الحرب الباردة بين المغرب والجزائر (الجزء الثاني)

الحرب الباردة بين المغرب والجزائر (الجزء الثاني) – بقلم: حمودة إسماعيلي

كسياسة احتواء للمقاومة الجزائرية، قامت فرنسا بفرض ضغوط على الدولة المغربية إثر دعمها للمقاومين الجزائريين، من خلال رسم مقنن للحدود بين البلدين حسب “معاهدة للا مغنية وهي تقييد إلزامي للمملكة المغربية سنة 1845 بعدم دعم المجاهدين الجزائريين. يأتي هذا الإلزام بعد تعنت من السلطان المغربي ضد مطالبة فرنسا المتكرر له بالكف عن دعم المجاهدين ضدها بالجزائر”(1). ولأهداف توسعية ذات مصالح اقتصادية قامت السلطة الاستعمارية الفرنسية بزيادة ضم أراضي حدودية مغربية لخريطة الجزائر.

باستقلال المغرب، طالب هذا الأخير باسترجاع الأراضي التي ضمتها السلطة الفرنسية للجزائر، غير أن الاقتراحات التي اشترطتها فرنسا كتفاوض حول الموقف تم رفضها من طرف المغرب على اعتبار أنها تضر بمصالح الجارة الجزائرية. على إثر ذلك تم الاتفاق ـ من جهة المغرب ـ مع الحكومة المؤقتة للجمهورية الجزائرية (1958 – 1962) التي تم تشكيلها كتنفيذ لمقترح المجلس الوطني للثورة لأجل التفاوض حول مطلب الاستقلال وإعادة هيكلة الدولة. لكن مع تغير رموز السلطة بالحكومة الجزائرية إثر تنحية فرحات عباس من الرئاسة (1961) ثم استقالة بن يوسف بن خدة بعده من نفس المنصب (1962) وتولي أحمد بن بلة لرئاسة البلاد (1963) وما شهده الموقف من تصعيد لأزمة الحدود بين البلدين أسفرت عن اشتباكات مسلحة بالمنطقة، تم فتح فجوة في العلاقات السياسية بي البلدين أخذت شكل عدوان مباشر، نتيجة فشل التفاوض ورفض المقترح المغربي باستعادة الحدود. فسارعت التحالفات الدولية ـ المنقسمة سياسيا ـ لجذب الطرف الأقرب ميولا نحوها : بعرض المساعدات على الجزائر من طرف الكيانات الاشتراكية، وعلى المغرب من طرف الحلفاء الغربيين. الأمر الذي رسم بوضوح شكل العلاقة بين البلدين وسلط الضوء على أبعادها، في الفترة التي تلت حقبة الاستعمار.

لم يتوقف النزاع الحدودي المسلح بين الجارتين، إلا بتدخل منظمة الوحدة الإفريقية بتنظيم “الاجتماع الاستثنائي لمجلس الوزراء في أديس أباب ما بين 15 – 18 نوفمبر 1963، بناء على قرار مؤتمر باماكو الخاص بدراسة النزاع المغربي الجزائري – 29 – 30 أكتوبر 1963، وقد أسفر هذا الاجتماع عن تكوين لجنة خاصة للتحكيم في هذا النزاع عهد إليها :

1 – بتحديد مسؤولية المعتدي
2 – ودراسة مشكل الحدود، ووضع اقتراحات تقدم للطرفين المتنازعين للوصول إلى تسوية نهائية لنزاعهما”(2).

شهدت السياسة الداخلية للجزائر ـ بعد فترة الخلاف الحدودي المصعد التي سميت ب”حرب الرمال” ـ توتراً حول السلطة أفضى لانقلاب عسكري بقيادة وزير الدفاع هواري بومدين بغرض تنحية أحمد بن بلة من منصبه وتولي بومدين لرئاسة الدولة (1965) بهدف رسم مرحلة مؤسساتية جديدة لسياسة الجزائر : من ضمنها الرفض القطعي للاستعمار والمطالبة باستقلال الشعوب (المغاربية والأفريقية) وحق تقرير المصير. هذا الموقف لم يغير كثيرا في نوعية العلاقة بين البلدين المتجاورين على الرغم من مؤازرة “الرئيس هواري بومدين المغرب في مطالبته بإنهاء الاستعمار الاسباني للصحراء في البداية الستينيات. إذ وافقت الجزائر على دعم المغرب في معركته الدبلوماسية ضد اسبانيا من أجل استرجاع مناطقه المحتلة إثر مصالحة القاهرة عام 1964 التي جاءت بعد حرب الرمال التي دارت بين المغرب والجزائر سنة 1963” ـ وكما تضيف الكاتبة نعيمة البالي ـ “سعت الجزائر في بداية السبعينات إلى تكريس مبدأ المشاركة الثلاثية «المغرب موريتانيا الجزائر» في المساهمة في تصفية الاستعمار عن المنطقة محل النزاع وهي رغبة للجزائر في تأكيد مشاركتها في الصراع القائم”(3). بهذا “ساهمت الجزائر في لقاء نواديبو بتاريخ 14 شتنبر 1970 وهو لقاء قمة ثلاثي (المغرب موريتانيا الجزائر) الذي أكد على ضرورة إقامة لجنة ثلاثية للتعاون المستمر سياسيا، ودبلوماسيا من أجل تصفية الاستعمار الاسباني عن الصحراء وفق قرارات الأمم المتحدة. حيث كانت الجزائر في هذا اللقاء ستوافق على مغربية الصحراء مقابل إنهاء ملف الحدود بينها وبين المغرب والحصول على ممر نحو الأطلسي وتطالب موريتانيا بالاستغلال المشترك لبترول الصحراء”(4).

