عمر بن الخطاب والسياسة الإجرائية المعاصرة

عمر بن الخطاب والسياسة الإجرائية المعاصرة – بقلم: سامح عبد الله

فقال عمر : هل عندك من خير إن عفوت عنك؟
قال نعم ، والله لا أعود. فقال عمر : فقد عفوت عنك.

“إحدي وأربعون”

مازال عمر يطوف بالمدينة في جنح الليل ليس معه دليلا سوي بصيرته وليس لديه غاية سوي أن يعلم من شئون رعيته مايمكنه أن يخلد إلي النوم بضع ساعات قليلة.
الحوادث كثيرة والروايات التي تنقلها الكتب في هذا الشأن كثيرة وقد شددنا من قبل علي أننا في نهجنا هذا لا نقبل إلا الرواية التي تواتر علي صحتها ودقتها كتاب مشهود لهم بدقة النقل وشددنا أيضا علي أننا لانكتب سيرة رجل بقدر ما نسلط الضوء علي موقف كان في عصره نموذجا في الإدارة ثم امتد هذا الوصف إلي عصرنا هذا فأصبح موقفا عبقريا أو سلوكا سبق عصره وأضحي فريدا.

تقول الرواية المتواتر عليها أن أمير المؤمنين عمر كان يسير كعادته في المدينة ليلا فسمع صوت رجل وامرأة في بيت فتسور الحائط فإذا رجل وامرأة عندهما إناء من خمر فقال عمر للرجل ياعدو الله!
أكنت تري أن الله يسترك علي معصية؟ فقال الرجل:
يا أمير المؤمنين :أنا عصيت الله في واحدة وأنت في ثلاث، فالله يقول :” ولا تجسسوا ” وأنت تجسست علينا، والله يقول “أوتوا البيوت من أبوابها ” وأنت صعدت من الجدار ونزلت منه، والله يقول” لا تدخلوا بيوتا غير بيوتكم حتي تستأنسوا وتسلموا علي أهلها” وأنت لم تفعل ذلك.. فقال عمر : هل عندك من خير إن عفوت عنك؟
قال نعم، والله لا أعود. فقال عمر : اذهب فقد عفوت عنك.

هذه هي الرواية التي تتبعتها بالعديد من الكتب التى تناولت عصر عمر بن الخطاب وهي كثيرة جدا ويكفي أن يذكرها العقاد في مؤلفه عبقرية عمر حتي نلقي عليها مصداقية أخري مصدرها ما عرف عن العقاد من الدقة في نقل مثل تلك الروايات.

الرواية أو الحادثة تقول أن عمر سمع صوت رجل وامرأة في بيت من بيوتات المدينة بجوف الليل
وأنه عندما تسور حائط هذا المنزل وجد أمامهما إناء من خمر يتأهبان له علي ما يبدو حتي فضبطهما علي هذه الحال.
إذن يبدو أن هناك جرمان ينسبان إليهما..
الخلوة غير الشرعية وهذه ليست واضحة كل الوضوح..
فهي محض إستنتاج والأخري هي شرب الخمر أو التهيؤ لشربه بأقل تقدير.
وكان قرار عمر واضح وصريح.. تسور المنزل وتهيأ لضبط المخالفين لكن الغريب هنا أنه عندما واجهه الرجل بالحجة والدليل وقال له أكنت تري أن الله يسترك في معصية؟ وهو قول من شأنه أن يعدم ثمة دفاع لدي المخاطب..فالدليل واضح وقائم و المضبوطات موجوده والقائم علي الضبط هو الخليفة العادل الذي إقترن إسمه بالعدل
فأي حجة أقوي من ذلك وأي دليل يعجز المتهم عن دفعه أكبر من ذلك حجة؟

ورغم ذلك كان رد المتهم أقوي وأبلغ فقد استجمع قواه وخاطب الخليفة بحجة من القرآن ودليل من القرآن في ثبات عجيب حتي دحض حجة عمر ودعاه إلي العفو عنه رغم ذلك كله.
أي ثبات دفع هذا الرجل إلي هذه المواجهة مع أمير المؤمنين.. أي ثقة في عدل الخليفة هذه التى تدفع رجل في موضع إتهام كهذا أن يقول له أنا إرتكبت معصية وأنت إرتكبت ثلاث.. أي حجة أتي بها هذا الرجل وأي صلابة واجه بها خليفة قال عنه الرسول صلي الله عليه وسلم أن الشيطان يخشاه !

