شمالي سورية، وتوفي فيها سنة 410 تقريباً. تسمى كنيستهم بالكنيسة المارونية، من دوحة الكنيسة السريانية الأنطاكية، وهي كنيسة خلقيدونية، أعلنت  الطاعة للكنيسة البابوية سنة 1182 والاتحاد معها سنة 1736، فهي على شراكة تامة مع الكرسي الرسولي حسب قرارات المجمع الفاتيكاني الثاني 1965، وتتبع لسلطة البابا في روما. أما كلمة «مارون» فتعني بالسريانية «السيد الصغير».

عُرِفَ أتباع القديس مارون باسم الموارنة، وذهبوا – خلافاً لمعظم الطوائف الأرثوذكسية [ر] – بأن للمسيح طبيعتين ومشيئة واحدة. انطلقوا من أنطاكية وانتهوا في جبال لبنان موطنهم الحالي منذ النصف الثاني من القرن السابع الميلادي، وقد أدوا دوراً مهماً في كل من نشوء لبنان سياسياً وانضمام العديد من الكنائس الشرقية إلى كنيسة روما أمثال السريان الكاثوليك والروم الكاثوليك اليوم. يقدر عددهم  في العالم بنحو ستة ملايين نسمة.

كان القديس مارون، كما يذكر الأسقف القورشي تيودوريطس Theodoret of Cyrrhus (393- 458) أول من مارس حياة العراء في سورية، وقد تبنى أتباعه في قورش هذا النمط من العيش، خاصة الرهبان العموديين أمثال القديس سمعان العمودي، وكان يتمتع بقدرة فائقة على شفاء الأمراض والعاهات (النفسية والداخلية والجسدية)، وذلك بالصلاة، حتى إنّ يوحنّا فم الذهب [ر] بطريرك أنطاكية الذي ربطته به صداقة حقيقية، وجَّه إليه رسالة من منفاه في أرمينيا يوصيه بالصلاة لأجله.

بعد وفاة القديس مارون اختلف أتباعه مع الروم الأرثوذكس فرحلوا عن أنطاكية إلى قلعة المضيق قرب أفامية على نهر العاصي، وشيدوا هناك ديراً باسمه شكل نواة الكنيسة المارونية المعروفة اليوم، وقد قام الامبرطور مرقيانوس بتوسيعه، حتى وصل عدد الرهبان فيه إلى ما يفوق الخمسمئة راهب من كافة اصقاع سورية، ثم اختلفوا مع اليعاقبة الأرثوذكس، أصحاب الطبيعة الواحدة  monophysitism سنة 517، فأسفر عن ذلك تهديم ديرهم ومقتل 350 راهباً من رهبانهم. لكن الامبراطور يوستفيان الكبير (527 – 565) أعاد بناءه.

وقد احتكم الموارنة واليعاقبة إلى معاوية بن أبي سفيان سنة 659م لإنهاء الخلاف بينهم، لكن من دون جدوى، فهاجروا إلى شمالي لبنان بدفعات متتالية وفق المضايقات العقائدية والسياسية والاجتماعية والعرقية والدينية، وبذلك  انتقل النشاط الماروني في القرنين السادس والسابع  من منطقة نهر العاصي إلى منطقة لبنان، حيث انتشرت الأديرة الماورنية في العديد من المناطق، خاصة تلك التي تحمل اسم القديس مارون، إضافة إلى الدير الكبير الذي يقع على العاصي، كان هناك دير آخر لمار مارون يقع قرب مدينة دمشق، و ثالث قرب البترون على الساحل الشمالي من لبنان.

