منوعات وطرائف

عن فشل الأيض أو كيف يتكون «الكرش» ؟!

سواء سمعت هذه النصيحة للمرة الأولى مني أو كنت قد سمعتها من قبل؛ فإن قرارك بترك/ تقليص السكر وما يحتوي عليه، والدقيق الأبيض وما يُصنع منه في حميتك، سيساهم مساهمةً واضحةً وملموسةً في خفض محيط خصرك وحرق الدهون المتراكمة فوق جدار بطنك؛ يحب الكثيرون هذه النصيحة، ويتحمسون بعدها لقطع السكر، وغالبًا ما يجدون أثرها في وقت قليل، لكن دعني أسألك الآن: إن كان ترك السكر يؤثر على اختفاء دهون بطنك بهذه الفاعلية، فهل من المنطقي أن يكون هو المتسبب أصلًا في تكونها؟ ربما، وربما أيضًا أن الأمر أخطر من مجرد كتلة دهون ذات شكل مزعج، تتجمع حول بطنك.

مسرحية من خمسة مشاهد

الممثلون: نحن، جلوكوز، إنسولين، خلية، بنكرياس

المشهد الأول:

يقوم الممثل الثانوي «نحن»، بتناول طعام يحتوي على سكر مرتفع، يتحلل هذا الطعام داخل جهازنا الهضمي إلى أبسط صورة يفهمها جسمنا، هذه الصورة هي الأستاذ «جلوكوز»، هذا السيد هو بطل المسرحية الأول فهو المسئول عن إمداد كل خلية من خلايا أجسامنا بالطاقة، ينساب الأستاذ «جلوكوز» بغزارة في الدم باحثًا عن هدفه المسمى السيدة «خلية»، إن هذا السيد النبيل يبحث عنها ليمدها بالطاقة التي تحتاجها لتجعلنا نتحرك ونمشي ونلعب ونضحك، بمجرد أن يصل الجلوكوز إلى الخلية يفاجأ بأنها عزيزة النفس قليلًا ولا تقبل دخوله لها بدون استئذان وطقوس خاصة، هنا يقوم باستدعاء البطل الثاني وهو الأستاذ «إنسولين»، والذي يقوم بكل تهذيب بطرق باب الخلية ثم وضع مفتاحه الخاص، الذي يمهد لفتح منافذ خاصة تسمح للجلوكوز بالدخول إلى الخلية وإمدادها بالطاقة، هذا المشهد يحدث في بلايين الخلايا التي تملأ جسدنا، يحدث يوميًا وبلا توقف.

المشهد الثاني:

عندما تكتفي السيدة خلية من الجلوكوز التي تحتاجه، فإن الجلوكوز الفائض عن الحاجة لا يمكن أن يبقى هكذا في مجرى الدم، لذا يقوم الإنسولين بتوفير مكان لائق لإقامته، فيقوم بتخزينه في الكبد والعضلات، وبما أن الممثل الثانوي المستهتر «نحن» قد تناولنا كمية هائلة من السكر فما زالت نسبة الجلوكوز في دمنا مرتفعة، وبما أن جميع المخازن ممتلئة، لذا يقوم الإنسولين بتخزين الجلوكوز في شكل لا نحبه، يخزنه على شكل دهون؛ لنستمد منها الطاقة عند الحاجة، لكننا للأسف لا نستخدم هذه الدهون، لأننا لا نتوقف عن تناولنا المفرط للسكريات، يتحول جسمنا مع الوقت إلى جهاز تخزين دهون ممتاز، ورغم ما يبدو عليه الإنسولين من تهذيب وتحضر، إلا أنه يمتلك عادة سيئة للأسف، إنه يخزن الدهون في المكان الذي يهواه.. وأكثر مكان يهواه هو «البطن»، ولذا يفاجأ الممثل الثانوي «نحن» أننا أصبحنا نمتلك كرشًا بارزًا بالإضافة إلى أماكن تخزين الدهون الأخرى.

