من هو أحمد بن حنبل ؟

أحمد بن محمد بن حنبل أبو عبد الله الشّيباني، أحد مشاهير أئمة الإسلام، ومؤسسالمذهب الرابع عند أهل السنة.

    ولد في بغداد، وبها نشأ، وفيها توفي، وكان أبوه جندياً في الجيش العباسي المرابط في خراسان، وتوفي في الثلاثين من العمر، وكان ولده أحمد ابن ثلاث سنين، فرعته أمه صفية بنت عبد الملك الشيبانية.

    تعلم الكتابة والقراءة صغيراً، واتجه، وهو فتىً، إلى طلب العلم على علماء بغداد وبدأ في سنة 182هـ الرحلة في طلب المزيد من علوم الشريعة، ولاسيما الحديث الشريف. فقصد الكوفة والبصرة ومكة المكرمة والمدينة المنورة ومدن اليمن والشام والجزيرة وأخذ عن علمائها.

    وعاد بعدها إلى بغداد بزادٍ علمي كبير، وبشهرة واسعة فقصده طلبة العلم من كل مكان. وفي الرابعة والخمسين من عمره تعرض للمحنة في عصر المأمون بسبب مسألة خلق القرآن التي هي من أظهر مبادئ المعتزلة [ر]. فقد كتب المأمون سنة 218هـ إلى نائبه في بغداد إسحق بن إبراهيم بن مصعب يأمره بدعوة العلماء، وامتحانهم، فمن قال منهم بأن القرآن مخلوق تركه وشأنه، ومن قال غير ذلك سجنه، وأرسله إلى الخليفة في مدينة طرسوس حيث كان يقيم. وأرسل نسخاً من ذلك الكتاب إلى ولاة الأقاليم، ليقوموا بمثل ذلك.

    استجاب العلماء لطلب المأمون خوف بطشه، إلا قليلاً منهم وفي مقدمة هؤلاء أحمد بن حنبل، ومحمد بن نوح، فحبسا، وأرسلا إلى الخليفة مُقَيَّدَيْن. وما إن وصلا مدينة الرقة في الجزيرة حتى جاء نَعي المأمون وتولية المعتصم بالله سنة 218هـ، فأعيدا إلى بغداد وفي الطريق مات محمد بن نوح، وانتهى أحمد إلى السجن.

    كان المعتصم يرسل إلى السجن من يناظر أحمد بن حنبل ويتوعده. وكان من أقارب أحمد من يحضه على القبول بخلق القرآن، لأنه مُكره، فكان يأبى كل ذلك، ويقول: «إذا أجاب العالم تَقِيَّهً، والجاهل يجهل، فمتى يتبين الحق؟».

    ورأى المعتصم أن يجمع بين أحمد بن حنبل ورؤوس المعتزلة للمناظرة في القصر. فاجتمع إليه بن أبي دُواد، رأس المعتزلة وقاضي القضاة، ووجوه من العلماء المؤيدين، ووقف أحمد يرسف في قيوده ويرد عليهم بالحجة ويطالبهم بالنص في البرهان على أقوالهم.

    واستمرت المناظرة ثلاثة أيام، وكاد المعتصم يميل إلى قول أحمد والعفو عنه، لولا أن ابن أبي دُواد صدّه عن ذلك، وحرضه عليه، فاندفع المعتصم يلطم أحمد، وأمر بربطه وجلده، حتى خُلعت يده اليسرى، وتمزق لحمه، وحُمل إلى منزله بعد ثلاثين شهراً من السجن.

    وفي عام 227هـ تولى الواثق الخلافة، فسار سيرة المعتصم والمأمون. ونفى أحمد من بغداد ومنعه من الاجتماع بأحد، فاختفى متنقلاً من موضع إلى آخر. بيد أنه عاد بعد أشهر إلى بيته، فلم يبرحه، ولو إلى صلاة الجمعة، إلى أن مات الواثق سنة 230هـ وخلفه المتوكل على الله، فأبطل القول بخلق القرآن، ونكّل بالمعتزلة، وطلب من أحمد بن حنبل، وغيره من العلماء العودة إلى قول السلف.

