صديقي الشيطان (قصة رمزية فلسفية)

صديقي الشيطان (قصة رمزية فلسفية) – بقلم: خيال بعيد

قال الراوي حاكيا عن ذكرياته

اليوم اريد ان ابوح لكم بسر خطير . كان فى يوم من الأيام سر مرير, ليس له فى عالم اسرار الجريمة نظير. انها اول صدمة اخلاقية لى فى حياتى واول جريمة ارتكبها وقد كانت جريمة قتل ارتكبتها وانا فى الثامنة من عمرى فأنا القاتل ولكن أتدرون من هو المقتول ؟؟ ….. إنه حمار صغير !! …. نعم حمار صغير — وقصة هذا الحمار الصغير انه اصيب بمرض مزمن جعل امى مقتنعة انه على وشك الموت فقالت لأخى الاكبر (خذ الحمار الى الحقول ليموت هناك حتى لا نضطر لجره فى الطرقات اذا مات فى المنزل) . وزيادة فى التحفيز وعدت اخى باعطائه ربع جنيه اذا فعل . وقد كانت هذه الجائزة فعالة فى تحميس اخى على اخذ الحمار الى الحقول. وفعلا ذهب به الى هناك وتركه فى حقول القصب ثم عاد مرة اخرى للمنزل ليحصل على الجائزة وهى الربع جنيه . وفعلا اخرجت امى الربع جنيه من كيس النقود. ولكن قبل اعطائها له سمعنا طرقا على الباب فذهبنا لنرى من الطارق فإذا هو الحمار الصغير!! ……. وتلاشت احلام اخى فى الحصول على الربع جنيه فى ثانية واحدة…..فإذا بى انا اعرض عليها أن اّخذ انا الحمار الصغير الى الحقول طمعا فى الحصول على الربع جنيه لاشترى به الحلويات من البقال …..فوافقت امى وذهبت به الى هناك.

فقلت لنفسى (لو تركت الحمار هنا كما فعل اخى فانه سوف يعود مرة اخرى وتضيع منى الجائزة )…وبدأت افكر تفكيرا منطقيا … فقلت لنفسى ( يجب اعاقة الحمار عن الحركة حتى لا يعود مرة اخرى )…ولكن كيف اعيق حركته ؟؟؟.. فخطر لى أن اقيده بحبل لأن التقييد سوف يمنعه من الحركة بالتأكيد… ولكن هنا ظهرت امامى مشكلة وهى كيف احصل على حبل لإتمام عملية التقييد ……. فقلت لنفسى (اننا فى الحقول والناس هنا يكثرون من استعمال الحبال فلابد من وجود قطع من الحبال الملقاة على الارض …. ولو انى بحثت عنها لوجدت بعضها بالتأكيد ….. وكنت على وشك القيام بعملية البحث عن حبل لولا أن الشيطان ألقى فى عقلى هذا الخاطر ….. فقد قال لى الشيطان ( فلنفرض انك وجدت حبلا ولنفرض انك نجحت فى تقييده فمن اين تضمن الا يقوم الحمار بفك هذا الحبل والعودة للمنزل مرة اخرة وبالتالى تضيع منك الجائزة ….. فقلت للشيطان كيف يمكن للحمار ان يفك نفسه وهو لا يملك يدين مثلنا؟؟ …فقال الشيطان (وكيف امكن للحمار ان يعود للمنزل مرة اخرى ولا عقل له ؟؟…. ثم لنفرض أنه لن يقدر على فك نفسه ولكن أليس من الممكن ان يراه شخصا من الناس فيقوم بفكه وبالتالى يرجع للمنزل مرة اخرى وتضيع الجائزة ….

.ففكرت فى حجج الشيطان قليلا فوجدتها وجيهة ومعقولة … فكل ما قاله من الممكن ان يحدث وبالتالى فهناك احتمال ان تضيع الجائزة…. ولكنى جادلت الشيطان من ناحية اخرى….. فقلت له (ان الغرض من تقييد الحمار هو تعطيله عن الحركة مدة من الزمن بحيث اصل للمنزل قبله واحصل على الربع جنيه ….فإن عاد بعدها فلا يهم لأنى سأكون قد حصلت على ما اريد)…. فابتسم الشيطان لى وقال (حسنا معك حق , ولكن هل المسألة هى مسألة الحصول على الربع جنيه فقط ام ان هناك اشياء اخرى.؟؟… فقلت للشيطان وأنا مندهش (اشياء اخرى مثل ماذا.؟؟)….فقال لى (لو ان الحمار عاد مرة اخرى لكان هذا انتصار له عليك ..فكيف تسمح ان ينتصر عليك حمار ؟؟…. وكيف تسمح بأن تظهر عاجزا امام حمار وانت العبقرى الذكى الفطن ؟؟؟؟؟؟…. لو انك سمحت بهذا لكانت اهانة كبرى لعبقريتك وذكائك!! …. وسوف يكون الحمار وقتها اكثر منك ذكاءا وفطنة — فكيف تسمح بهذا؟؟؟

