الحرب الباردة بين المغرب والجزائر (الجزء الخامس والأخير)

الحرب الباردة بين المغرب والجزائر (الجزء الخامس والأخير) – بقلم: حمودة إسماعيلي

لوضع حد للنزاع الإقليمي، ورداً على دعوات إيجاد حل لأزمة الصحراء، قدّم المغرب مقترحا للأمين العام للأمم المتحدة حول المبادرة بالتفاوض بشأن نظام للحكم الذاتي لجهة الصحراء، وذلك بتاريخ 11 أبريل 2007.
دعت الأمم المتحدة كلا الطرفين للتعاون لإنجاح المقترح، لكن البوليساريو رفضت المشروع على اعتبار أنها الممثل الوحيد لساكنة الأقاليم الصحراوية مشيرةً إلى أن قضية الصحراء ـ من جهتها ـ هي قضية تصفية استعمار ينبغي حلها على أساس تمكين شعب الصحراء من حقه الشرعي في تقرير المصير عن طريق الاستفتاء. الأمر الذي عطل من وتيرة إيجاد حل للنزاع مسببا ركودا وفشلا على مستوى التفاوض. الجزائر من جهتها كذلك طالبت الأمم المتحدة بالتدخل لإنهاء الاستعمار وتمكين الصحروايين من حقهم في تقرير المصير ـ كتبني للطرح البوليساري.
وقد أكد مجلس الأمن الدولي التابع للأمم المتحدة على «مصداقية وجدية المقترح المغربي» لحكم ذاتي موسع للصحراء الغربية، تحتفظ فيه الدولة المغربية “باختصاصات حصرية، خاصة منها ما يلي :
– مقومات السيادة، لا سيما العلم والنشيد الوطني والعملة.
– المقومات المرتبطة بالاختصاصات الدستورية والدينية للملك، بصفته أمير المؤمنين والضامن لحرية ممارسة الشعائر الدينية والحريات الفردية والجماعية.
– الأمن الوطني والدفاع الخارجي والوحدة الترابية.
– العلاقات الخارجية.
– النظام القضائي للمملكة”(1).

وأمام تعنت الأطراف وتعقيد الوضع، لم يتبق للمغرب إلا المبادرة بتنزيل المشروع لواقع التطبيق طالما أن “القوى الكبرى، المحدّدة للقرار في مجلس الأمن، لا تقبل باختلاق دولة سادسة في المنطقة المغاربية، ولذلك فإنها تنظر إلى مقترح الحكم الذاتي على أنّه مقترح واقعي وشكل من أشكال تقرير المصير”(2)، وهو ما أبرزه “الخبير الأمني المغربي ـ عبدالرحيم منار السليمي ـ من أنّ الجزائر ستحاول ردّ الفعل بشكل عنيف إزاء الانتصار الدبلوماسي الذي حققه المغرب مؤخرا بعد تأكيد مجلس الأمن في قراره الأخير على مصداقية وجدية المقترح المغربي القاضي منح حكم ذاتي موسع للأقاليم الصحراوية”(3)، موضّحا “أنّ هناك تخوّفا بعد هذا القرار من أن تتعمّد قيادة البوليساريو ارتكاب جرائم ضدّ التيّارات الداعية إلى قبول مقترح الحكم الذاتي من داخل المخيمات”(4). غير أن المفاوضات لاتزال مستمرة تحت إشراف الأمم المتحدة، التي أفضى مجلسها الأمني مؤخرا بتمديد مهمة المينورسو MINURSO ـ بعثة الأمم المتحدة لتنظيم استفتاء في الصحراء الغربية Mission des Nations Unies pour l’Organisation d’un Référendum au Sahara Occidental ـ إلى غاية 30 أبريل 2015.

من جانب آخر، لا يزال النزاع يفصح عن نفسه في التصريحات المستمرة التي تعرضها الجرائد نقلا عن المدلين بها من مسؤولين سياسيين من كلا الطرفين. وكما جاء قبل أيام عن موقع قناة العربية الإخبارية أن “من شأن التراشق السياسي الجديد بين الجزائر والمغرب أن يعيد الخلافات بين البلدين إلى المربع الأول، خاصة وأن الحدود البرية مازالت معلقة بين البلدين منذ عام 1995، وفشلت كل محاولات التقارب السياسي بين البلدين التي بذلت خلال السنوات الأخيرة”(5).

ككلمة أخيرة، فإن الصراع الجيوبوليتيكي حول المنطقة لن ينتهي إلا ب:

1 ـ تخلي البوليساريو عن مطالبها : وهو الأمر الذي لن يحدث لأن الجزائر لن تتقبل ذهاب جهودها في دعم الجبهة سُداً، الأمر الذي حوّل “الجبهة” لدويلة جزائرية مستنسخة، وهو ما ينكشف لنا في الفكرة ـ المستلهمة من الجزائر ـ لدى البوليساريو والتي تُشكل موقفها السياسي من الدولة المغربية، معتبرة المغرب دولة استعمارية توسعية تستمر في نهج سياسة الإمبريالية. مفسرةً أن “قرار المغرب بالاستنجاد بما يسمى بحقوقها التاريخية هو لمجرد التغطية بالنسبة لطموحاتها ذات النهج الوطني المتطرف. وبناء على ذلك، يتم وصف وتصنيف الإدعاء المغربي على أنه جزء من مشروع أكبر اتساعا وهو «المغرب الكبير» الذي تم الدفاع عنه ومناصرته أولا في أعوام الخمسينيات من القرن الماضي من قبل حزب الاستقلال، ومن ثم تولاه في وقت لاحق محمد الخامس وخلفاءه الذين جاءوا من بعده”(6). وهي رؤية جزائرية بامتياز كعرَض صدموي إثر خروج الجزائر من هول الاستعمار الفرنسي ـ كما سبق وألمحنا.

وحتى على مستوى النزاع المسلح، لا تختلف أنشطة الجبهة العدوانية الهادفة لزعزعة استقرار المنطقة، عن النهج الذي اتبعته الجزائر خلال مقاومتها للاستعمار الفرنسي، وهو النهج الذي أسماه سارتر ب”اضرب واهرب” كسياسة في التخفي إثر المواجهة المسلحة عند وصفه لتلك الفترة بتاريخ الجزائر المستعمرة.

2 ـ تساهل المغرب في القضية : وهو ما لا يمكن أن يحدث، نظرا لتشبت المغرب بوحدة الصحراء كجزء لا يتجزء من جسد الدولة المغربية، وعدم التراجع عن الدفاع عن القضية لأنه ـ من موقف مغربي ـ دفاع عن الوحدة الترابية وحفظ لأمن واستقرار البلد. فكل ما يهدد أمن المنطقة يستدعي التدخل السريع لإيجاد حل : وهو ما حدث خلال أحداث أكديم إيزيك، حيث قامت مجموعة من العناصر الموالين للبوليساريو بإقامة “«تجمع غير مرخص له» بمنطقة «أكديم إيزيك» التي تبعد عن العيون (كبرى مدن الصحراء) بعشرة كيلومترات، وتلقوا أموالا من أجل تنظيم نزوح جماعي للأسر الصحراوية في اتجاه المخيم، وهي العملية التي بدأت في العاشر من أكتوبر (تشرين الأول) 2010، بهدف «خلق جو من التوتر في المدينة»”(7). أسفر تدخل قوات الأمن المغربية لتفكيك المخيم ـ من دون سلاح ـ الذي أقامه المحتجون بالمنطقة المذكورة، عن مقتل 11 من قوات الأمن، وجرح 70 آخرين بينهم أربعة من المدنيين. حيث شكّل المحتجون “فرقا أمنية مدججة بالأسلحة البيضاء بغرض مواجهة قوات الأمن في حال تدخلها لتفكيك المخيم.. مستعملين السيوف والسكاكين والحجارة والقنينات الحارقة، ودهسوهم بسيارات رباعية الدفع، بالإضافة إلى تعمدهم حرق الخيام وبداخلها قنينات الغاز المنزلية أثناء تدخل قوات الأمن لتفكيك المخيم، كما نكل بعضهم بجثث القتلى منهم”(8). ولدى احتواء السلطات المغربية للوضع “وُجهت لهؤلاء المتهمين تهمة «تكوين عصابة إجرامية والعنف في حق أفراد من القوات العمومية (قوات الأمن) الذي نتج عنه الموت مع نية إحداثه والمشاركة في ذلك، والتمثيل بجثة»”(9). فأصدرت المحكمة العسكرية بالرباط أحكاما على المتهمين والمتورطين بالقضية بأحكام تتراوح ما بين ال20 سنة سجنا والسجن المؤبد. وكما كتب محمد زين الدين معلقا على القضية ب”أنه يبدو جليا أن هنالك محاولة استغلال سياسوي و ممنهج لهاته الأحداث من قبل جهات خارجية لزعزعة أمن المغرب”(10)، ف”هذا الفعل الاجرامي يكشف عن وجود نية مسبقة في تشكيل عصابة إجرامية واحتجاز مواطنين أبرياء في خرق سافر للقانون ؛ فقد تمت عسكرة المخيم من قبل عصابة إجرامية محترفة عسكريا، بحيث لم يخف العديد من المتهمين سواء أمام قاضي التحقيق أو أمام هيئة المحكمة تلقيهم تكوينا عسكريا بتندوف”(11)، وهي المنطقة الحدودية المتنازع عليها بين المغرب والجزائر بعد خروج الاستعمار، والمنطقة التي تقبع فيها جبهة البوليساريو حاليا.
إن واقعة مخيم أكديم إيزيك أبرزت رد فعل السلطات المغربية بخصوص أي حدث يهدد أمنه واستقراره خاصة بأقاليمه الجنوبية، الأمر الذي يؤكد نوعية العلاقة التي تربط المنطقة (الأقاليم الصحرواية) بباقي ربوع المملكة، والأهمية السياسية للقضية على مستوى الإدارة المركزية.