    ودعاه المتوكل إلى زيارته في سامرّاء، فاستجاب، ورحل إليها مع أهله، وأقام فيها ستة أشهر، ثم عاد إلى بغداد وظل فيها إلى وفاته.

    وكانت جنازته مشهودة ضمت آلافاً من المشيعين.

    كان أحمد حسن العشرة متواضعاً، حليماً طلق الوجه، شديد الحياء، قليل الكلام، محباً للوحدة، أنيق المظهر والثوب.

    وكان على فقره زاهداً، امتنع عن ولاية القضاء أيام الرشيد والأمين. ورفض عطاء الجميع، بما في ذلك المأمون قبل المحنة والمتوكل بل إنه حين سافر إلى سامراء أنزله المتوكل أحد القصور فتحول عنه إلى بيت بسيط اشتراه، ولم يأكل من طعام الخليفة شيئاً، لأنه كان لا يجيز ذلك، ويرى مقاطعة من يقبل عطاء الخلفاء والأمراء كما فعل مع عمه إسحق وولديه صالح وعبد الله بعد أن قبلوا عطاء المتوكل.

    ولعل أبرز ما في شخصيته وخُلُقه تقديره للعلم وصبره على اكتسابه، وتكبده مشاق الانتقال من مدينة إلى أخرى في سبيل ذلك، وكان لا يسمع من عالم شيئاً إلا كتبه وحفظه ولا يحدّث بحديث إلا كان من حفظه وكتابه.

    ويحرص على أن يعمل بما يعلم وكان كثير الإجلال لشيوخه، والثناء عليهم.

    ومن أهم ميزاته الأخرى صلابته في الحق، وثباته عليه، وتجلّى ذلك أيام المحنة، وصبره على السجن والعذاب.

    وكان يعيب على العلماء الذين اختاروا رخصة الإكراه قولهم بخلق القرآن تقية خوفاً من بطش الخليفة، وكان يرى أنهم لو صبروا في سبيل الله لخافهم المأمون وانتهت المحنة. وكان مع ما لقيه من السجن والعذاب يدعو للخليفة بالاستقامة والرشاد ولا يحرض الأمة عليه.

    قال الشافعي: «أحمد إمام في السٌّنَّة، إمام في الحديث، إمام في الفقه، إمام في القرآن. إمام في اللغة».

    أما إمامته في السُّنة، فلأنه يمثل عقيدة أهل السنة والجماعة، وهو المجاهر بها، والمدافع عنها وقت المحنة.

    فالإيمان عنده اعتقاد بالقلب، ونطق باللسان، وعمل بالأركان، وهو يزيد بالطاعة، وينقص بالمعصية وإن التوبة تمحو كل ذنب. ومن ارتكب كبيرة، فهو بمشيئة الله تعالى، إن شاء غفر له وعفا، وإن شاء عذبه، ولكنه لا يخلد بالنار، خلافاً للخوارج [ر] الذين قالوا بتكفيره وخلوده في النار، وخلافاً للمعتزلة الذين قالوا هو بمنزلة بين المنزلتين: الإيمان والكفر.

    وكان يرى أن أسماء الله تعالى، وصفاته يجب التسليم بها كما جاءت بالنصوص من دون تأويل أو تشبيه أو تعطيل. ولذلك كره علم الكلام وقاطع علماءه، لأنهم يبحثون أمور العقيدة بأسلوب منطقي جدلي يؤدي بهم إلى تفسير تلك الأسماء والصفات على غير الوجه المأثور الذي جاء عن السلف من الصحابة والتابعين.

    أما إمامته بالحديث فإنه لم يكن في عصره عالم حفظ من الحديث ما حفظ، فضلاً عن علم واسع بالرواة والجرح والتعديل وبعلل الحديث ونقده. وقد أخذ عن كبار علماء عصره. وكتب عمَّن وثق به، وفي مقدمتهم هشيم بن بشير بن أبي خازم الذي أثر فيه.

