معلومات ربما تعرفها لأول مرة عن “المذهب الأشعري”

الأشعرية أحد المذاهب الاعتقادية في الإسلام. تُنسب إلى إمامها الشيخ أبي الحسن علي بن إسماعيل الأشعري[ر] (260-324هـ).

نشأة الأشعرية

ظهرت الأشعرية في أواخر القرن الثالث الهجري في الوقت الذي بلغ فيه المعتزلة أوج مجدهم السياسي والفكري، واشتد خلافهم مع أهل الفقه والحديث والفرق المخالفة لهم. وكان أبو الحسن الأشعري في أول أمره من المعتزلة البارزين ثم انقلب عليهم وراح يدعو إلى مذهبه الذي يغاير مذهب المعتزلة، واستخدم أساليبهم الجدلية في الرد عليهم، وما لبث أن شاع مذهبه وانتشر في الآفاق. وفي الوقت نفسه ظهر الشيخ أبو منصور محمد بن محمد الماتريدي[ر] (ت 333هـ) في بلاد ما وراء النهر، معاصراً أبا الحسن الأشعري، وتصدى كل منهما للمعتزلة، والتقيا في معظم النتائج، وصار الأشاعرة والماتُريدية يمثلان مذهب أهل السنة والجماعة عند المسلمين في أمور الإيمانوالعقيدة.

دعا الأشعري إلى العقيدة الإسلامية الأصلية التي سار عليها الصحابة والتابعون الثابتة بالكتاب والسنة، ودافع عنها في وجه أتباع الفرق الأخرى ودحض أقوالهم.

ثم جاء القاضي الباقِلاَّني[ر] في النصف الثاني من القرن الرابع الهجري، فنصر مذهب الأشعري، ورسّخ منهجه، وأضاف إليه المقدمات المنطقية والعقلية التي تتوقف عليها الأدلة والأنظار، وصاغها في قواعد وأقْيِسة. ثم جاء حجة الإسلام الغزالي[ر] فوجد أن هذه المقدمات والأدلة مقتبسة من كلام الفلاسفة، فخفف من غلوائها، وغلَّب الأدلة النقلية. وقد ظل المذهب الأشعري على مر القرون محل عناية العلماء درساً، وتصنيفاً وشرحاً، ونشراً، حتى غدا مستقراً في نفوس المسلمين وعقيدة لجمهورهم.

مبادئ الأشعرية

تقوم مبادئ الأشعرية على بيان العقيدة الإسلامية وموقفها من الآراء الجديدة التي أثارتها المذاهب الأخرى. وقد أجمل أبو الحسن الأشعري مبادئه في كتابه «الإبانة عن أصول الديانة» بقوله:

«قولنا الذي نقول به، وديانتنا التي ندين بها، التمسك : بكتاب ربّنا عز وجل، وبسنَّة نبينا صلى الله عليه وسلم، وما روي عن الصحابة والتابعين وأئمة الحديث، ونحن بذلك معتصمون». ثم فصل هذا الإجمال بنحو خمسين مسألة بيّن فيها مبادئ العقيدة الصحيحة بدأها بقوله: «وجملة قولنا أنّا نقر بالله، وملائكته، وكتبه، ورسله، وما جاء من عند الله، وما رواه الثقات عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، لا نردّ من ذلك شيئاً وأن الله عز وجل إله واحد…، وأن محمداً عبده ورسوله…، وأن الجنة حقّ، والنار حقّ، وأن الساعة آتية لا ريب فيها، وأن الله يبعث مَنْ في القبور»، وختمها بقوله: «ونرى مفارقة كل داعية إلى بدعة ومجانبة أهل الأهواء». ويتضح من هذا التفصيل الموقف الصحيح في قضايا «الإيمان» و«صفات الله تعالى» و«القضاء والقدر» و«الخلافة» وغير ذلك من المسائل الأساسية.

ففي الإيمان: يرى الأشاعرة أنه لا يمكن أن يكون الإنسان مؤمناً ما لم ينطق بكلمة التوحيد. وهذا النطق شرط لا بد منه. وأن الإيمان أخص من الإسلام، فكل إيمان إسلام، وليس كل إسلام إيماناً. وهو يزيد بالطاعة وينقص بالمعصية. ولكن المعاصي، لا تخرج مرتكبها من الإيمان إلى الكفر. ولو كانت من الكبائر.

