ماذا تعرف عن الفيلسوف “أفلوطين” ؟

ماذا تعرف عن الفيلسوف “أفلوطين” ؟ – جورج صدقني

إن معظم ما يُعرف عن حياة أفلوطين Plotin  مستقى من كتاب «حياة أفلوطين» لتلميذه فرفوريوس الصوري، ففيه أنه تتلمذ في الاسكندرية لأمونيوس ساكاس، ثم انتقل إلى رومة، حيث مارس التعليم، وأصبح معلماً ذائع الصيت يلقي دروسه على الملأ، وبلا أجر. وكانت مدرسته مفتوحة للجميع، فكان يستقبل إلى جانب أصدقائه، مسيحيين غنوصيين وغيرهم من ذوي الاتجاهات الفلسفية والدينية المغايرة لاتجاهه، وتلميذه أميليوس كان في الأصل من أتباع ليزيماكوس الرواقي. أما تلميذه فرفوريوس، الذي لم يلتحق به إلا بعد أن بلغ الثانية والثلاثين من العمر، فقد كان سورياً من مدينة صور، حمل معه إيمانه بأساطير الكهنة. ولهذا كانت دروسه تجري بطريقة المناقشة بل كانت تغرق في مناقشات عقيمة، لغياب النظام في كثير من الأحيان. وطالما لقي هذا الأسلوب الحرّ، في آن معاً، دهشة السامعين العابرين واستنكارهم، على أنه كان للمستمع أثر في إنشاء فكر المعلم من جهة أخرى.

وقد عاش أفلوطين حياةً روحيّة عميقة، على الرغم مما كان يمكن لتلاميذه من أصحاب الجاه والنفوذ أن يوفروه له من رفاهية، وكان يزدري الممارسات العملية في الدين والأخلاق، ويسعى لبلوغ حالة الوجد extase التي يخبرنا فرفوريوس أنه لم يبلغها إلا نادراً جداً (أربع مرات) في المدة التي كان فيها برفقته. توفي في مِنْتورْنو الواقعة في شمال نابولي. والمعلومات عن مكان ولادته غير يقينية ويقال إنه ولد في مصر.

عصره: كان القرن الثالث الميلادي عصراً تمزقه الأزمات الداخلية، من كل صنف ونوع: فقد قلب الاضطراب الأخلاقي والاجتماعي والفكري قيم العالم القديم رأساً على عقب، وانحدرت الثقافة على كل صعيد، وصار الدين أساس الحياة السياسية والاجتماعية والثقافية، فبرزت العبادات الشرقية في كل مكان. وشهد هذا القرن المضطرب اضمحلال تعدد الآلهة الوثني. ويعدّ هذا العصر، من جهة أخرى، عصر الشرّاح الذين انكبوا على شرح أفلاطون[ر]، كما شرح الاسكندر الأفروديسي أعمال أرسطو شرحاً مفصلاً. وأفلوطين نفسه كان من هؤلاء الشرّاح، فهو يقول في التاسوعات: «يجب أن نعتقد أن الفلاسفة القدماء.. قد اكتشفوا الحقيقة» (3، 7، 1، 13) (الرقم الأول رقم التاسوعة، والثاني المقالة، ثم أرقام الفقرات)، و«نظرياتنا ليس فيها جديد، وليست من اليوم، فقد أعلنها (الفلاسفة القدماء) قبل وقتٍ طويل، ولكن دون أن يتبسطوا فيها، ولسنا نحن إلا شرّاح هذه المذاهب القديمة» (5، 1، 9).

التاسوعات: كانت فلسفة أفلوطين في الأصل فلسفة محكية مثل سائر فلسفات العصور القديمة، ثم دونت في التاسوعات. فالتاسوعات تدوين للمناقشات الحية، التي كانت تجري في مدرسة أفلوطين، وذلك بطريقة أقرب، إلى الاختزال. وهي تتألف من أربع وخمسين مقالة متفاوتة في طولها تفاوتاً كبيراً، وموزعة على ست مجموعات، كل مجموعة منها مؤلفة من تسعة أقسام. وهذه المجموعات مرتبة ترتيباً شبه منهجي، فالمجموعة الأولى تبحث في الإنسان والأخلاق، والثانية والثالثة تبحثان في العالم المحسوس وفي العناية، والرابعة في النفس، والخامسة في العقل، والسادسة في الواحد أو الخير. ويفصح هذا الترتيب عن مضمون مذهبي لا يخفى على الناظر، قوامه الانطلاق من الذات (التاسوعة1) ومن العالم المحسوس (التاسوعتان 2 و3) للارتقاء صعداً بالتدريج إلى المبدأ المباشر للعالم، وهو النفس (4)، ثم إلى مبدأ النفس، الذي هو «العقل» (5)، وأخيراً إلى المبدأ الكلّي للأشياء طرّاً، ألا وهو الواحد أو الخير (6).