المشهد الثالث:

إن الممثل الثانوي «نحن» غير المقدرين لمجهودات هؤلاء السادة، أبطال المسرحية، ما زلنا مستمرين في تناول السكر بغزارة، والمشهد الأول والثاني ما زال كذلك يتكرر بغزارة، لقد أصبحت أجسادنا مليئة بالدهون، وأصبحت ميالة، بسبب التدفق المستمر للإنسولين، إلى الاحتفاظ بالدهون بدلًا من حرقها، لقد أصبحت خصورنا متهدلة ومستمرة في التمدد، بعد فترة تتجه الأحداث لتكون أكثر درامية! إن السيدة خلية «وهي عزيزة النفس كما أسلفت» تبدأ في التذمر من كل هذا الصداع وطرق الباب المتكرر الذي يقوم به السيد إنسولين؛ لذا فإنها وفي لحظة غضب ما تقوم بقفل الباب بعنف، وتغيير القفل! عندها يعجز بطلنا الإنسولين عن فتح الباب ويتعرض لإهانة لا أظن أن أحدنا يحبها، لقد أهانته السيدة خلية ورفضته، لقد أصبحت مقاومة له.

المشهد الرابع:

بصفته أحد الأبطال الأساسين في هذه المسرحية يقوم الإنسولين بصراخ درامي بعد هذه الإهانة، لكن الخلية عنيدة تأبي أن تسمعه، والأستاذ «جلوكوز» – كبطل أول – ما زال منتظرًا الإذن بالدخول، هنا يلجأ الإنسولين إلى والده الموقر الأستاذ «بنكرياس» ليساعده في هذا الموقف المحرج، لا يتردد البنكرياس في حفظ ماء وجه ولده العزيز «إنسولين»، لذا يقوم ببساطة بإفراز المزيد من جنود الإنسولين كنوع من الدعم، وعندها تصبح دماءنا مليئة بالإنسولين!

المشهد الأخير:

قد ترضخ الخلية أمام هذا الهجوم من دفعات الإنسولين الغزيرة، وقد لا تفعل! وعندما تظل الخلايا عنيدة ورافضة، يُعلَن العصيان العام في الجسد وتنتصر المقاومة، وإن كان ما سبق في المشاهد السابقة، هو فشل جزئي لعملية الأيض «التمثيل الغذائي»، فإن هذا العصيان يعني الفشل التام، عندها يخبرنا الأطباء أن أجسادنا التي ترهلت وامتلأت بالدهون قد أصبحت مقاومة للإنسولين، أو بمعنى آخر: أصبحنا مصابين بمرض «السكري» من النوع الثاني.

انتهت المسرحية. «1» «2»

الهرمون الذي يجعلنا بدناء

وإن كانت مسرحية «مقاومة الإنسولين» قد انتهت نهاية مأساوية، فإن هناك مسرحيات أخرى طويلة المشاهد تحدث بالتزامن مع هذه المسرحية أو كنتيجة لها؛ فمقاومة الإنسولين تزيد أيضًا من إنتاج الدهون الثلاثية «دهون الجسم العنيدة الضخمة» وتقلل الكوليسترول الجيد، والذي بدوره يرفع ضغط الدم ويدمر طاقتنا، ويجعلنا نشعر بالإعياء، عندما اتضحت مؤخرًا وظائف الإنسولين المتعددة في أجسادنا، لم يعد يُنظر له على أنه مجرد هرمون منظم لسكر الدم، بل له العديد من الوظائف، والخبر السيئ أن زيادة نسبة الإنسولين في دماءنا بهذا الشكل، يؤدي إلى عدة نتائج خطرة مثل تحويل سكر الدم إلى جلسرول، الذي يتجمع مكونًا الدهون الثلاثية التي سبق وذكرتها تضر قلوبنا، كما يقوم بإرسال إشارات لخلايا الكبد بتحويل الأحماض الدهنية إلى دهون ثلاثية أيضًا يتم تخزينها في الأنسجة الدهنية، كذلك يقوم بتكوين خلايا دهنية جديدة، حين تمتلأ خلايانا الدهنية الموجودة بالفعل. هناك كاتب أمريكي حائز على جائزة العلوم يدعى «جاري توبس» أجاب عن سؤال: «لماذا نصبح بدناء؟» بإجابة مختصرة فقال: «لأننا نأكل السكر.» «3»

عن خطورة أن تشبه التفاحة!

حين يستمر الإنسولين في تخزين الدهون في أجسادنا، وخاصة حول خط الوسط، تصبح أشكالنا شبيهة بالتفاحة «حيث الدهون متركزة أعلى الوسط على عكس شكل الكمثرى مثلًا»، وتظل أجسادنا كذلك مع نمط حياتنا الذي يقوم «وللأسف الشديد» بالحفاظ على تلك الدهون وتنميتها، بالخمول وضعف النشاط البدني والإفراط في الطعام.