وفي صفات الله تعالى يقولون: إن لله تعالى صفات حقيقية، أزلية، مثل العلم والقدرة والكلام والبصر والسمع، وإن الله تعالى عالم بعلم، وقادر بقدرة، ومستوٍ على عرشه، ومتكلم بكلام، والقرآن كلامه غير مخلوق. وهكذا سائر الصفات التي يجب التسليم بها، وأخذها كما وردت في الكتاب والسنة بلا كيْفٍ، ولا تحديد لطبيعتها. وكان أبو الحسن يترك تأويل هذه الصفات اتّباعاً لما هو منقول عن السلف، غير أنه في بعض كتبه أوّل يد الله تعالى بالقدرة. وجاء علماء الأشعرية بعده، فقالوا بتأويل الصفات بما يليق بجلال الله تعالى، وذلك لتقريبها إلى الأذهان فأوّلوا اليد بالقدرة، والوجه بالذات، أو الوجود.

وفسّر الأشاعرة القضاء بأنه تقدُّم علم الله تعالى بما سيكون من كسب العباد. وأما القدر، فهو صدور الأعمال، وإيجاد الأشياء بحسب مقاديرها المحدودة بالقضاء. وكل ذلك يتعلق بصفات الله تعالى في الإرادة والعلم والقدرة والعقل.

ولا وجود لأي علاقة بين القضاء والقدر، وبين مسألة الجبر والإرادة والاختيار في أفعال الإنسان. وهناك فصل تام بين قدرة الله تعالى وإرادته وقضائه وقدره وبين إرادة الإنسان واختياره أفعاله، مع تأكيد أن الله سبحانه قادر على كل شيء، وأنه هو الذي أودع في الإنسان القدرة على الفعل وهو مايعرف عند الأشاعرة «بالكسب». ويرى الأشاعرة أن الخلافة لم تثبت بالنص لأحد، وإنما هي شورى بين المسلمين. وأن أفضل الخلفاء الراشدين أسبقهم بالحكم: أبو بكر، ثم عمر، ثم عثمان، ثم علي ويرون أن ما نشأ من خلاف بين الصحابة إنما كان بتأويل واجتهاد وعلى هذا اتفق أهل السنة.

طرق البحث عند الأشعرية

اعتمد الأشعرية في البحث عن العقائد مسلكين هما:

مسلك النقل: بما ثبت في القرآن الكريم والسنة الشريفة عن صفات الله تعالى ورسله واليوم الآخر، والإقرار بالملائكة، والحساب والعقاب، والثواب والجزاء، والجنة والنار، وعلى ظواهر النصوص في الآيات الموهمة للتشبيه مع تنزيه الله تعالى عن الشبيه والنظير، وإثبات صفات الله تعالى التي أثبتها لنفسه، مع الجزم واليقين أنها ليست كصفات المخلوقين، وإن اتفقت التسمية، لقوله تعالى )لَيْس كمثلِه شيء وهو السميعُ البصيرُ( (الشورى 11)، وهذا ما يصرح به الأشاعرة في الإيمان والصفات، فهو سبحانه قد استوى على العرش كما قال: )الرَّحمن على العَرْش استوى( (طه 5)، وله وجه بلا كيْفٍ، كما قال: )ويَبْقى وجهُ ربِّك ذو الجَلال والإكرام( (الرحمن 27). وله يدان بلا كيف، كما قال: )بل يداهُ مَبْسُوطتانِ( (المائدة 64)، وله عين بلا كيف، كما قال: )تَجْري بأعيننا((القمر 14)، وأن من زعم أن أسماء الله غيره كان ضالاً، وله علم، كما قال: )أنْزَلَه بعلمه((النساء 166)، وكما قال: )وما تَحْمِلُ من أُنْثى ولا تَضع إلا بعلْمه( (فاطر 11)، وله سمع وبصر، وله قوة، كما قال: )أو لم يَرَوا أنَّ الذي خَلَقهم هو أشدُّ منهم قوةً( (فُصِّلَتْ 15)، وهو سبحانه لم يخلق شيئاً إلا وقد قال له: كن فيكون، وكلامه جلّ جلاله غير مخلوق.

وإن كثيراً من حجج الأشعرية يقوم على تفسير القرآن والحديث، لذلك ينظر إلى منهجهم في التدليل من هذه الناحية بأنه يشبه منهج السلف وأتباع الإمام أحمد بن حنبل المحافظين، وهو ما نص عليه أبو الحسن الأشعري.

مسلك العقل: اعتمدت الأشعرية على العقل، واتجهت إلى الاحتجاج بالأدلة العقلية والبراهين المنطقية، لتؤكد بها الاستدلال على ما جاء في القرآن والسنة، فاتخذت العقل خادماً لظواهر النصوص يؤيدها، وهو مسلك الإمام أبي الحسن الأشعري. ومرجع ذلك لأمور، منها:

ـ أنه نشأ معتزلياً، وتمرّس على طريقة الاستدلال العقلي منهم.

ـ وأنه اضطر من أجل الرد على المعتزلة وقطع أدلتهم وتفنيد آرائهم ومقالاتهم لاستخدام سلاحهم، وقد بسطوا آراءهم على الساحتين السياسية والعلمية.