 غير أن هذا المسار المنهجي ليس إلا مساراً ظاهرياً، لأن كل تاسوعة تبحث في جميع مسائل المذهب، على الرغم من عنوانها الخاص، أو تفترض أن المذهب بكامله معروف. والحق أن فرفوريوس، تلميذ أفلوطين الوفي الأمين، هو الذي رتب المقالات، بعد وفاة معلمه، وهو الذي وضع لها العناوين. أما تسلسل كتابة المقالات زمنياً فيُعرف مما كتبه فرفوريوس عن حياة معلمه، فيبين أن أفلوطين لم يبدأ الكتابة إلا في العام 255، عندما بلغ الحادية والخمسين، وبعد مرور عشرة أعوام على ممارسته التعليم في رومة. فلما بلغ التاسعة والخمسين في عام 263، حين التحق فرفوريوس به، كان قد كتب 21 مقالة، ثم كتب ثلاثاً وعشرين بين عامي 263 و268، وفي أثناء إقامة فرفوريوس في رومة، أنشأ تسع مقالات من العام 268 حتى وفاته. فالتاسوعات، إذن، تعبير عن مذهب أفلوطين وقد بلغ نضجه.

الصدور أو الفيض: لقد انتشرت نظرية الفيض في العصور القديمة والوسطى انتشاراً لا يشبهه في عموميته إلا انتشار نظرية التطور في القرنين التاسع عشر والعشرين. وقد جعل أفلوطين من هذه المقولة جوهر تصوره لحركة الوجود في نظريته عن صدور الأقانيم. والحال أن أفلوطين ينظر إلى الحقيقة من زاويتين مختلفتين: فهو يتصور الكون، من جهة، موزعاً إلى مساكن طاهرة ومساكن دنسة ترقى النفس إليها أو تهبط، ويبدو له الكون، من جهة أخرى، سلسلةً من الصور، ترتبط كل صورةٍ منها بالصورة التي سبقتها ارتباطاً متدرجاً في المراتب، وهي موضوع للنظر العقلي. ويرى أفلوطين أن بين هذين التصورين وحدة عميقة، فهو يسعى إلى إثبات قيمة دينية للمذهب العقلي من خلال نظريته في الأقانيم أو المبادئ.

إن قوام عالم المعقولات هو الوحدة المتعددة، أو الوحدة في الكثرة، فلا بد من وضع (الواحد) المطلق الخالي من كل تمييز أو تنوع فوقها. إن التعدد (أو الكثرة) لايكون أولاً، فقبل العدد اثنين توجد الوحدة. ووحدة النظام حقيقة أعلى منه وسابقة عليه، فهو «يصدر» أو يفيض» منها. فأقنوم «الواحد» أعلى من عالم المعقول، لأنه «المبدأ» أو «الأول». ومن الناحية الأخرى يجب أن يوجد أقنوم آخر تحت عالم المعقول، فلكي يتحقق النظام في المادة، ولكي يولد العالم المحسوس، لا بدّ من وجود وسيط فاعل ومتحرك بين «العقل» والمادة، بقدر ماتكون هذه المادة جديرةً بقبوله فيها. هذا الوسيط هو النفس، أو الأقنوم الثالث.

ولكن لماذا لم يبقَ الواحد في عزلته؟ لماذا ولّد عالم المعقول، وعالم المعقول ولّد النفس؟ يجيب أفلوطين باللجوء إلى ضرب الأمثال: «ما أن يبلغ الموجود درجة كماله حتى نراه يلد، إنه لايتحمل أن يبقى في ذاته، وإنما يبدع موجوداً آخر… النار تدفئ، والثلج يبرد،… كل الأشياء، بقدر طاقتها، تحاكي المبدأ في الأبدية والخير».