فاستفزنى كلامه هذا واثار غضبى …..فقلت له ( اننى لا اسمح بهذا ولا يمكن أن اسمح به ) ….فقال الشيطان لي (اذاَ يجب ان تتيقن من عدم عودته مرة اخرى بحيث لا يكون هناك اقل احتمال او امكان لهذه العودة….. فقلت للشيطان (وكيف أتأكد من هذا ؟؟.) ..فقال لى (ان الحمار لا يقدر على العودة للمنزل مرة اخرى الا اذا كان قادرا على الحركة ….فيجب اذاُ التأكد من انه لن يقدر على الحركة … وتقييده بحبل لن يجعلنا على يقين انه لن يقدر على الحركة … لأن هناك احتمال ان يفك نفسه او يفكه شخصا من الناس …. فلابد اذاُ من وسيلة اخرى تجعلك على يقين انه لن يقدر على الحركة.!!… فقلت للشيطان (لديك حق فى كل ما تقوله وانى لأجد فى كلامك حجج وجيهة معقولة….. فقال الشيطان لي (اننى فقط اريد مساعدتك وتوجيهك للطريق الصواب.!!… فقلت له (اشكرك على اخلاقك النبيلة هذه … ولكنى ارجو ان تدلنى على طريقة تجعلنى متيقنا بأن الحمار لن يكون قادرا على الحركة………… فقال الشيطان لي (انك صديق ولك عليا حق النصيحة والمشورة …. وانا اقترح عليك ان تلقى الحمار فى مصرف المياة وبذلك لن يقدر على الخروج من المصرف مرة اخرى … وبالتالى تكون انت على ثقة بأنه لن يعود للمنزل مرة اخرى .. وبالتالى تحصل على الجائزة وتكون انت المنتصر وسوف يعرف الناس وقتها ذكائك وفطنتك!!!…..

فقلت للشيطان اى مصرف للمياة.؟؟…فقال لى الشيطان (انظر حولك )…. فنظرت حولى فوجدت مصرف للمياة (ترعة) كان يتم فيه تصريف المياة الزائدة فى الاراضى الزراعية وكان دائما يحوى قدر قليل من المياة…. فقلت للشيطان .. (فعلا لو ان هذا الحمار سقط فى هذه الترعة فلن يقدر على الخروج منها مرة اخرى وبذلك فإنى سأكون على يقين بعدم عودته للمنزل مرة اخرى….. انه حل معقول ومنطقى …. ولكن ولكن..؟؟؟….. ولكن انتظر ايها الشيطان … ان حلك مرفوض … واقتراحك غير مقبول…. فقال لى الشيطان … لماذا يا صديقى وما العيب الذى تراه فى هذا الحل… فقلت له (اننى لو القيت هذا الحمار فى مصرف المياة لكان هذا قتلا واكون انا وقتها قاتلا…. وقد اخبرونا فى المدرسة ان القتل جريمة وان القاتل سوف يدخل النار … وسوف تعذبه الملائكة ….. وانا اثق تماما فى اساتذتى ولا يمكن ان يكونوا كاذبين…. فهل تريدنى ان ادخل النار وتعذبنى الملائكة.؟؟!!……..لا يا صديقى كنت احسبك عاقلا رشيدا حكيما… فإذا بك تقترح عليا اقتراحاتك الحمقاء!! …. فقال لى الشيطان (انتظر قليلا ولا تظلمنى بعتابك وسوء ظنك .. وانظر اولا فى حججى وبراهينى)… فقلت له (لك هذا رغم انى اثق فى حماقة اقتراحك هذا)…….. فقال لى الشيطان … لا تعجل يا صديقى… فقد تعودت منك الفهم والفكر فانظر فى حجتى اولا ….. فقلت له لك هذا… هيا هات ما عندك… فقال لى الشيطان .. اننى لا اقدر ان اتهم اساتذتك بالكذب …بل هم صادقون …. فكل من يقتل فلابد وان يدخل النار وتعذبه الملائكة… فقلت له فكيف اذاُ تريدنى ان افعل هذا.الفعل الاحمق…. فقال لى…… ان هذا الفعل سوف يكون احمقا….. لو كان قتلا ….ولكنه ليس بقتل …. اذاُ هو ليس فعل احمق……