ـ وأنه وقف في وجه معارضيه من المذاهب الأخرى للرد عليهم، وهؤلاء لا يقتنعون بالنقل والنص، بل يحتاجون إلى الأقيسة المنطقية والأدلة العقلية.

ـ شيوع المبادئ الفلسفية والعقلية والمنطقية وانتشارها في العصر العباسي، واستخدام أصحابها سلاح العقل للتشكيك وإثارة الشّبه بين الناس.

لم يكن الأشعري أول من استعان بالعقل للدفاع عن مذهب أهل السنة، وإنما سبقه إلى ذلك غيره كالحارث المحاسبي، ولكن الأشعري كان على علم وثيق بآراء المعتزلة، واستعان بالعقل وعلم الكلام بطريقة تقبّلها فريق كبير من أهل السنَّة والعلماء والفقهاء، فكان أول من استعمل طريقة المتكلمين في البحث والمناظرة والاستدلال العقلي لنصرة مذهبهم، ثم تأكد مسلك العقل ومقدماته عند الأشعرية على يد أتباعه كالباقلاني والجويني، والرد على الفلاسفة على يد الغزالي.

ويظهر مسلك الأشعري هذا في مناظراته مع أبي علي الجُبّائي وغيره من المعتزلة والقدرية والجهمية والحشوية، معتمداً على المنطق والعقل، والتعليل والنظر، مع تقديم النص على العقل، وعدم الأخذ بالاجتهاد أمام النصوص وإن كانت واردة عن طريق الآحاد، وبذلك تتفق الأشعرية مع الفقهاء والمحدثين فيما ورد فيه نصّ في القرآن والسنة.

أبرز رجال الأشعرية

استقر المذهب الأشعري في القرن الرابع الهجري واستوى على سوقه، وصنفت فيه الكتب، ونبغ فيه طائفة من العلماء، أشهرهم ثلاثة:

ـ الباقِلاّني، القاضي أبو بكر محمد بن الطيب (ت403هـ)، وكان يلقب بشيخ شيخ السُّنة، ولسان الأمة، وكان مالكياً، نقّح  بحوث الأشعري، وأيد آراءه، والتزم منهجه، وتوسع في المقدمات العقلية وصنّف «التمهيد» و«البيان» و«مناقب الأئمة» و«الانتصاف» و«كشف الأسرار» و«البيان عن الفرق بين المعجزة والكرامة».

ـ ابن فورك، أبو بكر محمد بن الحسن (ت406هـ) الأديب المتكلم الأصولي الشافعي، الذي جمع أهل السنة في الري ونَيْسابور، وله نحو مئة مصنف.

ـ الإسفراييني[ر]، الأستاذ أبو إسحاق إبراهيم بن محمد (ت 418هـ)، وكانت له مدرسة بنيسابور.

وفي القرن الخامس الهجري اشتهر كثير من أصحاب المذهب الأشعري، ومنهم عبد القاهر بن طاهر البغدادي (ت429هـ)، ومحمد بن أحمد السِّمْنَاني الحنفي (ت444هـ)، وأحمد بن الحسين أبو بكر البيهقي[ر] (ت458هـ)، والحافظ أحمد بن ثابت الخطيب البغدادي[ر] (ت463هـ)، وأبو القاسم القشيري، ومن علماء المغرب العربي أبو الوليد الباجيّ، وابن عبد البَرّ، والقاضي عياض بن محمد اليَحْصُبي[ر]، وأشهر هذه الطبقة:

ـ إمام الحرمين أبو المعالي الجويني[ر] (ت478هـ) الفقيه الأصولي المتكلم، وله في أصول الدين «الشامل» و«الإرشاد» و«لمع الأدلة» و«العقيدة النظامية».

ـ حجة الإسلام، أبو حامد الغزالي (ت505هـ)، وله عدة كتب منها «المنقذ من الضلال» و«إحياء علوم الدين» و«تهافت الفلاسفة».

وظهر في القرن السادس عدد كبير من علماء المذهب الأشعري، منهم أبو بكر محمد بن عبد الله، المعروف بابن العربي المالكي (ت543هـ)، وأبو الفتح محمد بن عبد الكريم الشهرستاني[ر] (ت548هـ)، وأبو القاسم علي بن الحسن، المعروف بابن عساكر الدمشقي[ر] (ت571هـ)، وفخر الدين الرازي[ر] (ت606هـ).

وحمل المذهب الأشعري في القرن السابع كثيرون، أشهرهم: سيف الدين الآمدي[ر] (ت631هـ)، وشيخ الإسلام العز بن عبد السلام[ر] (ت660هـ)، والشيخ أبو عمرو بن الحاجب المالكي (ت641هـ)، وشيخ الإسلام عز الدين الحصيري الحنفي من بخارى، والقاضي البيضاوي[ر] (ت685هـ).

