الثقة والغرور المرضي .. وجهان لعملة واحدة

الثقة والغرور المرضي .. وجهان لعملة واحدة – بقلم: الصيدلي إبراهيم علي أبورمان/وزارة الصحة

الأخلاق الإنسانية كريمة كانت أو ذميمة، هي انعكاسات النفس على صاحبها فهي تشرق وتظلم، تبعاً لطيبة النفس أو خبثها، استقامتها أو انحرافها، وما من خلق ذميم إلا وله سبب من أسباب لؤم النفس أو انحرافها، ومن أسوأ الصفات الإنسانية الغرور والكبر وهما صفتان تؤثران سلباً على الفرد نفسه وعلاقاته بالآخرين.

سلوك الفرد وانعكاسه على تصرفاته ومعاملاته مع المحيطين به، لا يأتي من فراغ، وإنما هو نتيجة ما تراكم عنده على مر مراحل حياته، منذ ولادته إلى حين مماته، أفعال تظهر سلوكيات قد تتغير أو تزيد حدتها حسب البيئة التي ينشأ فيها الشخص، وحسب المؤثرات التي يخضع لها، ولاستئصال هذه السلوكيات السلبية وتحفيز الإيجابي منها تسن الدورات والتدريبات لتخليص النفس من شوائبها.

الثقة بالنفس من صفات الشخصية الناجحة الا انه عندما لا يكون في مجاله الصحيح يكون علامة على سلوك اجتماعي غير مرغوب به من قبل الاخرين ولفت انتباه الاخرين الى شخصه الكريم من خلال التفنن في بعض الحركات لاظهار مدى الثقة في النفس فيكون الشخص في هذه الحاله بمثابة الطبل الاجوف او كما يقول الشاعر

تَوَاضَعْ تَكُنْ كالنجم لاح لِناظِرٍ على صفحات الماءِ وهْوَ رفيعُ
ولا تَكُ كالدُّخَان يَعْلو بنفسه إلى طبقات الجوِّ وهْو وضيعُ

مواقف كثيرة تواجهُنا في حياتنا تضعنا امام اشخاص مع شخصيات ذات سلوكيات مُتشابهة ونحتار فيها .

طريقة التعامل مع هذه الشخصيات تختلف فقد يستفزُّنا هدوء البعض؛ فنَصِفُه بالبرودة والبلادة!

وقد يستفزُّنا ذكاءُ البعض؛ فنَصِفُه بالاحتيال والقدرة على التغرير!

وقد تستفزُّنا قوة شخصية البعض؛ فنصفه بالتعالي والاستكبار!

كيف يمكن رؤية الخط الفاصل بين مفاهيم تقاربتْ ظاهريًّا في طريقة التعبير عنها وكيف نستطيع أن نميِّز بين المضمون والفكرة والدوافع لكل مفهومين متشابهين؟

الكثير منا يختلط عليهم مفهوم الثقة بالنفس والاعتداد بها، ويسيئون تقدير بعض نتائجها؛ فينعتون صاحبَها بالغرور. بينما البعض الاخر يجد أن الثقة بالنفس والغرور هما وجهان لعملة واحدة، فقد يَدَّعي أحدهم أنه واثق من نفسه يمشي ملكًا، بينما هو في الحقيقة مُتعجرِفٌ مُتوهِّمٌ مُتعالٍ!

فما هي الأدوات التي تُعينُنا على رؤية الحد الفاصل بين الثقة والغرور؟

بداية يجب ان نطرح عدة أسئلة؛ لنصل إلى تعريف واضحٍ وصريح لكلا المفهومين الثقة وفي النفس والغرور المرضي.

– هل يعتبر عيبًا في الشخص أنه يدرك مؤهلاته وقدراته، ويتكلَّمُ بناءً على خبرته ونسنذكر هنا قول
عمر بن عبد العزيز – رحمه الله – حيث قال القرطبي في تفسيره “بلغ عمر بن عبد العزيز أن ابنه اشترى خاتما بألف درهم فكتب إليه: إنه بلغني أنك اشتريت خاتما بألف درهم، فبعه وأطعم منه ألف جائع، واشتر خاتما من حديد بدرهم، واكتب عليه ” رحم الله امرأ عرف قدر نفسه “.
– هل هو عيب للإنسان أن يرى موقعَه بين الناس، ويسعى ليكون الأفضل؟