هذه الدهون التي تتجمع حول خط الوسط، هي أخطر دهون قد تمتلكها، أخطر من أي دهون أخرى موجودة في جسدك، لأن هذا الجزء الظاهر من دهون بطنك والتي تستطيع مثلًا الإمساك به بيديك، ليس هو المكون الكلي للكرش، إنه مجرد دهون سطحية مثله مثل الدهون التي تتراكم حول أردافك أو ذراعيك! المؤسف أن هناك كمية أخرى تتراكم في تجويف بطنك الداخلي، حول الكبد والأمعاء والمعدة والبنكرياس، هذه الدهون هي الدهون الحشوية أو الدهون العميقة.

Visceral Fat:

هذه الدهون العميقة هي دهون شرسة شريرة لا تكف عن إفراز مواد كيميائية ترفع من نسبة الدهون الثلاثية في الجسم، وتؤدي إلى تشحم الكبد، وانسداد الشرايين، ورفع ضغط الدم، لقد تم الربط طبيًّا بين زيادة الدهون الحشوية في منطقة البطن وبين الإصابة بالسكري من النوع الثاني، وأمراض القلب، والذبحة الصدرية، وسرطان الثدي، والألزهايمر. «4» «5»

هل السكر هو المتهم الوحيد؟

لا شك أن السكر هو الفاعل الأخطر والأشد ضراوة في هذه القصة، لا أنكر وجود مؤثرات أخرى، كالخمول وضعف النشاط البدني، لكني هنا أنبهك على عامل شرير، لا نلتفت لخطورته، بل نحبه وندمنه، كما أسلفت في الجزء الأول، إن جميع التوصيات التي تدور حول العلاج والوقاية من هذه المتلازمة الأيضية الشرسة، تدور حول فقد الوزن الزائد، وانتهاج نمط تغذية صحي، وممارسة الرياضة، ولا يخفى ما لتجنب أو تقليص السكر من تأثير قوي على خسارة الوزن، وتعديل نمط التغذية، وهجر النمط الإدماني المدمر، إن أولوياتنا الغذائية معكوسة من فترة طويلة، حين برأت السكر من هذه الدور الخطر واتهمت به الدهون التي نتناولها على سبيل المثال، بينما الواقع يقول أن العكس هو الحاصل؛ تقول «ميلندا موير»:

«بينما قلل الأمريكيون بإخلاص نسبة السعرات الحرارية اليومية من الدهون المشبعة منذ 1970، فإن معدل البدانة أثناء تلك الفترة ارتفع إلى الضعف، وتضاعف داء السكري ثلاث مرات، واستمرت أمراض القلب في كونها القاتل الأكبر في البلاد».

وإذا قارنت هذا بقول د. روبرت لستيج أخصائي الغدد الصماء للأطفال فستعرف السر؛ حين يقول:

«إن إمداداتنا الغذائية الحالية متخمة للغاية بالفركتوز، أي السكر المضاف، السكر الذي وضع هنا تحديدًا لأغراض خاصة بصناعة الطعام، من أجل طعمه المستساغ، ومن أجل زيادة فترة الحفظ على الأرفف، هذا السكر قد كون الآن مادة سمية؛ بشكل أساسي تأثير جانبي سام في الكبد لدينا، مؤديًا إلى كل تلك الأمراض الأيضية المزمنة». «6»

في الجزء القادم أحدثكم بإذن الله عن مهارات تحسين حساسية خلايانا للإنسولين، بمعنى آخر: كيف نمتلك أيضًا فائقـًا يقلل محيط خصرنا ويجعلنا نخسر بعض الوزن، سأحدثكم عن الجوائز التي سنجنيها من هجر السكر؛ نعم، فالمكسب فقط لا يتوقف عند الوقاية من المرض أو التخلص من دهون البطن المزعجة، إن المنافع أكثر من ذلك بكثير، وكلها تغريك بقرار واحد ستأخذه يومًا ما عن طيب خاطر: اقطع السكر.

المصدر: ساسة بوست

Public library

موقع المكتبة العامة يهتم بنشر مقالات وكتب في كافة فروع المعرفة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى