لماذا لم يجمع عمر بن الخطاب الحديث ؟

لماذا لم يجمع عمر بن الخطاب الحديث ؟ – بقلم: سامح عبد الله

” وسط جمع من الناس قال له يا أبو هريرة هل تعدني ألا تروي عن رسول الله ؟ فقال أبو هريرة.. أعدك يا أمير المؤمنين ما بقيت أنت حيا فقال عمر وبعد موتي؟
فقال أبو هريرة… لا أعدك يا أمير المؤمنين
وضحك الجمع.. ومات عمر وملأ أبو هريرة الدنيا أحاديث عن رسول الله “

“الثالثة والأربعون”

تذكرون أننا قلنا في السابق أن أول من أشار بجمع القرآن الكريم كان هو عمر بن الخطاب وقت خلافة أبى بكر الصديق.
كان خلاف قد نشب بين الرجلين حول خالد بن الوليد بعد حادثة مقتل مالك بن نويرة والزواج بإمرأته ويقال أنه كان قبل أن تنقضي عدتها علي النحو الذي فصلناه سابقا فقد رأي عمر عزله من الجيش لكن أبو بكر تمسك به رافضا أن يغمد سيفه وفي هذه الأثناء أشار عمر علي الخليفة بجمع القرآن وهنا تجلت قيمة الشوري التي كانت هي المنهاج الذي تحسم به الأمور ووافق أبو بكر.

كان الرسول الكريم صل الله عليه وسلم قد نهي في حياته عن كتابة شيء عنه غير القرآن.. فقد قالها صريحة ” لا تكتبوا عني شيئا غير القرآن ”
ومن بعده سن الخليفة أبو بكر الصديق هذا النهج فقد نهي الرواة عن كتابة شئ عن رسول الله غير القرآن الكريم.
كان الأمر دقيق جدا أن يصدر هذا النهي عن الرسول الكريم ومن بعده الخليفة الذي لم يفارقه يوما منذ بعثه وحتي وفاته.

والحقيقة أن بعض الأقوال جاءت في تبرير ذلك بما لا يمكن إستساغته وقبوله.. فقد قال البعض أن الرسول قد نهي عن كتابة الحديث حتي لايختلط بالقرآن الكريم وهو قول يدحضه القرآن نفسه بالآية الكريمة من سورة الحجر “إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون ”
الأمر إذن يبدو أنه كان يحمل مبررا عظيما نحاول أن نصل إلي خيوطه سويا.

مات أبو بكر وجاء من بعده عمر وقد إنتهج ذات النهج.. قال للرواة لا تقولوا عن رسول الله. وتقول الرواية أنه وسط جمع من الناس قال لأبي هريرة وكان مولعا بالحديث عن رسول الله هل تعدني ألا تروي عن رسول الله فقال له أبو هريرة أعدك يا أمير المؤمنين ما دمت حيا. كان يقصد عمر وكان يعلم من شدته ما يحمله علي ألا يخالف أمرا له أبدا.
لكن عمر مات.. وروي أبو هريرة الحديث عن رسول الله مثلما لم يسبقه أحد.

والسؤال المطروح والذي يلح دون هوادة..
لما لم يرو أبو بكر ومن بعده عمر بن الخطاب عن رسول الله سوي القليل القليل.
كان أبو بكر هو الصديق الذي صدقه في كل شيء حتي قبل أن يعمل عقله وكان عمر هو الرجل القوي الذي دعا الرسول الكريم ربه أن يعز به الإسلام.

لماذا لم يكن أبو بكر راويا عن رسول الله وهو الذي لم يفارقه يوما.. وهو أول من صدقه في قريش.. وهو الذي نزل فيه قرآن كريم والرسول مطارد من قريش مختبئا بغار حراء.. “إذ يقول لصاحبه لاتحزن إن الله معنا”
وهو الذي لم يتركه إلي حين وفاته..
لماذا لم يكن أبو بكر هو الراوي عن رسول الله إذن ؟!

وعمر بن الخطاب.. هذا الرجل القوي الصادق الحازم سريع البديهة شديد الذكاء الذي أعز الله الإسلام به ولم يفارق الرسول يوما منذ إسلامه. لماذا لم يرو عن رسول الله..
لماذا لم يجمع الحديث عن الرسول كما كان أو من أشار بجمع القرآن.. لماذا نهي أبو هريرة عن رواية الحديث وهو صحابي جليل؟!