لكن الدور الكبير الذي كان يمتكله دير القديس مارون – حتى بعد المجازر والخراب الذي لحق به – أدى إلى إضعاف سلطة بطريرك أنطاكية على تلك المنطقة، وكان الموارنة يديرون تلك المنطقة بدلاً من البطريرك البيزنطي في القسطنطينية. وعندما أصبحت دمشق في القرن السابع مركزًا للدولة الإسلامية سمح خليفتها معاوية بن أبي سفيان للخلقيدونيين الملكيين رسامة بطريرك خاص لهم، فرسموا بطريركـاً لأنطاكية أقام في دمشق. وعندما آل الحكم للخليفة مروان ومن ثم ابنه عبد الملك ألغي هذا اللقب. وكان البيزنطيون قد توقفوا عن رسامة البطاركة الفخريين لأنطاكية وساءت أحوال الموارنة من دون بطريرك. ولما ازداد عددهم في شمالي سورية سنة 745 عمد رهبان القديس مارون إلى انتخاب بطريرك لهم، هو البطريرك يوحنا، المولود في سروم قرب أنطاكية، وقد دعي باسم معلمه مارون فسمي يوحنا مارون, وكان أول بطريرك للموارنة في أنطاكية وسائر المشرق يوافق البابا في روما على رسامته (687م)، وعلى تأسيس بطريركية مارونية. وقد أقام لدى انتخابه في دير القديس مارون, ثم انتقل إلى لبنان حيث بنى هناك ديراً وسكن فيه. وكان هذا الدير في منطقة «كفر حي»، اسمه «ريش مرو» Rish Mro  أي هامة مارون.

أظهر يوحنا مارون سنة 667م معتقد الموارنة الذي يقول إن المسيح ذو طبيعتين ولكنه ذو إرادة واحدة أو مشيئة واحدة لالتقاء الطبيعتين في أقنوم واحد. فرفضت الكنائس المسيحية هذا الرأي ودعوا إلى مجمع القسطنطينية الثالث الذي عقد سنة 680، وتقرر فيه رفض هذه العقيدة وتكفير أصحابها ولعنهم .

تعاون الموارنة مع الفرنجة في الحروب الصليبية على الشرق، وأدوا دوراً بارزاً في تقديم أدلاء لإرشاد الحملة الصليبية الأولى (1096) إلى الطرق والمعابر، وإرسال فرق إلى مملكة بيت المقدس. فحظي الموارنة في الممالك التي شيدّها الصليبيون في بيت المقدس بالحقوق والامتيازات نفسها التي تمتع بها الفرنجة، كحق ملكية الأرض، وبعودة الصليبيين إلى بلادهم  غادر معهم العديد من الموارنة، واستقر معظمهم في جزيرة قبرص, وبعضهم الآخر في جنوبي فرنسا.

وفي نهاية العصور الوسطى دخل الموارنة في حماية فرنسا حسب نظام الامتيازات الأجنبية, وعُدت الأمة المارونية جزءاً لا يتجزأ من الأمة الفرنسية. واستمر هذا التعاطف بين الغرب والموارنة حتى الأجيال التالية، فأرسل نابليون الثالث فرقة فرنسية لتهدئة الجبل عام 1860م، وكذلك بعد الحرب العالمية الأولى عندما صار لبنان تحت الانتداب الفرنسي.

برز فيهم شخصيات وبطاركة وعلماء عظام أمثال: تيوفيل (تيوفيلوس) بن توما من شمالي سورية، المنجّم في قصر الخليفة العباسي المهدي (775- 785)، الذي قام بترجمة «إلياذة هوميروس»؛ والبطريرك جرجس عميرة (1633) الذي ألّف أول كتاب قواعد سريانيّة «غراماطيق» سنة 1596، واضعاً قواعده باللاتينية تسهيلاً على المستشرقين دراسة هذه اللغة، كما ظهر بين الموارنة العديد من القديسين كان أشهرهم القديس »سمعان العمودي« .

والموارنة اليوم  كنيسة متحدة ومرتبطة بالكنيسة الكاثوليكية الرومانية Roman Catholic لها طقوس خاصة، وطابع نسكي ورهباني منذ نشأتها، حيث يوجد فيها اليوم عشر مؤسسات رهبانية : أربع منها مؤسسات رجالية: كالرهبنة اللبنانية المارونية (الكسليك) التي تأسست سنة 1695، والرهبنة المريمية  التي تأسست سنة 1697. وست مؤسسات نسائية: كراهبات العائلة المقدسة، وراهبات سانت تريز، وراهبات الأنطونيات.