3 ـ تغير جذري في النظام السياسي الجزائري (الدولة العميقة)، والذي تأسس على المنهج العسكري النزاعي منذ الثورة والسائر على خطى الأنظمة الاشتراكية المتبنية لسياسة الصراع الدولي الأيديولوجي (الشرق Vs غرب) ـ فلم تحصل بعض التنازلات لحساب الليبرالية (بالنظام الجزائري) إلا نتيجة ضغوطات اقتصادية شعبية.
فتغيُّر السياسة يمكن أن يغير في العلاقة بين الجارتين بخصوص أزمة الصحراء، بالبدء بحل للأزمة والتفاوض السلمي الخادم لكلا الطرفين المتنازعين دون وضع للأهداف الجيوقتصادية للطرف الداعم للجبهة بالحسبان : وهو هنا الجزائر البومدينية (كنهج) يساهم في استمرار النزاع وتصعيد الأزمة دبلوماسيا.

إن السيناريو الذي يظل مستبعدا في مشهد الصحراء وبظل الخلاف المستمر، هو قيام دولة صحراوية بالمنطقة الجنوبية، ف”الأمم ليست مجرد حزم أو رزم من البشر متراصة كالورق وتنتظر من يُسيج حولهم بسياج ويقيم منهم دولة من الدول، وإنما هي بالأحرى كيانات سياسية تتجاوز بكثير توزع الأعراق”(12). فلو طالبت كل جماعة حسب هويتها ومعطياتها الثقافية بدولة، لتدهورت خريطة العالم السياسية على اعتبار أنه “أمام 164 دولة هناك 589 جماعة قومية بالعالم”(13).

إن التهديد ـ بقيام دولة صحرواية ـ يتجاوز بتأثيره لسياسة المغرب، إلى زعزعة الاستقرار السياسي بالمنطقة المغاربية بما يشمله من تهديد للتعاملات الخارجية الاقتصادية بين شمال افريقيا والاتحاد الأوروبي. فالقضية ذات دلالات دولية بصبغة الحرب الباردة ـ كالنزاعات الجيوستراتيجية التي شهدها العالم قبل سقوط القطب الشرقي متمثلا بالاتحاد السوفياتي (1991) ـ وليست مجرد نزاع محلي إقليمي.

ـ هوامش :

1 : المبادرة المغربية للتفاوض بشأن نظام للحكم الذاتي لجهة الصحراء؛ نص المبادرة: اختصاصات جهة الحكم الذاتي للصحراء.
2 : فاطمة الزهراء كريم الله ـ الجزائر تحضّر لتأزيم الوضع في تندوف للتغطية على أزمتها الداخلية ـ صحيفة العرب بتاريخ 2014/05/02.
3 : فاطمة الزهراء كريم الله ـ المصدر السابق.
4 : فاطمة الزهراء كريم الله ـ المصدر السابق.
5 : الخارجية الجزائرية تصف تصريحات مزوار “بالمشينة”؛ موقع العربية بتاريخ الأحد (15 رمضان)13 يوليوز 2014م.
6 : الصحراء الغربية، تكاليف النزاع ـ تقرير الشرق الأوسط رقم 65 -11 حزيران (يونيو) 2007؛ ص3 من التقرير.
7 : لطيفة العروسني ـ محكمة عسكرية بالرباط تحكم بالمؤبد على 9 متهمين بارتكاب أحداث مخيم «أكديم إيزيك»؛ جريدة الشرق الأوسط العدد 12501 الموافق ل12/02/2013.
8 : لطيفة العروسني ـ المصدر السابق.
9 : لطيفة العروسني ـ المصدر السابق.
10 : محمد زين الدين ـ قراءة تمهيدية في أحكام المحكمة العسكرية على ضوء أحداث مخيم اكديم إيزيك؛ موقع الخبر بتاريخ 18/02/2013.
11 : محمد زين الدين ـ المصدر السابق.
12 : بيتر تيلور وكولن فلنت Peter Taylor & Colin Flint ـ الجغرافيا السياسية لعالمنا المعاصر Political Geography، ترجمة عبد السلام رضوان وإسحق عبيد؛ عالم المعرفة الكويت ـ ص41.
13 : بيتر تيلور وكولن فلنت Peter Taylor & Colin Flint ـ الجغرافيا السياسية لعالمنا المعاصر Political Geography.. المصدر السابق ـ ص43.
عن : Gunnar Nielsson – “States and ‘Nation-Groups’: A Global Taxonomy,” in New Nationalisms of the Developed West, ed. E. A. Tiryakian and R. Rogowski, Boston: Allen and Unwin, 1985

ــــــــــــــــــــــــــــ

هذا المقال لا يعبر سوى عن رأي كاتبه، ولا يعبر بالضرورة عن رأي فريق المكتبة العامة

هذا المقال لا يعبر سوى عن رأي كاتبه، ولا يعبر بالضرورة عن رأي فريق المكتبة العامة







تعليقات الفيسبوك