العدمية بين علم النفس والفلسفة

مدخل لفلسفة العدمية

العدمية هي فلسفة قامت على أساس الشك، كردة فعل رافض لسلطة الكنيسة في القرن الـ 19 ميلادي، فمصطلح العدمية يأتي من الكلمة اللاتينية nihil  التي تعني حرفياً لا شيء، كثورة ضد الأعراف الاجتماعية السائدة وقتها، مما جعلها رائجة ومقربه من فئات الشباب تحديداً، وبالتالي تبنتها الجماعة المثقفة كرفض لسلطة الدولة والكنيسة والعائلة، والذين يرون أن لا قيمة جوهرية للحياة، وأن كل ما في الحياة لا معنى فعلي له، والعدميون كثيراً ما يرون أن وجودهم عبث لا أهمية له في الوجود، حتى العقل والمنطق قد يصاب بالشكوك حول مصداقيته لديهم، فالوعي قد يوضع في خانة التساؤلات لدى فلاسفة العدم حول جدواه في ظل العدم كنهاية فعلية للكون بالنسبة إليهم، فالشك الشديد حول المعرفة الحقيقة للكون والوجود لا يمكن إثباته، بالتالي من غير المنطقي أن يكون هناك ولاء لفكرة أو معتقد في ظل العدم واللاشيء، وقيمة كل شيء في الكون من أفكار أو ماديات تصبح بعد ذلك بلا هدف وبلا أهمية تذكر، ويعتبر الفيلسوف نيتشه من أكثر الفلاسفة العدميين حين قال : “أن كل معتقد وكل شيء يعتبر حقيقة هو زائف بالضرورة لأنه ببساطة ليس هناك عالم حقيقي” وبعد هذه الجملة فأن كل القيم لا أساس لها ولا معنى حين يكون العالم أضغاث أوهام بالنسبة إليهم.

ذكرت الكاتبة نانسي في كتابها أساتذة اليأس أن المعاني المختلفة لكلمة العدمية ذاتها توضح الصلة بين ” الكل ” و ” اللاشيء” ففي روسيا في القرن التاسع عشر لم تكن الكلمة تشير إلى اليائسين الذين ما عادوا يكترثون لشيء، بل إلى الراديكاليين الذين كانت عقيدتهم تتمثل في سؤال تشيرنيشفسكي ( كاتب روسي نظر للأدب كأداة لفعل الثوري) وكانت روايته ” ما العمل؟ ” مصدر إلهام للشباب الثوري في روسيا، ولكن صاحب كتاب ( يوميات القبو) دوستويفسكي كان يرى أن تسابق أولئك الشباب نحو الكارثة والحروب ليست سوى عدمية لا جدوى منها، فالعدمي يرى أنه مختلف عن هذه الجموع المتحمسة للموت من أجل مبادئهم وعقائدهم وأن لا جدوى لتلك المثالية، وهو يحيا ذاته كشخص متوحد منعزل كغريب لا يمت له العالم الخارجي بصلة، وقد ذكر رسول العدم سيوران ذلك حين قال: لا يستطيع أحد أن يحرس عزلته إذا لم يعرف كيف يكون بغيضاً.

العدمية والأدب

بحسب الكاتبة نانسي فأن انتشار العدمية في الأدب من رواية وشعر كان له تأثيره بسبب رفض للعالم القائم وتعبير عن النقصان، فالكتابة بالنسبة للعدمي ملجأ يشعره بالأمان ويبعده عن الانتحار( الكتابة انتحار مؤجل – سيوران)، وممن كتب كذلك عن العدمية واقتبسه هنا من كتاب أساتذة اليأس لبعض جملهم: كالديرون كاتب مسرحي إسباني في كتابه ” الحياة حلم ” عبارته التي كتب لها الخلود:

( إن جريمة الإنسان الكبرى هي أنه قد ولد)

أما باسكال فقد عبر عن حيرة الوجودية ذاتها في عبارات باتت مشهورة :

“غارقا في الاتساع اللانهائي للفضاءات التي أجهلها وتجهلني، أصاب بالذعر“

ومن الجدير بالذكر والملفت هو حين علقت الكاتبة حول هذه المخاوف بعبارة( كان بإمكانه أن يلوذ بالإيمان)، فالكاتبة تعترف هنا أن الإيمان بشيءً ما يجعل الإنسان قادر على مكافحة شكوكه وتحاشيه لها، فالإيمان يعمل عمل المخدر الذي قد يبعده عن الوقوع في دوامة العدم.