    وكذلك سفيان بن عُيَيْنَة، واسماعيل بن عُلَيَّة، ووكيع بن الجّراح، وعبد الرزاق بن همّام، ويحيى القّطان، ويزيد بن هارون، وعبد الرحمن بن مهدي، وأبو بكر بن أبي شيبة، وغيرهم.

    وتلقى الحديث عن أحمد بن حنبل جمع غفير من العلماء وفدوا عليه من كل مكان، منهم ولداه صالح وعبد الله، ومحمد بن إسحق والبخاري ومُسْلم وأبو داود والنَّسائي وبَقِيُّ بن مَخْلَد مُحَدِّثُ الأندلس، وأبو زَرْعَة وأبو حاتم ويحيى بن معين وأبو القاسم البَغَوِيَ، حتى إن بعض شيوخه أخذ عنه الحديث كالشافعي ووكيع وعبد الرزاق.

    أما ما يتصل بإمامته في الفقه، فهو صاحب المذهب الحنبلي الذي يؤثره أهل الحديث، لأنه يلتزم فيه نصوص الكتاب، والسُّنة والآثار المنقولة عن الصحابة والتابعين وقد أخذ أحمد فقه أبي حنيفة عن صاحبه أبي يوسف. كما أخذ فقه الحجاز عن سفيان بن عُيَيْنَة. وكان الإمام الشافعي أعمق شيوخه أثراً في تكوينه الفقهي. فقد التقاه في الحجاز سنة 187هـ، وفي بغداد سنة 195هـ، ولازمه فيها حتى سافر إلى مصر سنة 199هـ وتلقى عنه أصول استنباط الفقه من النصوص، وقواعد الاجتهاد.

    وذهب بعض العلماء إلى أن أحمد ليس بفقيه، إنما هو صاحب حديث وأثر. والحق أن إحاطته بمعرفة إجماع الصحابة واختلافهم، وأقوال التابعين، والتزامه كل ذلك، لا يعني أنه غير فقيه ولا مجتهد. ومن وقف على الفقه الحنبلي وجد فيه من الدقائق الفقهية مالا يجده في مواضع أخرى، ولاسيما في المعاملات والعقود والشروط.

    ومن العلماء من ذهب إلى أن الإمام أحمد لم يشتهر بالفقه إلا بعد المحنة والحق أن شهرته بالفقه كانت قبل ذلك بكثير، وهي ملازمة لشهرته بالحديث. وقد ذكر الذهبيّ، وأبو نعيم أن أحمد حجّ سنة 198هـ، وكان يفتي الناس، وله فتياً واسعة. وقد شهد له بالإِمامة بالفقه والاجتهاد أئمة كبار، كوكيع بن الجراح، والشافعي، وعبد الرزاق، وجميعهم ماتوا قبل المحنة.

    وأما إمامته بالقرآن الكريم، وباللغة، فلم يشتهر ذلك عنه شهرته بالعقيدة والحديث والفقه ولكن تكفيه شهادة الشافعي.

    كان الإِمام أحمد يقرأ بقراءة نافع بن عبد الرحمن، وهي قراءة أهل المدينة المنورة، وقد أخذها عن شيخه يحيى بن آدم. وكان يكره القراءة بالألحان، ويَعُدُّها بدعة. وكانت لأحمد مقدرة لغوية دقيقة ظهرت في فهمه لنصوص الكتاب والسُّنَّة. فلا يلحن هو، ويحرص على ألا يلحن أولاده. وقد تلقى اللغة عن أبي عمرو إسحق بن مرار الشيباني، أحد أئمتها في عصره، وهو الذي جمع أشعار نيّف وثمانين قبيلة من قبائل العرب ودوَّنها، وكان أحمد يلزم مجالسه، ويكتب أماليه. ولعله أخذ اللغة عن غيره أيضاً، وكان إلى جانب ذلك يتقن اللغة الفارسية.