حركة الوجود والنفس: الوجود، في نظر أفلوطين، حياة روحانية واحدة ومتأقنمة في ثلاث أقانيم: الواحد، والعقل، والنفس. ويبدأ تيار هذه الحياة من الواحد وينتهي في العالم المحسوس. أما النفس فلها، عند أفلوطين، مكانها الخاص في سلسلة الأقانيم، «فهي آخر العلل المعقولة: آخر العلل في العالم المعقول، وأولى العلل في العالم المحسوس، ولهذا كانت على علاقة بكليهما» (4، 6، 31). «إنها تحتل بين الموجودات مرتبة وسطى: فهي إلهيّة في جزء منها، ولوجودها في أقصى الموجودات المعقولة، وعلى تخوم الطبيعة المحسوسة، فإنها تعطيها شيئاً من ذاتها» (4، 8، 7).

أضفى أفلوطين على مذهبه طابعاً إحيائياً، فقد رأى أن لكل قوةٍ فاعلة في الطبيعة نفساً، أو ذاتُ اتصالٍ بنفس، فليس العالم وحده ذا نفس، ولا الكواكب وحدها ذوات نفوس، وإنما كل موجودٍ له نفس، فلا موجود غير ذي حياةٍ في الكون.

النفس الكلية والنفوس الجزئية: النفوس الجزئية نتيجة طبيعية وضرورية لقانون الصدور، لأن انحدار الحياة الروحانية وتلاشيها بتبعثر النفس وتشتتها في المادة يفضي إلى اتحادها بأجسام جزئية فتحييها، والجسم يحيا عندما يتلقى أثر النفس الذي هو جدير بتلقيه. النفس بلا تفكير تحركها نفس العالم نحو الجسم المهيأ لها، و«تُنقل إلى الجسم الأكثر شبهاً بها،… وعندما يؤون الأوان تنزل فيه كمن يلبي نداء النفير» (4، 3، 12، 13و 6، 7، 7). هذا هو امتداد النفس بفعل الصدور الضروري.

فالنفس الجزئية، في هذا التصور، «لم تغادر أختها النفس الكلية» (4، 3، 6)، وكل نفسٍ إما أن تكون نفساً كليّة بالفعل ونفساً جزئية بالقوة، وحينئذ تكون هي والنفس الكلية نفساً واحدة، وإما أنها «تصير نفساً جزئية، مع أنها بمعنى آخر (بالقوة) تحتفظ بكليتها» (6، 4، 16). ويتحدث أفلوطين عن النفس الجزئية بأسلوب مختلف تماماً ومن منظور آخر، فالغرور والتهور هما اللذان يجعلان النفس تلقي بنفسها في أحضان الجسم.

علم النفس الأفلوطيني: إن علم النفس الأفلوطيني هو علم تدرج مراتب الحالات الروحانية. ففي الدرجات العليا من هذه الحالات يختفي الشعور بالشخصية، ويزول الانتباه إلى الأشياء الخارجية. إن الشعور عَرَض وحالة ضعف، والمحاكمة، والذاكرة، والإحساس تحديدات للحياة الروحية. والنفس المتصلة بعالم المعقول لا تتذكر، لأنها خارج الزمان، ولا استدلال لديها، لأنه لا استدلال في ما هو أبدي. والنفس المتطهّرة التي تتخذ مكانها في عالم المعقول تفقد ذكرياتها. أما اللذة والألم فمستواهما أدنى من مستوى الذاكرة، وهو في التركيب المكوّن من النفس والجسم.

العقل أو النوس nous: كما تفيض النفس فتبث الحياة في العالم المحسوس وتنظِّمه، كذلك تقوم بحركة رجوع conversion، فتصعد مرة ثانية إلى مبدئها، وهو العقل. والعقل، عند أفلوطين، يُنظر إليه من منظورين مختلفين: فهو النظام المعقول المؤلف من علاقات ثابتة ومحدَّدة تُستخدم نموذجاً للنظام المحسوس، وهو من جهة ثانية، عقل لذاته، فيه يغيب ويختفي كل تمييزٍ بين الذات والموضوع، وتنصهر الأنا في الموجود الكلي. العقل، من الوجهة الفلسفية، مبدأ في تفسير العالم المحسوس. لكن العقل يعدّ، من جهة أخرى، درجةً من درجات الحياة الروحانية، ومرحلةً من مراحل رحلة النفس الصاعدة إلى غايتها الأخيرة.