شارل بودلير قد يكون بالنسبة إلي أستاذ للسأم – أحد أفرع العدمية- حين صرح بتساؤلاته وسأمه من الوجود في قصيدته- لكل وهمه:

للحظات غمرني اشتهاء فهم هذا اللغز، إلا أنه سرعان ما انقضت علي اللامبالاة التي لا سبيل إلى مقاومتها فوجدتني من جراء ذلك أكثر انسحاقاً من انسحاقهم هم بأوهامهم الساحقة،

فبودلير شعر بالسؤوم واللاجدوى من تلك التساؤلات والبحث عن ماهية الوجود.

ولا أدري هل يصح لي هنا أن أقول أن الشاعر أبو العلاء المعري كان من ضمن من تبنى العدمية حين قال :

هذا ما جناه أبي عليّ .. وما جنيت على أحد‏،

فمن المعروف أن فلاسفة العدم لا يرون في التكاثر والتناسل إلا ضرب من الجنون في ظل العدم واللاجدوى، وهذه العبارة تحيلني لسيوران حين قال :

هل هناك ما هو أكثر تثبيطاً للعزيمة من أن يمتلك أي سقطٍ القدرة على الإنجاب، فالوجود البشري المتمثل في القدرة على الإنجاب بالنسبة للعدمي رعب لا يمكن أن يتحمله.

العدمية وعلم النفس

قد يلتبس على البعض ويظن أن العدمية هي حالة من حالات الكأبة المؤقتة، وما أقصده هنا هو الاكتئاب الغير سوداوي الذي يتحدد بفترة زمنية أو حالة مزاجية، والذي قد تتلاشى دوافع وأسباب الكأبة ما أن تعالج، فليس بالضرورة أن كل مكتئب عدمي، ولكن غالباً ما يكون كل عدمي مكتئب، فالعدمية صورته الدائمة هي السوداوية الكئيبة التي هي ردة فعل على الضغط الفكري الهائل الذي يمر به الدماغ من التحليل والتشكيك لما يحدث للذات والآخر والكون، ولكن التغيرات الثقافية والعلمية التي يمر بها العالم في الوقت الحالي قد تؤدي للبعض إلى عيش مرحلة قصيرة أو طويلة من الكأبة الذي سمي في الوقت الحالي بمرض العصر، وقد يظن البعض أن تلك الحالة التي يمر بها ليست سوى عدمية، متجاهلاً الأسباب التي دفعته لتلك الكأبة، ولكن حالته تتحسن ما أن تهدأ الأمور وتمر حالة الإجهاد النفسي، غير مدرك أن فلسفة العدمية هي حوارات أنتجتها الشكوك الفلسفية حول ماهية الكون، والتي انبثقت عنها رؤى ضخمة لكتاب أثروا بمرور الزمن على التاريخ البشري، وأدت إلى انبثاق العلوم الحديثة- نظرية التطور وعلم الجينات وعلم الاجتماع والتحليل النفسي- التي تحطمت قيود الخوف من المعتقدات والأساطير التي كانت لها سطوة في التأثير على التحركات العلمية ما لبثت أن تلاشت بعد ظهور فلسفة العدمية التي انبثقت منها بعد ذلك أفرع منها فرع الوجودية في حرية التفكير بالوجود كيفما ترغب به الذات، والتي عززت القيمة الإنسانية.

العدمية والوجودية

أن التأثيرات الهدّامة للعدمية ستدمّر في النهاية كل المعتقدات الأخلاقية، والدينية، والميتافيزيقية، وتؤصل للأزمة الأعظم التي ستواجه الفكر البشري في التاريخ. نيتشه