وبتاريخ “17 شتنبر 1974 قامت كل من المغرب وموريتانيا بإحالة المسألة إلى محكمة العدل الدولية مع طرح سؤالين هما :

1 ـ هل كانت الصحراء الغربية (وادي الذهب والساقية الحمراء) أيام تواجد الاستعمار الإسباني أراض لا تتبع لأي جهة (أرض ليست لأحد) ؟
2 ـ إذا كان الجواب بلا، ماهي الروابط القانونية بين هذه الأراضي والمملكة المغربية والكيان الموريتاني ؟

وبتاريخ 16 أكتوبر 1975 تم الإعلان عن جواب محكمة العدل الدولية (الرأي الإفتائي). وتقول خديجة محسن فينان Khadija Mohsen-Finan في نشرة Sahara Occidental, Les enjeus d’un conflit regional ـ باريس 1996 ـ صفحة 41 :

قامت المحكمة بالرد وفي إرادتها ورغبتها أن تقوم باسترضاء الطرفين معا، مجيبة بكل وضوح على السؤال الأول بقولها بأن الصحراء لم تكن أراض بدون أصحاب، إلا أنها (أي المحكمة) من ناحية أخرى قدمت إجابة غير قابلة للاستخدام على السؤال الثاني من خلال الإعلان بأنه لم تكن هناك روابط ذات سيادة إقليمية بين منطقة الصحراء الغربية والمغرب”(5).

لكن “وبمجرد توقيع المغرب على اتفاقية مدريد التي استرجع بموجبها كل من المغرب وموريتانيا الصحراء التي كانت تحت السيطرة الاسبانية، غيرت الجزائر موقفها صراحة واعتبرت الاتفاقية خيانة لها. فاحتضنت الجزائر البوليساريو فوق أراضيها وأصبحت تسيرها كيفما شاءت، وتساعدها دبلوماسيا وعسكريا وماديا، انتقلت بهذا الجزائر إلى أسلوب المواجهة القائم على أساس التمسك بمبدأ تقرير المصير بالنسبة للشعب الصحراوي. وأصبحت تواجه المغرب إما علنا كما هو الشأن بالنسبة لواقعة أمغالا سنة 1976، وترحيل مغاربة صحراويون لتندوف قسرا بتواطؤ مع اسبانيا. وأصبحت الجزائر تلعب دورا هاما في اعتراف العديد من الدول بالبوليساريو على المستوى الإقليمي والعالمي، وللجزائر مسؤولية في بقاء النزاع دون حل لوقتنا هذا، وتتحدد مسؤولية الجزائر لكون البوليساريو ينطلق في تنفيذ أعماله من التراب الجزائري وبالتحديد تندوف ويعود إليها بعد نهاية العمليات، وتمويل الحكومة الجزائرية لهذه العمليات العسكرية، إضافة إلى أن التغطية الإعلامية والدعم الدبلوماسي للبوليساريو في كل دول العالم يتم بتوجيه من وزارة الشؤون الخارجية الجزائرية والمصالح التابعة لها”(6).

والسؤال المهم هنا هو لماذا ؟
لماذا غيّرت الجزائر من موقفها السياسي تجاه القضية ؟
لماذا تراجعت عن دعم المغرب ليس فقط في استرجاع المنطقة الجنوبية (الصحراء) الخاضغة لسلطة المستعمر الإسباني، بل دعمه لأجل استرجاع المنطقة الشمالية (سبتة ومليلية) كذلك ؟
لماذا تحولت من “مؤازر” لعائق للمشروع المغربي في تحقيق مطالبه باستعادة سيادته على المنطقة الجنوبية ؟