فمن المنظور الأول يبدو العقل في فلسفة أفلوطين قبل  كل شيء مقابلاً لعالم المثل عند أفلاطون. فقد تبع أفلوطين منهج أفلاطون في جدل (ديالكتيك) الحب، فقاده هذا المنهج إلى الجمال. إن النفس في صعودها درجات الجدل (الديالكتيك) «تذهب أولاً إلى العقل، فتعرف فيه أن جميع المثل جميلة، وتحكم بأن هذا ـ أي المُثُل ـ هو الجمال» (1، 6، 9). فأفلوطين يرى أن الجمال لا ينضاف إلى الأشياء كعَرَضٍ خارجي، وإنما يؤلف فيها ماهيتها الحقيقة (1، 2). و«التطهر» الأخلاقي يقودنا إلى العقل أيضاً مثل التأمل الجمالي، وما كل فضيلةٍ إلا وجه من وجوه العقل. إن قيم العقل قيم أخلاقية كما أنها قيم جمالية.

الواحد: هو الأقنوم الأول، والمبدأ الأسمى للوجود، وهو يستقي معناه ـ مثل العقل ـ من تيارات متعارضة ومتباينة:

ـ للواحد وجه عقلي مثالي مستقى من أفلاطون، كما أن له وجهاً لا عقلانياً ذا طابع صوفي وديني. فأفلاطون يقول بمبدأ أعلى من العقل يسميه الخير أو الواحد. والعقل عنده هو الملكة التي تحدد المقاييس في الموجودات، بوضع العلاقة الثابتة المعبَّر عنها رياضياً بدلاً من العلاقات المتغيرة في العالم المحسوس. وهذا يفترض وجود وحدة قياس مطلقة متصفة بالعلوّ على الأشياء المقيسة، هذه الوحدة هي الخير. ويبرز أفلوطين قول أفلاطون في «الجمهورية»: «الخير يتجاوز الماهية» ويردده، فالماهية لايمكن أن تكون ما هي إلا بفضل الخير صانع الماهيات، الذي لا يمكن الخلط بينه وبين أية ماهية منها. ويؤسس أفلوطين على ذلك، فيثبت أن الواحد هو مقياس العلاقات الثابتة، وأن العقل لا يعي إلا لأنه يستنير بنوره. هنا لم يتعدَّ أفلوطين دوره شارحاً لأفلاطون.

 ـ وفي مكان آخر (6، 9) يأخذ أفلوطين بمبدأ الرواقيين: «كل الموجودات تستمد وجودها من الواحد» وهي تفقد الوجود «إذا فقدت وحدتها». ثم يخالفهم، فينفي أن تكون النفس مبدأ هذه الوحدة، لأنها ذات ملكات كثيرة.

ـ ويخالف أرسطو، فينفي أن الماهيّة هي قوام وحدة الموجود، لأن «الإنسان حيوان ناطق، وأشياء أخرى عديدة أيضاً. ووحدة العقل ـ الذي هو مجموع الماهيّات ـ ليست إلا ظلاّ باهتاً للواحد الحقيقي».

ـ وعند أفلوطين تصور روحاني للواحد مختلف عما سبق كل الاختلاف. فعندما يتساءل عن مصدر الكثرة (5، 1، 5) فيقول إنها بفعل الواحد، وليس هذا الفعل مادياً، وإنما هو فعل روحاني يحصل من دون أن يتحرك الواحد أو يريد، فهو يفعل فعله ويظل كما هو في سكونه الأبدي. «فالواحد، يفيض لأنه كامل، وهذا الفيض ينتج شيئاً مختلفاً عنه. وعندما يلتفت الشيء المولود نحوه يخصب، وعندما ينظر إلى ذاته يغدو عقلاً» (5، 2). هنا لايبدو الواحد موضوعاً للعقل، بقدر ماهو العلة التي تجعل للعقل موضوعات، أو هو المبدأ الأعلى للحياة الروحانية، الذي بفضله يمكن للعقل أن يتأمل موضوعاته.