الحقيقة أن الإجابة لن تكون أكثر من أن هذا رجل من الرعية عرف أن هذا الحاكم رغم قوته وحزمه وغضبه عند الخطأ الذي يخالف شرعا إلا أن عدله يسبق كل هذا وحرصه علي إرساء قيم الحرية والكرامة يستوعب كل هذا.

من أين أتي واحد من الرعية بهذا المنطق ومن أين أتي عمر بن الخطاب بهذه السياسة التى توصلت إليها النظم الحديثة بعد ذلك بقرون عدة !
شيء عجيب حقا.. الجرم ثابت.. والضبط وقع.. والضابط هو أمير المؤمنين وليس أحد من عماله..
هي واقعة تلبس بالجريمة مكتملة الأركان
لكن القرار كان هو العفو عن المتهم وأحسب أن أمير المؤمنين كان مضطرا إلي ذلك انتصارا للحجة التى ساقها إليه الرجل.

في أول إعلان لحقوق الإنسان عقب الثورة الفرنسية عام 1789 أعلنت عدة مبادئ أصبحت هي عماد كل دستور تتبناه دولة من دول العالم المتحضر..
شدد هذا الإعلان علي أن الحرية الشخصية مصونة لاتمس وأنه لا يسمح بالضبط أو التفتيش إلا بأوامر من السلطة القضائة المختصة.
كل دساتير العالم وكل قوانينها الإجرائية تنص علي هذا..تفتيش المنازل يقع باطلا من دون إذن قضائي مسبب.. ضبط المراسلات محظور إلا بأمر قضائي مسبب.. مراقبة الهواتف يقع باطلا إلا بإذن قضائي مسبب وكل المحاكم الجنائية في العالم اليوم لاتتردد في القضاء ببراءة المتهم حتي مع ثبوت الجرم من الناحية الموضوعية إذا شاب القبص عليه أو تفتيشه عيبا إجرائيا.. والفلسفة واضحة أنه لا يجوز بأي حال من الأحوال أن نلقي بكرامة وخصوصية الإنسان جانبا في سبيل ضبط جرم..!

منذ منتصف القرن الثامن عشر الميلادي تقريبا تنبه العالم إلي أهمية وضع قانونا للإجراءات الجنائية يحدد الطريق الذي يجب أن تتبعه سلطة الضبط في البحث عن الجرائم وضبطها.. نقلة حضارية توصل إليها إنسان هذا العصر تنبه إليها رجل مثل عمر بن الخطاب منذ أكثر من أربعة عشر قرن من الزمان وتنبه لها من قبله علي مايبدو رجل من رعيته.. مجرد مواطن في دولة هو أمير المؤمنين فيها..

الجريمة التى تضبط بعيدا عن الإجراء المشروع الذي رسمه القانون تشكل خرقا في حق من ضبطها والجريمة التى تضبط عن طريق إنتهاك حرمة الغير تمثل عدوانا في حق من اقترفها والجريمة التى يسلك في ضبطها طريق النيل من كرامة الانسان تشكل إنتهتكا ضد من سلكها.

هذه هي الحقيقة حتي ولو تواتر خلف واقع تغيرت فيه معايير الكرامة وحرمة الحياة الخاصة..

كان الدليل الذي قدمه عمر علي ثبوت الجرم قويا كفيلا بأن يستحق مقترفه معه إنزال العقوبة به لكن الحجة التى آتاها واحد من رعيته كانت أقوي وإستأهلت العفو عنه لأنها كانت تستند إلي شرعية إجرائية مستمدة من دستور عظيم إسمه القرآن.

ـــــــــــــــــــــــ

هذا المقال لا يعبر سوى عن رأي كاتبه، ولا يعبر بالضرورة عن رأي فريق المكتبة العامة

هذا المقال لا يعبر سوى عن رأي كاتبه، ولا يعبر بالضرورة عن رأي فريق المكتبة العامة




-->

تعليقات الفيسبوك