 ومن أبرز رجال الأشعرية في القرن الثامن ابن دقيق العيد[ر]، وتقي الدين السُّبْكي[ر]، والشيخ صفي الدين الهندي، وجمال الدين الزَّمَلْكاني، وقاضي القضاة شمس الدين السروجي الحنفي، والقاضي عضد الدين الإيجي الشيرازي[ر]، وكان يعاصرهم السيد الشريف الجُرْجاني الحنفي الذي تأخرت وفاته للقرن التاسع (ت816هـ).

مكانة الأشعرية

ظهر أبو الحسن الأشعري في العراق معقل المعتزلة، فناظرهم، ونشر مذهب أهل السنة والجماعة، وبسط أقوال الفقهاء والمحدثين في العقيدة، والتف حوله سواد الأمة وعلماؤها، وغلب المذهب على بلاد العراق، ثم انتقل إلى خراسان، وانتشر بالشام على يد أبي الحسن عبد العزيز الطبري تلميذ الإمام أبي جعفر الطبري[ر] وراوية تفسيره. ونشره في الحجاز الحافظ أبو ذر الهروي، ونقله علماء المالكية إلى بلاد المغرب وسائر إفريقية، وإلى صقلية والأندلس.

وهكذا تبنّى الأشعرية معظمُ أتباع المذاهب الفقهية الأربعة، فالمالكية كلهم أشاعرة، ومعظم الشافعية، وقسم كبير من الحنفية، وكثير من الحنابلة، وسار أكثر علماء السنة والحديث على المذهب الأشعري، وصار هو المعتمد في التدريس في معظم البلاد الإسلامية. واشتد ساعد الأشاعرة جيلاً بعد جيل، واستقرت السيادة للأشاعرة من القرن الخامس حتى القرن الثامن، ثم استقر الأمر لدى علماء المسلمين بالوقوف عند أقوال الأشعري يردِّدونها ويدرسونها، ويصنفون فيها، ولم يحرصوا على عد أنفسهم منتسبين إلى الأشعري، أو أن هناك مذهباً بهذا الاسم، وإنما انتهت الأشعرية إلى أن تكون عقيدة السواد الأعظم من المسلمين.

لقي المذهب الأشعري في تاريخه معارضة متنوعة، فوقف المعتزلة في وجه أبي الحسن الأشعري حتى تغلب عليهم، وبعد وفاته بيسير استعاد المعتزلة قوتهم في عهد بني بويه سياسياً وفكرياً، فقام الإمام الباقلاني في وجههم وناضلهم بحججه، وعاد مركز أهل السنة على الطريقة الأشعرية إلى الانتشار، وفي أول عهد السلاجقة أشعل الوزير الكندري المعتزلي الحنفي الحرب على الأشاعرة في نيسابور وطاردهم وحبس علماءهم، ثم انتهت المشكلة سريعاً، وانقلب الأمر لمصلحة الأشاعرة في عهد السلطان ألب أَرْسلان السلجوقي، وعاد علماء الأشعرية إلى دعوتهم ومكانتهم السامية.

وقام ابن حزم الظاهري[ر] (456هـ) بمخالفة آراء الأشعري والتشكيك فيها، ولكن هذه المخالفة لم تلق تأييداً.

وظهرت أشد معارضة للأشعرية على يد متطرفي الحنابلة الذين وقفوا في الصف المعادي للأشعري، ولاسيما في العراق، وناصبوه العداء، وتحاملوا عليه، ونسبوا إليه آراء لم يقلها، وتمسكوا بحرفية النصوص، وحرصوا على الالتزام بالصورة المبسطة التي كانت في الحجاز، وسموا أنفسهم بالسلفية، وثارت بينهم وبين الأشاعرة وعامة العلماء خلافات فرعية، ومهاترات كلامية كانت تصل إلى فتن محلية أحياناً، حتى قام المحدث ابن عساكر فرد عليهم في كتابه «تبيين كذب المفتري فيما نسب إلى الإمام أبي الحسن الأشعري»، وانتهى الصراع الفكري بين الأشاعرة والحنابلة، ثم جدَّده الإمام ابن تيمية وتلميذه ابن القيم مدة وجيزة، ثم استقر أمره ولم يعد يجد معارضة إلا ما يثيره اليوم بعض السلفية من خلافات تاريخية، وألفاظ اصطلاحية، ونزاعات جانبية.

المصدر: الموسوعة العربية

هذا المقال لا يعبر سوى عن رأي كاتبه، ولا يعبر بالضرورة عن رأي فريق المكتبة العامة

هذا المقال لا يعبر سوى عن رأي كاتبه، ولا يعبر بالضرورة عن رأي فريق المكتبة العامة







تعليقات الفيسبوك