ـ إن للواحد سمةً صوفية إلى جانب سمته العقلية شأنه في ذلك شأن العقل سواء بسواء. والحق أن فلسفة أفلوطين كلها تبرز هذين الوجهين: فهي، في وجهها الأول، بناء عقلي متين تترابط فيه صور الحقيقة المختلفة فيما بينها وفق قوانين ضرورية. ومن جهة أخرى يصف أفلوطين تجربة نادرة متقطعة تفوق الوصف والتعبير، هي تجربة الاتحاد بالواحد، أو تجربة الوجد الصوفية. وليست هذه التجربة الصوفية بالقطع انطباعاً مؤقتاً عابراً عند أفلوطين، وإنما هي من صلب مذهبه، لأنه لا وجود عنده للمعرفة العقلية من دون الحياة الروحانية. والنفس لا تعرف العقل إلا بالاتحاد به. والحقائق الحقة عنده ليست موضوعات جامدةً من موضوعات المعرفة، وإنما هي مواقف ذاتية روحانية. فما التجربة الصوفية عند أفلوطين؟ هنا أيضاً ينطلق أفلوطين من حيث بدأ أفلاطون، فيقول بوجود سبيلين لبلوغ الخير: سبيل المعرفة العقلية بتدرج مراتب الموجودات الصاعد، وسبيل التطهر (6، 7، 36)، وذلك على غرار كلام أفلاطون عن طريقين للصعود إلى المبدأ: طريق الديالكتيك العقلي القائم على الاستقراء، وطريق ديالكتيك الحب، حيث يتملك النفس جنونُ الرغبة، فتصل إلى حدسٍ مفاجئ بالجمال يفوق الوصف. إن الوجه الصوفي للخير عند أفلوطين هو الوجه الذي يقود إليه ديالكتيك الحب عند أفلاطون. والحق أن الحب eros الأفلاطوني له دور مهم في التاسوعات: «خير المادة، إنما هو الصورة، ولو أن المادة تحسّ، لأحبّت الصورة… إن الرغبة التي يشعر بها كل موجود… تشهد بأن هناك خيراً لكل موجود..» (6، 7، 25، 26). و«يوجد تدرّج صاعد على نحو يجعل كل حقيقةٍ هي خير الحقيقة الأدنى منها.. فخير المادة، إنما هو الصورة… وخير الجسم هو النفس. وخير النفس هو الفضيلة. وأعلى منها أيضاً العقل، وفوقه الطبيعة التي نسميها الأول» (6، 7، 25). فكل صورةٍ لا يمكن أن تصل إلى كمالها إلا بفضل رابطة الحب التي تربطها بموجودٍ أعلى منها.

ـ والوجد حالة نادرة من الحب النقي يصفها أفلوطين بدقة (6، 7، 34)، وعندما يسأله أحد المعترضين: «كيف نكون في الجمال إذا كنا لا نراه؟ يجيب أفلوطين: إننا لانكون في الجمال مادمنا نراه شيئاً مختلفاً عنا، إننا لانكون في الجمال إلا عندما نصير الجمال ذاته» (5، 8، 11). فالوجد لا يعدو أنه يكشف لنا عن ذواتنا. ويقوم الإعداد لحالة الوجد على «الانصراف عن الأشياء الحاضرة» وتعرية النفس من جميع صورها، حتى لا تعرف لا خيراً ولا شراً. حينئذ يمكن إذا شاء حسن المصادفة والحظ، أن يحصل ما يسميه علماء النفس اليوم «الشعور بالحضور» أو «الحضرة» على غير انتظار أو توقع، وعلى نحو مفاجئ لا شأن للإرادة فيه.

