الحرب الباردة بين المغرب والجزائر (الجزء الرابع)

الحرب الباردة بين المغرب والجزائر (الجزء الرابع) – بقلم: حمودة إسماعيلي

لوضع حد لمناوشات البوليساريو ـ التي اتبعت سياسة حرب العصابات ـ بالحدود الصحرواية لفرض الذات ككيان سياسي له حق في إدارة الأقاليم الصحرواية ما خلق شوشرة بالمنطقة، تم بناء جدار دفاعي عازل من طرف المغرب لوقف التأثير السلبي من جهة الجبهة المدعومة من طرف الجارة الجزائرية ـ بهدف ـ زعزعة الاستقرار القائم بالمنطقة الأمر الذي يلمس الأمن الداخلي للمغرب، وهو المسعى السيكولوجي للجزائر منذ حرب الرمال، وسنرى العوامل النفسية الدفينة وراء ذلك.

وكرد فعل من جهة المغرب على التصعيد العسكري الذي اتخذته الأطراف في النزاع ـ البوليساريو في الواجهة والجزائر خلفيا بالدعم ـ تقرر إنشاء الجدار العازل لحماية المنطقة وأمن الأقاليم. ف” بناء جدار الصحراء يعتبر أهم قرار عسكري اتخذه المغرب في هذا الملف. وبدأ المغرب بتشييد هذا الجدار الرملي سنة 1980 عبر مجموعة من المراحل، وانتهى منه سنة 1987، وبعد بناء 2200 كيلومتر من هذا الجدار، تغيرت إستراتيجية الصراع على الصحراء لصالح الجانب المغربي”(1).

فالمغرب من جهته يرى “أن بناء الجدار له أهداف دفاعية، بالإضافة إلى حماية الساكنة المدنية ضد هجومات البوليساريو، وهو ما ساعد المغرب في ربح العديد من المناطق. وساهم الجدار، حسب دراسة ـ جدار الصحراء: وضعه وآفاقه The Sahara Wall: Status and Prospects لسعيد الصديقي Said Saddiki التي نشرت بمجلة دراسات الحدود Journal of Borderlands Studies ـ في الحد من مناورات البوليساريو وإضعاف قدراتها العسكرية، مقابل الرفع من إستراتيجية المغرب العسكرية في الميدان ودعم قوته التفاوضية. إذ انخفض عدد هجومات المغرب ضد البوليساريو، وهو ما سهل مأمورية اتفاق وقف إطلاق النار بين الطرفين. وحسب نفس الدراسة أدت هذه الوضعية إلى التأثير على تحركات العربات وحركية ميليشيات البوليساريو، وفرضت على البوليساريو ترك الخيار العسكري والدخول في مفاوضات مباشرة مع المغرب”(2).

إن مسألة بناء الجدار هنا، تكشف لنا الموقف السيكولوجي للمغرب تجاه القضية، فالجدار هو تعزيز للأمن المغربي الذي يشعر بالتهديد المترتب عن نشاط الميليشيات الانفصالية والأطماع الاقتصادية لحاضنتها الجزائرية. “وهذا ما اعترف به تقرير الأمين العام للأمم المتحدة في 20 أكتوبر 1998 الذي وصفه بـ«الجدار الرملي الدفاعي»، مبرزا أن ما يعزز هذه الوظيفة الدفاعية للجدار الرملي أنه لم يتعرض قط لانتقاد من أي تقرير أو توصية صادرة من الأمم المتحدة؛ وقد اعتمدت الأمم المتحدة الجدار باعتباره خطا يحدد مناطق الحظر العسكري الذي تضمنه الاتفاق العسكري لعام 1998″(3). كما “أفاد مقال الصديقي Saddiki بأن فعالية الجدار الرملي في الصحراء تتجلى في أن بناءه غيَّر كُليا قواعد المعركة مع البوليساريو التي وجدت نفسها أمام واقع جديد لا يجدي معه أسلوب حرب العصابات والمباغتة، مما سمح للمغرب بفرض قواعد لعبة جديدة على أرض الواقع. ويؤدي الجدار اليوم أيضا وظائف جديدة تبعا للتطورات السياسية والأمنية في منطقة الساحل والصحراء حيث يشكل حاجزا أمام كل من الهجرة غير النظامية وحركة الجماعات المسلحة في المنطقة”(4).

أما لفهم الموقف السيكولوجي للجارة الجزائرية بخصوص المسألة، فيلزم العودة لفترة الاستعمار لأنها الحقبة التي أعادت تشكيل البنية النفسية للإدارة الجزائرية بما في ذلك سلوك الفعل ورد الفعل بخصوص المسائل السياسية والحدودية.

يصف سارتر Sartre الحالة النفسية للجزائر بتلك الفترة، مختصرا القول :

“لقد اغتصبنا من المسلمين كل شيء وحرمناهم كل شيء حتى لغتهم. وقد أوضح «ميمي» أن الاستعمار يتحقق بالقضاء على الوطنيين، لأنهم لم يعودوا يملكون شيئا، فقد صُفيّت حضارتهم، وكذلك حرمانهم حضارتنا.. إن النظام المتبع كان يدفع هؤلاء المساكين البائسين الذين أضناهم الجوع والحرمان إلى تخوم الصحراء. وهناك انخفض مستوى معيشتهم بسبب كثرة المواليد سنة في إثر سنة وجدب الأرض وأخيرا حينما اندلعت ثورتهم تخلصا من هذا البؤس الذي غشيهم واستبد بهم قلنا عليهم هؤلاء ليسوا بشرا فإما أن يلفظوا أنفاسهم أو يؤكدوا إنسانيتهم، فإذا هم يستغنون عن ثقافتنا ويتخلون عن قيمنا وتقدمنا المزعوم. وتساوى عندهم أن يطالبوا بصفة الإنسان وأن يرفضوا الجنسية الفرنسية”(5). وهذا ما يفسر تبني الجزائر للأيديولوجية الاشتراكية كمقاومة سيكوسياسية للاستعمار الرأسمالي الفرنسي. ف”لم يقتصر هذا التمرد على تحدي سلطان المستعمرين، وإنما راحوا يكافحون من أجل وجودهم المهدد بالضياع”(6). كإثبات للهوية القومية الخاصة وحمايتها من الاندماج ضمن هيمنة المستعمر.

حتى أن سارتر Sartre ذهب حد تشبيه فرنسا بألمانيا النازية خلال تعاملها مع السجناء اليهود، “فالجزائريون في عام 1958 أصبحوا يسامون سوء العذاب بشكل منظم ومستمر”(7). و”أعمال القسوة هذه لا تعود إلا بنتائج سيئة، ولقد اقتنع الألمان أنفسهم بذلك عام 1944″(8).

إن ما تعرضت له الجزائر خلال فترة الاستعمار الفرنسي هو “صدمة جيوبوليتيكية” على مستوى الجهاز القومي الأمني للبلاد، خاصة وأن السلطات الفرنسية كانت ترى أنه من الواجب على الجزائريين “أن يُسقوا الهوان وتفرض عليهم المذلة والمسكنة. وكذلك يجب عليهم أن يروَّضوا ويقاوَموا في عنف، فالجزائر لا تتسع لجنسين بشريين، وإنما هي تتسع لواحد منهما فحسب”(9). وهو ما يؤكده التعبير الدلالي للجنرال الفرنسي ديغول Charles de Gaulle :

L’Algérie restera française, comme la France est restée Romaine

الجزائر ستبقى فرنسية، مثلما بقيت فرنسا رومانية

إن فرنسة العالم المغاربي، جعل فرنسا العدوة المشتركة لكل من الجارتين المغاربيتين ـ المغرب والجزائر.
وجدت فرنسا بالمغرب منافسا استعماريا تجلى في السلطة الإسبانية وعائقا داخليا تجلى في القبائل المتمردة (سواء الشمالية أو الجنوبية وحتى الأمازيغية) الخارجة عن السيطرة، أما في الجزائر فتم اعتبارها مستعمرة فرنسية تتم إدارتها كأنها محافظة باريسية. الأمر الذي عزز وقع العدوان ـ ووقع الصدمة بالمقابل ـ على الجزائريين الذين قاوموا طوال مدة الاحتلال بضراوة ودون استسلام.

بعد نهاية الاستعمار واستقلال كل من المغرب والجزائر، ما يعني “أن فرنسا الآن قد انتهت كقوة سياسية، انتهت كقوة عسكرية، انتهت كقوة اقتصادية، انتهت كقوة علمية وحتى ثقافية”(10)، إلا أن شبح فرنسا كمستعمر لم ينتهي كعرض من أعراض الاضطراب عقب الصدمة. رأت الجزائر في شقيقتها المغرب : وجه المعتدي الفرنسي. فقد تم إسقاط المعتدي الفرنسي على المغرب الذي طالب باسترجاع مناطقه الحدودية التي تم سلبها إبان حقبة الاستعمار وتم ضمها للخريطة الجزائرية من طرف المحتل الفرنسي ـ لأن المغرب دعم الجزائر معنويا وماديا خلال تمردها على سلطة المستعمر، كما سبق وأشرنا ـ فاعتبرت الجزائر أن المغرب يتقمص الممارسة الفرنسية بإعادة استعماره لها، لهذا اعتبرت السلطة الجزائرية منذ الرئيس بن بلة أن استعادة المغرب لمناطقه الحدودية يمثل تراجعا عن مبادئ الثورة الجزائرية الحرة ـ من جهة أخرى تشبها بالسيادة الفرنسية.

انطلاقا من ذلك سعت الجزائر ـ كمؤسسة إدارية سياسية ـ للخروج من (صدمة) الضحية بفرض كيانها كدولة مستقلة ذات وجود قوي، الأمر الذي سيتحقق ـ من خلال موقفها السياسي ـ بالسعي لإضعاف المغرب سياسيا واقتصاديا حتى لا يهدد أمن وسياسية الجزائر، من خلال تبني توجهات الجبهة البوليساريو السياسية. طالما أن المغرب حليف للقوى الغربية التي تنتمي لها فرنسا، فإنه ـ من موقف جزائري ـ يعتبر استعماريا مهدِّدا لا يُستبعد أن يعيد تكرار الاعتداء : من منطلق رؤية صدموية.

إن العدوان الاستعماري يشبه في جوهره أشكال العدوان الأخرى الموجهة نحو الذات الإنسانية التي تتحول عقب سلوك الاعتداء إلى ضحية صدمة. ومن المرجح أن “يعاني ضحايا الصدمة ضررا للذات متمثلا في انتهاء استقلاليتها وانتهاك حرمتها الجسدية الأساسية، كما ينشأ عندهم ازدراء للاستقلالية والكرامة يتضاعف مع الخجل والشك”(11). كما في صدمة الحرب يتم اللجوء هنا ل”التبعيد المقصود المتسم بالدفاع عن الأنا”(12)، بهذا وحسب الموقف الجزائري “تناقضت حاجة التواصل مع إخوانهم من الناس مع الحاجة لحماية أنفسهم من الوهن العاطفي”(13). زيادة على أن كل ما يحمل صفة من صفات المعتدي ـ بالنسبة للضحية/المصدوم ـ يتلبس شكل المعتدي، حتى لو بدت الصفة ـ بشكل توهمي نتيجة التشويه الذاكري (تشويه الذكريات) ـ في شخص المعتني أو المعالج !

ل”أن تجربة الرعب تشوّه استجابات مريض الصدمة العاطفية لأي شخص في موقع السلطة”(14). كما “في حالة المحارب القديم في الحرب الفيتنامية، الذي جُرح في القتال، شعر الجندي بأن الطبيب العسكري، وليس العدو هو الذي كاد يقتله”(15). وهو ما يفسر الحرب التي صُعِّدت بعد فترة الاستعمار بالمناطق الحدودية بين المغرب والجزائر التي رأت في خصمها صورة المستعمر العدواني الذي استوطن أراضيها لعقود من الاستغلال. فعلى الرغم من أن الصراع لا يخدم مصلحة كلا الطرفين إلا أنه الضريبة الحتمية لاحتواء ما تبقى من الأنا المتضررة عند كلا الطرفين، فالمغرب يستشعر التهديد والخيانة من الجزائر الاشتراكية ـ التي عززت الرعب الداخلي الذي عاناه المغرب مع الحركات الشيوعية والانقلابات العسكرية الهادفة لقلب النظام الملكي ـ والجزائر من جهتها كما في حالة المحارب الفيتنامي “قد راعه أن يراه أحد في حالته الجسدية المدنَّسة”(16) أي حالة الضعف والهوان : فالمغرب كان شاهدا على حالة الجزائر “المشردة والضعيفة” إبّان فترة الاحتلال، ونتيجة الشعور بالحنق العجز والخجل والمهانة تتولد «أوهام الانتقام ضد المنقذ» لأنه شاهد على الوضع الغير المرغوب، وكما في حالة التحويل النفسي عند مرضى الصدمة فإنهم “يتوهمون أن باستطاعتهم إخضاع المعالج (الشاهد) إلى الحالة التي لا تطاق ذاتها والتي يعانونها، وهي حالة غير مقبولة لشخص يقوم بدور البطل في الحرب”(17). وهذا ما يسفر لنا تولي الجزائر لمطالب البوليساريو كعملية استعادة ـ عقب الصدمة ـ لدور “البطل” الثوري بالمنطقة : الذي يدافع على حق المستضعفين في وجه الأشرار، الذي تقمصه المغرب كشبيه بالشرير الفرنسي هنا أمام الجزائر “البطل”.

“قد تكون الصدمة الفعلية وجيزة جدا، إلا أنها تؤدي إلى اضطرابات طويلة الأجل، وأحيانا تستمر مدى الحياة”(18). على هذا النحو لاتزال العلاقة بين الجارتين متوترة ـ خاصة فيما يتعلق بمسألة الصحراء ـ لأن استحضار الصدمة يحدث بشكل متكرر ومستمر ك«عقدة» على “شكل آثار ذاكرة، مثل استرجاع، وكوابيس، أو صور تطفلية. قد تستمر سمات الاستجابة الصدمية، مثل فقدان الثقة أو الإثارة المفرطة، أو تعود وتظهر بعد حادث ضاغط منفصل، أو من دون أي تحريض على ما يبدو. ويشير اضطراب ضغط عقب الصدمة إلى أن الاستجابات العصبية السلوكية الطويلة الأجل، والذكريات تتشكل كجزء من الاستجابة الصدمية، وذلك على النقيض من أفكار، ونماذج الاستجابة للحياة اليومية السهلة النسيان”(19). إن الاستعمار ليس حدثا عابرا أو وقعاً سهل النسيان، إنه إعادة تشكيل للحالة النفسية السياسية للدولة، تختلف عن طريقه (الاستعمار) صياغة الإدارة السياسة للدولة بعده ك”نظام”.

فالنظام السياسي يمثل مخاوف ومطالب الشعب، و”الشعوب لا تنسى، وبالذاكرة الشعبية يّكتب التاريخ ويتمهد المستقبل”(20)، المستقبل السياسي لكل دولة.

ـ هوامش :

1 : خالد مجدوب ـ دراسة ترسم 3 سيناريوهات للجدار الرملي بالصحراء المغربية؛ جريدة التجديد بتاريخ 27/09/2012.
2 : خالد مجدوب ـ المصدر السابق.
3 : حسن الأشرف ـ دراسة: فعالية جدار الصحراء غيَّرت قواعد المعركة مع البوليساريو؛ موقع هسبريس بتاريخ 13/09/2012.
4 : حسن الأشرف ـ المصدر السابق.
5 : جون بول سارتر Jean-Paul Sartre ـ عارنا في الجزائر Notre honte en Algérie.. المصدر السابق ـ ص55و56.
6 : جون بول سارتر Jean-Paul Sartre ـ عارنا في الجزائر Notre honte en Algérie.. المصدر السابق ـ ص56.
7 : جون بول سارتر Jean-Paul Sartre ـ عارنا في الجزائر Notre honte en Algérie.. المصدر السابق ـ ص40.
8 : جون بول سارتر Jean-Paul Sartre ـ عارنا في الجزائر Notre honte en Algérie.. المصدر السابق ـ ص52.
9 : جون بول سارتر Jean-Paul Sartre ـ عارنا في الجزائر Notre honte en Algérie.. المصدر السابق ـ ص57.
10 : المهدي المنجرة ـ الحرب الحضارية الأولى.. المصدر السابق ـ ص168.
عن : جريدة “الخضراء” 12و19 أبريل 1991.
11 : باربرا ويتمر Barbara Whitmer ـ الأنماط الثقافية للعنف The Violence Mythos، ترجمة ممدوح يوسف عمران؛ عالم المعرفة الكويت ـ ص63.
12 : باربرا ويتمر Barbara Whitmer ـ الأنماط الثقافية للعنف The Violence Mythos.. المصدر السابق ـ ص69.
13 : باربرا ويتمر Barbara Whitmer ـ الأنماط الثقافية للعنف The Violence Mythos.. المصدر السابق ـ ص68.
14 : باربرا ويتمر Barbara Whitmer ـ الأنماط الثقافية للعنف The Violence Mythos.. المصدر السابق ـ ص166.
15 : باربرا ويتمر Barbara Whitmer ـ الأنماط الثقافية للعنف The Violence Mythos.. المصدر السابق ـ ص163.
عن : هيرمان ـ الصدمة والشفاء؛ ص138.
16 : باربرا ويتمر Barbara Whitmer ـ الأنماط الثقافية للعنف The Violence Mythos.. المصدر السابق ـ ص163.
17 : باربرا ويتمر Barbara Whitmer ـ الأنماط الثقافية للعنف The Violence Mythos.. المصدر السابق ـ ص163.
18 : باربرا ويتمر Barbara Whitmer ـ الأنماط الثقافية للعنف The Violence Mythos.. المصدر السابق ـ ص64.
19 : باربرا ويتمر Barbara Whitmer ـ الأنماط الثقافية للعنف The Violence Mythos.. المصدر السابق ـ ص64.
20 : المهدي المنجرة ـ الحرب الحضارية الأولى.. المصدر السابق ـ ص171.

هذا المقال لا يعبر سوى عن رأي كاتبه، ولا يعبر بالضرورة عن رأي فريق المكتبة العامة







تعليقات الفيسبوك