    كان أحمد يوصي طلابه بكتابة النصوص، والآثار المروية عن الصحابة، وينهاهم عن كتابة أقواله وأقوال أي عالم مهما بلغت منزلته العلمية،وذلك لاحتمال خطئه أو رجوعه عما قال. غير أنه لما خاف تحريف كلامه، أذن لكبار تلاميذه بتدوين أقواله وفتاويه. وجاء بعدهم أبو بكر الخَلاَّل (ت311هـ)، فجمع ما دَوَّنوه، وطوَّف بالبلاد سعياً وراء العلماء الذين لديهم شيء من فقه الإمام أحمد وكلامه، ورتَّب ما جمعه، فبلغ نحو أربعين مجلداً، أشهرها:

    كتاب السنة في أصول الدين، وكتاب العِلَل في نقد الحديث وبيان عِلَلِهِ، وكتاب العلم، وكتاب الجامع لعلوم الإِمام أحمد.

    ولم يطبع من هذه الكتب شيء. غير أن أعظم ما تركه الإِمام أحمد من أثر علمي هو كتاب «المسند» الذي صنَّفه بنفسه. وهو أصل كبير، ومرجع وثيق لعلماء الحديث. ويُعَدُّ من أجمع الكتب المعروفة للسنة النبوية، من الأحاديث التي رواها عن شيوخه الأعلام. وكان أحمد قد رتبها عن كل صحابي على نحو مستقل، وأضاف إليها ما نقل عن ذلك الصحابي من فقه وفتاوى. وبلغ عدد الصحابة 700 رجل، ومئة امرأة. وقد توفي قبل إنجازه.

    فقام ولده عبد الله،ورتبه على ما هو عليه. وجاء أبو بكر القطيعي فروى المسند عن عبد الله، وزاد كل منهما أحاديث متميزة رواها عن شيوخه.

    يبدأ المسند بأحاديث الصحابة المبشرين بالجنة، ثم من يليهم وهذا الترتيب يجعله صعباً لا يرجع إليه إِلا الحُفّاظ، ولا ينتفع به إلا الذين تمرَّسوا بالحديث. وليس في المسند أحاديث موضوعة، لأن الإمام أحمد كان يَتحيّر الرواية عن الثقات. فلا يروي عن شخص يتعمد الكذب، أو يعتقد بضعفه، أو أنه غير ضابط أو غير فاهمٍ لما يروي. كما لم يكن يروي عن عالمٍ قال بمسألة خلق القرآن، ولو تقية وخوفاً وشَرْط أحمد في الراوي أقوى من شرط أبي داود في السُّنن. ومن الثابت أيضاً أن في المسند بعض الأحاديث الضعيفة التي يمكن الاحتجاج بها في فضائل الأعمال، لأن أحمد كان يتساهل في ذلك، ويتشدَّد في أحاديث الأحكام. وهذا التساهل مقبول عند بعض جهابذة المُحدِّثين.

    وفي المسند 337 حديثاً يفصل أحمد عن الرسول r فيها ثلاثة رواة، ووجودها دليل على علو السَّند.

    وفي المسند تكرار لبعض الأحاديث، فيروى الحديث الواحد بأسانيد متعددة، وبألفاظ مختلفة، وبعضها مُطَوّل، وبعضها مختصر.

    ولعل هذا هو الذي حمل العلماء على الاختلاف في أحاديث المسند، فمنهم من قال بأنها ثلاثون ألفاً، ومنهم من قال: أربعون ألفاً. وليس ثمة إِحصاء دقيق لأحاديث المسند.

    والمسند مطبوع أكثر من طبعة. وقد قام الشيخ عبد الرحمن البنّا الساعاتي بترتيب المسند على حسب الموضوعات وفق الترتيب المعتاد في كتب الحديث. وصدر تحت عنوان «الفتح الرباني لترتيب مسند الإِمام أحمد بن حنبل الشيباني».

المصدر: الموسوعة العربية

هذا المقال لا يعبر سوى عن رأي كاتبه، ولا يعبر بالضرورة عن رأي فريق المكتبة العامة

 

هذا المقال لا يعبر سوى عن رأي كاتبه، ولا يعبر بالضرورة عن رأي فريق المكتبة العامة







تعليقات الفيسبوك