– هل هو مرضٌ نفسي أن يعرف الواحد منا نقاطَ قوته وحسناته؟

• وهل هو طعن في الشخصية أن يكونَ أحدنا ثابتًا على رأيه، متمسِّكًا به، مبديًا عدم قناعته بالرأي الآخر؟

الغرور هو نقيض التواضع وكلمة ينفر الناس منها، وهو مرض من أمراض القلب المعنوية التي لا تؤلم المريض فحسب، ولكنها تزعج من حوله أيضا. ويضيف «الغرور لا يعني الثقة بالنفس، بل الشعور بالنقص بداخل الشخص المغرور الذي يريد أن يخفيه عن الناس في ثوب التكبر والغرور

لغرور المرضي مرادف للثقة بالنفس إذا زادت عن حدِّها، فليس عيبًا أن يُدرِكَ الشخص مؤهلاتِه وقدراته، (ويبني رأيه بحسب خبرته)، إنما العيب أن يعتقد (بوحدانيَّتِه وأفضليَّتِه)؛ فيظن نفسه أنه الوحيد المُؤهَّل، والوحيد القادر، والوحيد الخبير!

وليس قدحًا في الإنسان أن يرى موقعَه بين الناس، ويسعى ليكون من بين الأحسنِ، بشرط ألا يُقلِّل من جهود مَن حوله، ويعترف بوجودهم وإنجازاتهم، ويعتقد بالتكامل معهم جميعًا، حتى وإن كانوا من المنافسين.

ولا يُعدُّ مرضًا نفسيًّا أن يعرفَ الواحد منا نقاطَ قوته، وحسناته، وصفاته الجميلة، على أن يمتلك الجرأة النفسية ليعترفَ بعيوبه أيضًا، وينتقد نفسه ويُقيِّمُها وَفْقَ رؤية واضحة، ومعايير منطقية، وأن يسمح للآخرين بانتقاده بتجرُّد لا يُقصَدُ منه التجريد من الخِلال الحسنة، وأن يقتنع بأنه بحاجة إلى الانتقاد للتسديد والتطوير.

بينما الثقة بالنفس هي القيام بالعمل والوثوق بنجاحه، بعد أنيكون التفكير مبنيا على اسس سليمة يُفكِّر هذا الواثق منطقيًّا بما يستطيعه، وما لا يستطيعه، على عكس المغرور الذي يَنظرُ إلى كلِّ شيء على أنه تافهٌ وهيِّنٌ، وأنه مهما قدَّم من آراء فهو المصيب دائمًا، والحق إلى جانبه دومًا!

الثقةُ بالنفس هي المعرفة بالعلم، والمعرفة بالجهل، وهي الاعتداد بالذات مع الاعتراف بذوات الآخرين، وعدم انتقاصهم، وعدم التقليل من شأنهم.

الثقة بالنفس هي تقدير الإمكانات الموجودة حقيقةً بعدَ التوكُّل على الله، وردِّ الفضل إليه؛ إنها ثقة مطلوبة شرعًا، بخلاف الغرور المذموم شرعًا وخلقًا؛ لأنه شعور بالعظمة، وتوهُّمٌ للكمال، وتخبُّطٌ في تقدير الإمكانات الموجودة.

الغرور المرضي مرتب بالكبر مفهومُه واضح في حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((هو بَطَرُ الحق، وغَمْطُ الناس))؛ أي: إنكار الحق ورده، وازدراء الناس واحتقارهم.

على أنه ليس من الغرور أن يسعى كلٌّ منا أن يكون ثوبه حسنًا، ونعله حسنًا، ومظهره حسنًا، ويجمع بين الحسنتَيْنِ؛ حسنة المظهر، وحسنة الجوهر.

وليس من الغرور أيضًا أن نفرح بالطاعة والإنجاز، بل إن ذلك من علامات الإيمان لحديث نبينا رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((مَن سرَّتْه حسنته، وساءتْه سيِّئتُه فهو مؤمن)).

يقول الشيخ مصطفى السباعي رحمه الله: “لا تأتي الثقة بالنفس من خلال كونك دائمًا على حق، بل من خلال كونك غيرَ خائف من أن تكون على خطأ”.

الخلاصة :
الثقة بالنفس لازمة لبناء الشخصية ولكن يجب ان تكون لشخص يملك المؤهلات وليس لمن يدعيها

هذا المقال لا يعبر سوى عن رأي كاتبه، ولا يعبر بالضرورة عن رأي فريق المكتبة العامة






تعليقات الفيسبوك