فقلت للشيطان .. وكيف لا يكون قتلا؟؟… ان القتل هو ان تقوم بفعل يؤدى الى موت الاّخر …… وهذا فعل يؤدى الى موت الحمار حتما…… فقال لى الشيطان … ان الفعل لا يسمى قتلا الا اذا كان المقتول انسانا … وهذا حمار وليس انسان …. اذاُ هو ليس بقتل….. والدليل على هذا انك ترى الجزار يذبح الحيوانات امام سمع الناس وبصرهم … ورغم هذا فهم لا يسمون الجزار قاتلا…. ولا يقومون بمنعه عن ذبح الحيوانات ولا يوجهون له لوما او عتابا……. وهذا يدل على ان الفعل المتسبب فى موت الحيوان لا يسمى قتلا ….. بل يسمى قتلا اذا كان المقتول انسانا… وبما ان هذا حمارا وليس انسانا … فانك لن تكون قاتلا ولا مجرما لو تسببت فى فعل يؤدى فى النهاية الى موته…. وبالتالى فإنك لن تدخل النار …. ولن تعذبك الملائكة…… فقلت للشيطان .. ان كلامك معقول وحجتك وجيهة .. وانا اسف ان كنت ظلمتك وأسأت الظن بك…. وانا اعترف الاّن ان هذا ليس قتلا وقد اقنعتنى ببراهينك هذه….. ولكن انتظر … حتى لو لم يكن قتلا …. وحتى لو لم ادخل النار وتعذبنى الملائكة….. اليس هذا الحمار حيوان يحس مثلنا ويحب الحياة مثلنا؟؟ ….. فكيف احرمه من الحياة لمجرد ان اصل لغايتى الخاصة؟؟ … اليس هذا الحمار له اب وام …. وسوف يكبر ويتزوج ويكون له ابناء …… فكيف احرمه من كل هذا….. ان هذا عمل غير اخلاقى…. فاعذرنى لأنى لن اقوم بهذا العمل …. لأنى كما لا ارضى ان يحرمنى احد من الحياة ومن امى وابى … فكذلك لا ارضى ان يحدث هذا لغيرى…. ولذلك فإنى لن اقوم بهذا العمل…… لأنى لا امتنع عن العمل لمجرد ان هناك عقاب لو عملته … بل هناك اعمال لا عقاب عليها … ولكنى لا اقوم بها لأنها تتعارض مع اخلاقى…….

فقال لى الشيطان —- نعم صديقى لديك حق واسمح لى ان احييك على اخلاقك النبيلة وشيمك الرفيعة….. ولكن انتظر …. كلامك هذا سوف يكون مقبولا… لو ان هذا الحمار سوف يعيش ….. وقد اخبرتك امك انه سيموت بعد ساعات …. وكما اعرف فإنك تصدق امك ولا تجوز الكذب عليها…… وبما انك لا تجوز الكذب عليها … اذاُ فهى صادقة قى قولها ان الحمار سيموت بعد ساعات…….. فما الفرق اذاُ بين ان يموت هذا الحمار الاّن…. او بين ان يموت بعد ساعة او ساعتين……… وهل تقديم ساعة او تأخير ساعة سوف يمثل فرقا…… ان هذا الحمار سيموت فى كلتا الحالتين… فلا يهم إن تقدم موته او تأخر ساعة…….فقلت للشيطان كلامك وجيه … ولكن من حق الحمار ان يعيش هذه الساعة ويستمتع بها قبل الموت….. فقال لى الشيطان….. هذا ان كان سيستمتع بها….. ولكنه كما تعرف مريض….وهو الاَن يعانى من ألم شديد بسبب هذا المرض….. فهل من الرحمة ان نتركه يتألم هكذا دون ان نمد له يد المساعدة…….. انك ان عجلت بموته لكان هذا افضل له …. ولو كان للحمار لسانا يتكلم لشكرك على هذا … لأنك أرحته من الاَلام التى تنتظره فى الساعات الباقية له…… فالتعجيل بموت هذا الحمار هو رحمة وعملا انسانيا انت جدير بهما …… فهيا قم بما يجب ان تقوم به ولا تتردد فى مساعدة من يحتاج للمساعدة…… وكما أن اساتذتك قالوا لك ان الاعمال الشريرة تؤدى الى النار …. فكذلك هم قالوا لك ان الاعمال الخيرة تؤدى للجنة……. فلا تترك هذه الفرصة فى القيام بعمل يدخلك الجنة.!!!!…..