هذه العبارة لنيتشه خلقت الكثير من الجدل حول الفوضى التي من الممكن أن تخلقها هذه الجملة لدى الجنس البشري، وبالتالي انبثقت فلسفة جديدة من رحم الفلسفة العدمية وهي الفلسفة الوجودية، التي تعني أن لكل شخص هدف في الحياة وكل منهم مسؤول عن تحقيق معنى للحياة التي يعيشها أن كانت ستؤدي في النهاية إلى العدم، أهدافها الحب والكرامة الإنسانية وحرية الإرادة والأبداع، ففلاسفة الوجود يؤمنون أن كل إنسان يولد في عالم خال من المعنى حتى يجد معناه الخاص والغرض منها وغاية سعادته، إذن في هذه الحالة فالوجودية هي إيجاد معنى للعدم، فمع الحركة الثقافية التي ازدهرت في أوربا في العام 1940 و 1950، تشكل نشاط حركي ثقافي متمثلة بسارتر وسيمون دي بوفوار وكافكا وصمويل بيكت وغيرهم، أوصلت الفلسفة العدمية والوجودية إلى عدد لا يحصى من الكتب المختلفة، وصولاً إلى الفن السابع (السينما) الذي توضح تأثره بهذه الفلسفة لدى المخرج وودي آلن الذي يحاول في أغلب أفلامه تصوير تلك التساؤلات الوجودية لدى الإنسان عن معنى الحياة والعلاقات الاجتماعية وغياب المعنى والوجود، فهذه الثقافة المزدهرة لفلسفة الوجودية عنت بكون الوجود الإنساني يتطلب فئات جديدة غير موجودة في الفكر القديم وحتى الحديث، كتفاعل يومي وضروري مع كل شيء في الكون.

العدمية في الوقت الحالي:

استمرار فلسفة العدمية إلى الوقت الحالي معناه أن العقل لا يزال يبحث عن إيجاد معنى للكون والعالم، وهذا يدل كذلك على أن العقل البشري أصبح يركن أكثر إلى الاستقلالية في الفكر بدون تأثير من قبل الأدلجة القمعية التي كانت تمارس ضده، وأن الذات أرتقت لمرحلة أعلى في الإنسانية حين سنت قوانين لحماية الحريات ، وبحسب مشاهداتي فأن العدمية عبر التاريخ تنقلت إلى مراحل مختلفة أولها العدمية السلبية التي خلقت حروب ومجازر بعد أن كانت ترى في القتل نهاية محتومة للبشر، ومن ثم وصلت إلى العدمية النشطة التي خلقت رؤى فلسفية عظيمة وضعت جذورها في الفكر والأدب، إلى أن وصلنا إلى العدمية الإيجابية والمنتفع بها المتمثلة في الفلسفة الوجودية وخلقت علاقة بين الفكر والعلم، والتي لا تزال نتاج تلك العلاقة في أوج عطاها الإنساني.

ظلمت الفلسفة العدمية في الثقافة العربية بسبب ضرورة الاعتقاد، والذي اعتبر العدمي فيها مخالفاُ للشرائع وبالتالي أصبح شخص منبوذ ومكفر، فالعدمي علاقته بكل شيء سلطوي قابل للرفض والتشكيك، والاعتقاد هي حاجة للإيمان بفكرة وتقديسه لدرجة الموت من أجلها، ولكن لم يستمر ذلك القيد الممارس حول العقل العربي لفترة طويلة، فالتكنولوجيا والقراءات والحريات الفكرية هي أدوات ساهمت في إيصال الثقافات بجميع أشكالها إلى كل العالم، ولكن قد يؤدي أحيانا كثيرة إلى قفزة غير صحية، قفزة غير ناضجة، حين تكون عبارة عن رؤيه ضيقة من ثقب باب العدمية، فالمؤسف أن العدمية في الوطن العربي في بعض الأحيان يستخدمها الكسالى كقناع يلبسه حين لا يرغب بتنشيط عقله عن التساؤلات الوجودية، وعن التجربة التي تصقل تلك الفلسفة، فسيوران على سبيل المثال بشذارته التي خلقت حياة في بعض الكلمات البسيطة، لم يكن منعزل عن العالم تماماً بل كان يخالط الناس ويدرك أن تلك الأفكار لم تأتي اعتباطاً ولم تأتي من سرقة فلسفة شخص آخر من الثقافات المكتوبة، فالشعور بالقلق من كل الصراعات التي كانت تجول بذاته هي نتاج ما كان يتعايشه يومياً من قلق ما في العالم من صراعات.

هوامش:

كتاب أساتذة اليأس/ نانسي هيوستن

المصدر

هذا المقال لا يعبر سوى عن رأي كاتبه، ولا يُعْتبر نشر المكتبة العامة له نوعاً من الموافقة على مضمونه.

هذا المقال لا يعبر سوى عن رأي كاتبه، ولا يعبر بالضرورة عن رأي فريق المكتبة العامة







تعليقات الفيسبوك