الأفلاطونية الجديدة (المحدثة)

يطلق اسم الأفلاطونية الجديدة على تيار فلسفي جديد ظهر في القرن الأول قبل الميلاد، وفي القرنين الأول والثاني بعد الميلاد، اهتم بتجديد الفلسفة الأفلاطونية. ولعل فيلون الاسكندري أقدم ممثلي هذا التيار. فلما جاء أفلوطين بزّ جميع سابقيه من ممثلي الأفلاطونية الجديدة، وأصبح علمها الأبرز، إذ صار لها معنى آخر شاع في أذهان كثيرة، فصارت الأفلاطونية الجديدة تعني عندهم فلسفة أفلوطين بالذات، أو على الأقل المدرسة الفلسفية التي أسسها أفلوطين. وقد انتشرت الأفلاطونية المحدثة في البداية في القسم الشرقي من الامبراطورية الرومانية، وتحديداً في شمالي سورية اليوم: في أفامية وأنطاكية حيث درّس جامبليق Jambelique الذي دمج ميتافيزيقية أفلوطين بالممارسات السحرية التي سادت الشرق الهلّيني. وقدمت هذه التركيبة قاعدة مذهبية للامبراطور جوليان المرتد Apostat من أجل تجديد الأديان الوثنية التي حاول نصرتها أيام حكمه (361- 363). وفي بداية القرن الخامس الميلادي تفرع عن هذه المدرسة السورية فرعان: مدرسة برغام Pergam التي تخلت عن العقلانية اليونانية القديمة تماماً، ومدرسة أثينة التي توصلت إلى الانغراس فوق الأصل القديم للأكاديمية (أفلاطون)، كما ظهر في المرحلة نفسها فرع في الاسكندرية نشط حتى بعد إغلاق جوستنيان لمدرسة أثينة. وقد ورث العرب في بدايات القرن السابع الميلادي كل التراث الأفلاطوني المحدث.

السمة الأساسية في الأفلاطونية الجديدة: إن السمة الأساسية في هذه الفلسفة، أو القاسم المشترك بين أتباعها، هو الانصراف إلى نصوص أفلاطون والعكوف على دراستها وشرحها. على أن العناية بدراسة فلسفة أفلاطون وشرحها لايكفي لتصنيف فيلسوفٍ من الفلاسفة بين أتباع هذه المدرسة. فلا بد للفيلسوف، لكي يكون من الأفلاطونيين الجدد، بالمعنى الضيق للكلمة، من فهم أفلاطون من زاوية معينة، فيقول بمبدأ «فائق الوصف» ineffable أو الواحد، أو الخير ينبوعاً للصدور الكلي، وأن يسلّم بوجود نوع من التوافق الصوفي مع هذا المبدأ الكلي في أصل كل تفكير. وبهذا يخرج من دائرة الأفلاطونية الجديدة كثيرون من الفلاسفة الذين نسبوا إليها، وفي طليعتهم القديس أوغسطين[ر]، الذي كان للأفلاطونية الجديدة أثر عميق في فلسفته، ولكن من موقع الخصومة.

وقد تُفهم الأفلاطونية الجديدة بمعنى أضيق أيضاً: فهي التي عكفت على دراسة نصّ معيّن بالذات من نصوص أفلاطون، وانكبت على استجلاء الحوار الوارد فيه والتبسط في شرحه، وهذا النص الأفلاطوني هو نص محاورة (بارمنيدس). ويقال في هذا ا لمجال إن الأفلاطونية الجديدة انطلقت من التاسوعة الخامسة (1 ، 8)، التي شرح فيها أفلوطين هذا النص شرحاً اعتقد أنه وضع يده به على سرّ الأفلاطونية برمّته.

غير أن الأفلاطونية الجديدة، في الواقع، لم تقتصر على هذا النص وحده من نصوص أفلاطون، بل استقت من نصوصه كلها. إنها لم تحصر نفسها في إطار أعمال أفلاطون، بل أخذت بعض مواقف أرسطو، واستمدت من الرواقيين بعض موضوعاتهم، كما أنها خضعت لتأثير الأساطير الدينية الشرقية. وإذا كان هذا كله صحيحاً، فصحيح أيضاً أن الأفلاطونيين الجدد يستخدمون أسلوب الحوار في نصّ (بارمنيدس)، وهو حوار يقوم على أساس وضع فرضية واستقصاء النتائج الواجبة عن إثباتها أو نفيها. والفرضية الأصلية في (بارمنيدس) هي وحدة الوجود. أما الأفلاطونيون الجدد فقد قسموها إلى ثمانية فروع أو تسعة، لأجل النظر فيها من مختلف الجوانب. ونكتفي فيما يلي بالفرضيات الخمس الأولى، لأن الباقية ليست إلا تنويعات في عملية النفي أو السلب.