فقلت للشيطان ……..صديقى لقد استدررت الرحمة من قلبى ….. واثرت بداخلى مشاعر الشفقة والعطف تجاه هذا الحمار…… وانا الاَن ارى ان القيام بهذا الفعل ضرورى ومعقول…..من عدة نواحى .. اولا لأحصل على الربع جنيه…… وثانيا لاثبت عبقريتى وذكائى بفعل ما عجز عنه اخى الاكبر……وثالثا لأن هذا عملا انسانيا لأنى سأريح هذا الحمار من الألم فى ساعاته الاخيرة…..اذاُ فإن هذا العمل خير …. وطالما هو خير فيجب ان اقوم به…… فابتسم الشيطان … وقال … نعمَ العقل والفكر .. وقد اصاب ظنى ورجائى فيك……فقلت له وانا اشكرك على النصيحة …. وما قمت به من اظهار للحقائق….. فاعذرنى لأنى سأتركك الاَن … لأن بداخلى رغبة شديدة للقيام بالقاء هذا الحمار فى مصرف المياة….. فقال الشيطان ….لا شكر على واجب … وهيا قم بما يجب ولا تضيع الوقت….. وهنا تركنى الشيطان … فأخذت افكر فى كيفية اسقاط الحمار فى المصرف …. لأننى كلما دفعته نحو المصرف رفض الحركة …… ففكرت قليلا …. وقلبت في ذاكرتي عن سبب يجعل الحيوان الذي له ارادة يقع رغما عنه .. فتذكرت أنني وقعت رغما عني عندما كنت ألعب الاستغماية مع اصدقائي واجري منهم فتعثرت في ثوبي ووقعت .. ولكن المشكلة هنا هي أن الحمار ليس له ثوب حتى يتعثر فيه —- وكذلك لو أنه تعثر فسوق يقع على الارض وأنا اريده أن يقع في مصرف المياة .. فقلبت في ذاكرتي اكثر فتذكرت أنني كنت واقف على حائط فوقعت بسبب اختلال توازني .. فهذا الحمار لو اختل توازنه على حواف الترعة لوقع فيها لأن الحافة في الاعلى والترعة في الأسفل …..فقلت لو اننى جررته بسرعة كبيرة على حواف الترعة … لتعسرت اقدامه…. وبالتالى يفقد توازنه….. وبالتالى يسقط….. وعندئذ بدأت التنفيذ والعمل!!

….فأخذت أجر الحمار على حواف الترعة حتى تتعسر اقدامه فيفقد توازنه ويقع فى الترعة…وفعلا حدث ما خططت له ووقع الحمار البرئ فى الترعة……….وانتابتني نشوة الانتصار واخذت انظر لنفسى بفخر واعتزاز بعبقريتى وذكائى…. ورجعت للمنزل بخطوات وئيدة فى اعتزاز واعجاب بالنفس ودخلت المنزل وقلت لأمى اين الربع جنيه ؟؟؟…فقالت لى (واين الحمار قد يعود مرة اخرى؟؟؟) ..فقلت لها لن يعود لأنى ألقيته فى مصرف المياه……فصرخت فى وجهى صرخة عظيمة واخذت تلطم على خديها وقالت لى سوف تذهب للجحيم هتروح النار.!!!…..الملائكة هتعذبك.!!! ….فانتابنى الروع من كلامها …وهجم عليا خوف شديد من تهديداتها…خاصة اننى سمعت اوصاف النار من الاساتذة فى المدرسة ….فلم املك نفسى من الجرى السريع نحو الحقول لأنقذ الحمار واصلح خطئي…….ووصلت اليه فوجدته واقف فى عمق الترعة لا حول له ولا قوة….. .فنزلت اليه لأخرجه وحاولت باستماتة ولكنه كان ثقيلا بالاضافة لقوتى فلم تنجح كل محاولاتى….فيأست من اخراجه …… وخرجت من الترعة وانا انظر اليه ….. فوجدت فى عينيه حزنا كبير والقى عليا بنظرة فيها لوم وعتاب…ولن انسى نظرته هذه.ابداُ.. ..وبعدها مضيت فى طريقى عائداُ للمنزل وانا اتمثل فى خيالى النار وتعذيب الملائكة لى……وظللت شهورا اعانى من الكوابيس واحلام الجحيم….لدرجة ان امى كانت تأخذنى للشيوخ وصناع الأحجبة بل وحتى للقسيسين والرهبان فقد اخذتنى للكنيسة القريبة حيث دهننى القسيس بالزيت وطرق على رأسى بعصا غريبة الشكل…….وهذه هى قصتى مع هذا الحمار وقد يراها البعض قصة طريفة ولكنها بالنسبة لى كانت مأساة.

وهنا سكت الراوي عن الحكي — وقال للمستمعين — ما انطباعكم عن قصتي ؟؟

هذا المقال لا يعبر سوى عن رأي كاتبه، ولا يعبر بالضرورة عن رأي فريق المكتبة العامة






تعليقات الفيسبوك