كان عمر بن الخطاب عبقري تكونت عبقريته عبر تجارب كثيرة منذ أن نشأ في قبيلة لها شأن بين الناس وقد رأي منذ صباه كيف أن للعدل قيمة عظمي عندما إختصت قبيلته بالقضاء بين الناس وكان مجددا لا يقف عن ظاهر النص وكان مجتهدا و مبدعا في قراراته حتي أننا نذكر أنه عطل حد السرقة في عام الرمادة وحجب أموال الذكاة عن المؤلفة قلوبهم بعدما اتسعت رقعة الدولة الإسلامية في عهده رغم النصوص القاطعة في القرآن الكريم ولم يخش أن يقال أنه عطل نصوص القرآن.. فلماذا إذن لم يجمع الحديث عن رسول الله ولماذا لم يكلف الرواة بتتبع الأحاديث عن رسول الله.. بل ولماذا منعهم عن ذلك..؟!

والحقيقة أنه في محاولة الإجابة علي هذا التساؤل يجدر بنا أن نقدم نبذة مختصرة عن أنواع السنة كما وضعها أساتذة أصول الفقه وهي تنقسم إلي ثلاثة أنواع..
سنة قولية وهي أقوال النبي المتعلقة بأمور الدين مثل قوله ” إنما الأعمال بالنيات.. ” وسنة فعلية وهي كل ما صدر عن الرسول من أفعال شرعية كصلاته وحجه وسنة تقريرية وهي أن يسمع الرسول قولا أو يري فعلا فيقره.
هذه نبذة بسيطة عن أنواع السنة ولعل إجابة السؤال تنبع من تلك النبذة.

فهل رأي عمر ومن قبله أبو بكر ومن قبلهما الرسول الكريم أن ما نزل من القرآن الكريم وما قاله الرسول في حياته وما فعله وما قرره فيه الكفاية دون حاجة إلي رواة حديث..؟!
ربما.. فليست إجابة قاطعة لأننا في مجال بحث يقبل الأخذ والرد ولسنا في مجال تجربة عملية حسم الأمر بالنسبة لها.
ما أود أن أشير إليه حتي لا تلتبس الأمور عند البعض أن السنة هي المصدر الثاني للتشريع بعد القرآن الكريم.. لكنها في نظرنا هي السنة القولية أو الفعلية أو التقديرية التي صدرت عن الرسول الكريم والتي سمعها منه أصحابه ورؤها منه واضحة جلية لا لبس فيها.. هي السنة المتواترة التى نقلها عنه جمع من الصحابة يمتنع عادة تواطؤهم علي الكذب كما يقول الفقهاء ثم نقلها كذلك جمع ممن جاء بعدهم يمتنع تواطؤهم علي الكذب.

هذا هو تصورنا للغاية التي حملت عمر ومن قبله أبو بكر لنهي الرواة عن كتابة الحديث خارج هذا المضمون الذي أشرنا إليه.
يؤيد ذلك في نظرنا أن السنة المشهورة وهي التى يرويها واحد أو عدد لايبلغون حد التواتر تفيد الرجحان أي الظن ليس إلا وكذلك من باب أولي سنة الآحاد.

روي عن عمر أنه كتب إلي شريح القاضي يقول له ” أنظر ماتبين لك في كتاب الله فلا تسأل عنه أحد، وما لم يتبين لك في كتاب الله فإتبع فيه سنة رسول الله.
وظني كما قلنا أن السنة المقصودة هنا والتى وردت أيضا علي لسان النبي في حديث معاذ الشهير هي السنة المتواترة بالمعني الذي تعرضنا له وليست المشهورة أو الآحاد والتى رويت بعد وفاة الرسول وصحابته بأربعة قرون من الزمان!
هذا ظننا..الذي نراه ولا نحجب عنا رأي من يعارضوننا غاية ما في الأمر أننا نتمسك بما قاله صل الله عليه وسلم محذرا.. ” لا تكتبوا عني غير القرآن ومن كتب عني غير القرآن فليمحه ”
وما قاله أيضا “من كذب علي متعمدا فليتبوأ مقعده من النار ”
وللحديث بقية.

ـــــــــــــــــــــــ

هذا المقال لا يعبر سوى عن رأي كاتبه، ولا يعبر بالضرورة عن رأي فريق المكتبة العامة

هذا المقال لا يعبر سوى عن رأي كاتبه، ولا يعبر بالضرورة عن رأي فريق المكتبة العامة







تعليقات الفيسبوك