للإجابة عن هذه الأسئلة يجب أخد المصالح الإيكوبولوتيكية للجزائر بالمنطقة بعين الاعتبار، أي منافعها السياسية والاقتصادية في حل مشكل الصحراء. بهذا يتطرق الباحث مصطفى الخلفي لتحليل هذه النقطة، منطلقا من فترة النزاع الحدودي المسلح الذي شهدته المنطقة الحدودية المتنازع حولها بين الطرفين ـ وذلك لإبراز أهم المؤشرات التي عززت من شدة الخلاف وزادت من مسافة التباعد والتنافر بين الجارتين :

“تم احتواء النزاع بعد تدخلات عربية وأفريقية، كما عالج لقاء مصغر في القمة العربية بالقاهرة عام 1964 بعض أسباب النزاع، إلا أن المشكل المتعلق بالصحراء الشرقية بقي عالقا خصوصا بعد اكتشاف الحديد بها وتجدد المطالب المغربية بضرورة تسوية المشكلة، ليكتسي النزاع بعدا دوليا حيث اصطبغ بصراعات الحرب الباردة واصطفاف المغرب لجهة الولايات المتحدة في مقابل اصطفاف الجزائر لجهة الاتحاد السوفياتي، ولا سيما بعد انقلاب بومدين في 1965، و لم يخل التوتر من صدامات عسكرية في 1967 أدت لسعي المغرب لطرح النزاع على الأمم المتحدة. وما غذى النزاع بقوة هو صعوبة استغلال الحديد المكتشف إلا إذا تم نقله عبر الصحراء في اتجاه المحيط الأطلسي أي عبر المرور على المغرب، باعتبار الكلفة الكبيرة لنقله من منطقة تيندوف إلى الساحل المتوسطي للجزائر في الشمال، وهو ما فرض على الطرفين الدخول في مفاوضات تتيح الاستغلال المشترك لمناجم الحديد في مقابل الاعتراف المغربي بجزائرية منطقة تيندوف، كان من ثماره مفاوضات إيفران في 15 يناير/ كانون الثاني 1969 ثم مفاوضات 27 مايو/ أيار 1970 وبعدها مفاوضات 15 يونيو/ حزيران 1972، والتي انبثقت عنها معاهدة حول الحدود المغربية الجزائرية نصت على اعتراف المغرب بجزائرية تيندوف، والمشاركة في إنتاج وتسويق حديد تيندوف، ودعم الجزائر لمغربية الصحراء. وتلا ذلك تصريحات جزائرية مؤيدة للحق المغربي في الصحراء، منها تصريح الرئيس الجزائري بومدين في مؤتمر القمة العربي بالرباط في أكتوبر/ تشرين الأول 1974 بأن مشكلة الصحراء لا تهم سوى المغرب وموريتانيا، وأن الجزائر مع الدولتين وتؤيد تحرير كل شبر من الأرض لا فقط في الصحراء الغربية بل أيضا في سبتة ومليلية وكل الجزر التي لا تزال تحت الاحتلال الإسباني.

إلا أن احتداد النزاع المغربي مع الاستعمار الإسباني حول الصحراء، وقرب تمكن المغرب من حسم النزاع لصالحه الذي يعني خروج الجزائر بدون مكاسب، وفي المقابل تقوية العلاقات الجزائرية الإسبانية واشتداد عود جبهة البوليساريو المدعمة من ليبيا وبالتالي بروز احتمالات تجاوز الممر المغربي لتسويق الحديد من خلال دعم مشروع دولة صحراوية توفر هذا الممر بدون كلفة كبيرة، دفع نحو حصول تحول في الموقف الجزائري منحاز كليا لصالح أطروحة تقرير المصير وقيام دولة صحراوية، وهو ما برز بوضوح بدءا من 1975″(7).

ـ هوامش :

1 : معاهدة للا مغنية ـ ويكيبيديا: الموسوعة الحرة.
2 : المغرب الإفريقي الاختيار المغربي في دبلوماسيته الإفريقية ـ مجلة دعوة الحق: العدد 140؛ عن وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية، الرباط.
3 : نعيمة البالي ـ المغرب: الجزائر كطرف في النزاع على الصحراء؛ موقع الشبكة العربية العالمية.
4 : نعيمة البالي ـ المصدر السابق.
5 : الصحراء الغربية، تكاليف النزاع ـ تقرير الشرق الأوسط رقم 65 -11 حزيران (يونيو) 2007؛ هامش المقدمة ص1.
6 : نعيمة البالي ـ المصدر السابق.
7 : مصطفى الخلفي ـ أزمة العلاقات المغربية الجزائرية ومشكلة الصحراء المغربية؛ موقع الجزيرة 3/10/2004.

ــــــــــــــــــــــــ

هذا المقال لا يعبر سوى عن رأي كاتبه، ولا يعبر بالضرورة عن رأي فريق المكتبة العامة

هذا المقال لا يعبر سوى عن رأي كاتبه، ولا يعبر بالضرورة عن رأي فريق المكتبة العامة







تعليقات الفيسبوك