وقد تم في عهد البابا إنوسنت الثالث Innocent III (1198- 1216) إدخال بعض التعديلات على الطقوس المارونية القديمة (خدمة القداس وطقوس العبادة وسيامة الكهنة، واتباع الزي اللاتيني في لبس الخواتم والقلنسوة التي تشبه التاج والعكاز، كذلك استعمال الأجراس بدلاً من النواقيس الخشبية التي تستعملها سائر الكنائس الشرقية في الدعوة إلى القداس) لتكون أكثر تلاؤماً مع الطقس اللاتيني. وما تزال الكنيسة المارونية إلى اليوم تحتفظ باللغة السريانية في القداس إلى جانب العربية، كما سهل قرار مجمع تريدنت فتح مدرسة مارونية في روما سنة 1585 لتثقيف الموارنة وتخريج الكهنة، إضافة إلى تدريس اللغة اللاتينية، والفلسفة واللاهوت.

ومنذ القرن الخامس عشر أصبح دير قنُّوبين – شمالي لبنان فوق طرابلس المبني في صخر من صخور وادي قاديشا (أي المقدس) – مقراً للبطريركية المارونية، وأصبحت بْكَرْكي المبنية فوق جونية المقر الشتوي حتى هذا اليوم، إذ لايزال سيد بكركي يلقب ببطريرك أنطاكية وسائر الشرق؛ ذلك لأنه مستقل عن سائر البطاركة الشرقيين، وتخضع لإدارته مطارنة وأبرشيات وجمعياتٌ رهبانية مختلفة.

وقد عقدت الكنيسة المارونية أول مجمع لها في دير اللويزة بلبنان عام 1736 في عهد البطريرك يوسف ضرغام، تم فيه وضع قوانين الطائفة الكنسية. ويترأس الكنيسة المارونية منذ سنة 1986 غبطة الكردينال الماروني مار نصر الله بطرس صْفير.

وكان لاندلاع الحروب في لبنان ، ولاسيما الحرب الأهلية سنة 1975 الأثر الأكبر في هجرة كثير من الموارنة إلى الخارج، إلى استراليا وأوربا والأمريكيتين وإلى تكريت ورودس ومالطا، إلى إفريقيا وأندونيسيا، وما يزال أغلبهم يعيشون في لبنان ولهم أكبر الأثر في توجيه السياسة اللبنانية المعاصرة. ومن أبرز زعاماتهم المعاصرة: آل جمَيِّل  وشمعون  وفرنجية وإده، ولهم تنظيماتهم السياسية الحزبية العسكرية كحزب الكتائب وحزب الأحرار. ومنذ عام 1943 حتى اليوم تم الاتفاق بين المسلمين والنصارى في لبنان (بموجب الميثاق الوطني) على أن يكون رئيس الدولة مارونياً.

وقد أدى الموارنة دوراً مهماً في إرساء النهضة الحديثة في لبنان والمشرق العربي كما تم استقدام أول مطبعة عربيّة إلى دير مار أنطونيوس قزحيا سنة 1610، وتم  طباعة أول كتاب عربي في روما سنة 1627، وإنشاء أقدم المدارس في جبيل سنة 1762، وفي زحلة 1769، وفي دير القمر 1782، كما كان لهم دور متميز في حفظ التراث واللغة السريانية، وفي تجديد اللغة العربية وآدابها. وبفضل انتشار شبكة المدارس والتعليم تصدّر الموارنة النهضة العربية في القرن التاسع عشر.

المصدر: الموسوعة العربية

هذا المقال لا يعبر سوى عن رأي كاتبه، ولا يعبر بالضرورة عن رأي فريق المكتبة العامة

هذا المقال لا يعبر سوى عن رأي كاتبه، ولا يعبر بالضرورة عن رأي فريق المكتبة العامة







تعليقات الفيسبوك