ـ إذا حاولنا إثبات الوحدة الخالصة، فإن هذا الإثبات يلغيها، لأننا لا نستطيع أن نعقل إلا علاقات، وبالتالي ثنائيات، وإذا زعمنا تحقيق المطلق، فإننا نحذفه بما هو مطلق، لأنه لا معنى للمطلق إلا بالقياس إلى النسبي، الذي هو نفيه. فلا بدّ بعد استبعاد الإثبات، نظراً لاستحالته، أن ننفي النفي نفسه، فندخل في مجال «فائق الوصف»، وبعملية قلبٍ هي من سمات الأفلاطونية الجديدة، يصير الواحد هو اللاوجود بالذات. هذه هي الفرضية الأولى.

ـ يكفينا الآن أن نجمع حالات النفي الخاصة بهذه الفرضية، فنقلبها إثباتاً. إن الواحد المجرد ينفي بكمال تجرده جميع شروط الإثبات التي تحوي في داخلها شيئاً من الكثرة. فلنحملها على الواحد المؤتلف مع الكثرة، أو الواحد الكثير، أي على الكل. وهذه هي الفرضية الثانية التي يظهر فيها الواحد «كلاًّ».

ـ ومن ثم وضعت الواحد الخالص، وضعت الكل بنفيه، وإذا وضعت الكل، وضعت الواحد ضمناً برفضه. وهذه هي النقيضة antinomie الأساسية في العقل. فالعقل لايستطيع الهروب من هذه النقيضة، ولا الاطمئنان إلى أحد طرفيها. وهو، لاضطراره إلى الحفاظ على الطرفين متناقضين، يكتشف في داخله نقطة وسطاً تجعله حاضراً في هذا التذبذب الدائم وتقرّبه من «فائق الوصف». وهذه هي الفرضية الثالثة.

ـ إن ديالكتيك الوحدة هذا يتضمن ثلاث مراحل: الواحد الخالص، أو اللاشيء. والعالم المعقول، أو الكل. والنفس، أو اللاشيء والكل، والتي ليست أيضاً اللاشيء ولا الكل. يبقى أن نكتشف نظاماً لا يقتصر الكثير فيه على الائتلاف مع الواحد، وإنما يكون الكثير هو الغالب فيه، فلا يكون لدينا نظام مترابط ترابطاً واضحاً، وإنما تنظيم غامض، هو نظام الكل التجريبي الذي يؤلف موضوع الفرضية الرابعة.

ـ فإذا سحبنا من هذا التنظيم ما بقي فيه من تعيينات بنفي السلب والحرمان، لانفي الفيض والوفرة. وصلنا إلى الكثير الخالص، أو المادة، وهي لاتُعقَل كمثل الواحد الخالص، ولكن لعلّةٍ معكوسة، هي النقص لا الإفراط، وهذه هي الفرضية الخامسة.

أعلام الأفلاطونية الجديدة: الأفلاطونيون الجدد كثيرون، أبرزهم على الإطلاق أفلوطين نفسه. أما أشهرهم بعد أفلوطين فهم:

1ـ فرفوريوس الصوري (233- 305م)، أمين سر أفلوطين المخلص الوفي، الذي كتب «حياة أفلوطين» ورتّب كتاباته في التاسوعات. وفرفوريوس شخصية معقدة، لقي عناء كبيراً في التوفيق بين وفائه لمعلمه أفلوطين، وبين إعجابه بأرسطو، وإيمانه الديني بالوحي للكهنة. ضاعت معظم آثاره الفلسفية. وإليه ترجع، على الأرجح، جذور ماأطلق عليه، على نحو غير ملائم، اسم «الأفلاطونية الجديدة اللاتينية».

 2 ـ يامبليكوس (جامبليق) (المتوفى نحو 330م)، وهو تلميذ فرفوريوس. كان من الفيثاغوريين الجدد، ومن أشد أنصار الوثنية في مرحلة أفولها. ثار على ما اعتقد أنه «مذهب عقلي» عند أفلوطين، وأدخل في الأفلاطونية الجديدة فكرة تسويغ طقوس الشعوذة الدينية.

3ـ أبرقلس (412- 485م)، كان تلميذاً لسوريانوس في أثينة، وهو الأكثر منهجية بين الأفلاطونيين الجدد.

 4 ـ داماسيوس (المولود نحو 485م)، وهو آخر معلم في مدرسة أثينة، تميّز بحسّه النقدي، وثاقب نظره، ونفاذ بصيرته. قيل عنه إنه قوّض الأفلاطونية الجديدة بالأسئلة التي أمطر بها أسلافه من الأفلاطونيين الجدد، والصحيح أنه أكمل طرح مشكلاتها.

مصير الأفلاطونية الجديدة: انصرم حبل الأفلاطونية الجديدة بعد داماسيوس، وظلّ كذلك حتى جاء جان سكوت الأريجاني في القرن التاسع. أما العصور التالية فلم تعرف من الأفلاطونية الجديدة إلا لمحات ضئيلة، مثل تلك التي ظهرت مع الصوفيين الألمان في القرن الرابع عشر، ومع المذهب الإنساني في عصر النهضة في القرن الخامس عشر، إلى أن أطل القرن العشرون، فكان الفيلسوف الفرنسي برغسون في طليعة من بعثوا الحياة في الأفلاطونية الجديدة، ونفخوا فيها روحاً قوية بتكريس دروسه في «كوليج دوفرانس» لأفلوطين بالذات، فضلاً عن أن مذهب برغسون في «الاندفاعة الحيوية» ليس بعيداً أبداً عن التأثير بمذهب أفلوطين.

أثر أفلوطين والأفلاطونية الجديدة عند العرب: لاريب في أنه كان لأفلوطين أثر عظيم لدى العرب، وكذلك للأفلاطونية الجديدة. ويصعب حصر هذا الأثر وتتبعه بالتفصيل، وإن كان العكس أيسر، أي دراسة التأثر لا التأثير. وبوجه عام فقد كان هذا الأثر على أصعدة ثلاثة: صعيد الفلسفة، وصعيد التصوف، وصعيد العقائد الدينية. أما على صعيد الفلسفة فيكتفى لبيانه بإيراد هذا النص لابن سينا عن «صدور» الأشياء عن واجب الوجود: «وإنما يعقل وجود الكل عنه على أنه هو مبدؤه، وليس في ذاته مانع أو كاره لصدور الكل عنه، وذاته عالمة بأن كماله وعلوّه بحيث يفيض عنه الخير، وأن ذلك من لوازم جلالته المعشوقة له لذاته…. (وهو) راضٍ بما يكون عنه، فالأول راضٍ بفيضان الكل عنه» (ابن سينا، النجاة 274). إذ يظهر التطابق يكاد يكون تاماً بين فلسفة ابن سينا وفلسفة أفلوطين في الصدور، حتى في اللغة والحدود.

وإذا كان الجانب العقلي اليوناني، إذا صح التعبير، هو الذي برز من فلسفة أفلوطين في الفلسفة العربية، فإن جانب الحياة الروحانية والاتحاد بالواحد والحب، قد برز واضحة جلية في التصوف الإسلامي، والاتحاد بالله، والعشق الإلهي وغير ذلك. ولم يقف الأمر عند هذا الحد، وإنما كان لأفلوطين والأفلاطونية الجديدة أثرهما الذي لا ينكر في الكثير من عقائد الفرق الدينية الإسلامية. وإضافة إلى مشكلة كتاب «الربوبية» المنحول لأرسطو والذي ليس سوى مقاطع من كتاب «التاسوعات» لأفلوطين (والذي قام الفارابي على أساسه بالتوفيق بين أفلاطون وأرسطو)، فإن أتباع أفلوطين وخاصة أبرقلس قد أثروا في الفكر العربي الإسلامي تأثيراً واضحاً عن طريق ترجمات مؤلفاتهم المبكرة التي نشرها عبد الرحمن بدوي.

وفي نهاية المطاف يجب ألا تفوتنا الإشارة إلى أن الفيلسوف العربي المعاصر زكي الأرسوزي (1900- 1969) كان متأثراً بأفلوطين إلى حد كبير.

المصدر: الموسوعة العربية

هذا المقال لا يعبر سوى عن رأي كاتبه، ولا يعبر بالضرورة عن رأي فريق المكتبة العامة

هذا المقال لا يعبر سوى عن رأي كاتبه، ولا يعبر بالضرورة عن رأي فريق المكتبة العامة




-->

تعليقات الفيسبوك