هل الفلسفة حرام بالفعل .. بينما الغرب يطالب بتعليمها للأطفال ؟!

هل الفلسفة حرام بالفعل .. بينما الغرب يطالب بتعليمها للأطفال ؟!

من المعروف أن الفلسفة خضعت تاريخيا لحروب عديدة، خاصة في فترات الركود التي مرت بها الأمم، وتعتبر دراسة الفلسفة من أكثر الموضوعات المثيرة للجدل في العالم العربي. وتعود هذه الجدلية في التعاطي مع هذه المادة في المناهج التعليمية إلى كونها مادة “البحث عن الحقيقة” وطرح التساؤلات والشك والتفكير في كلّ شيء، من أجل الوصول إلى يقينٍ ما، من الممكن أن يكون مخالفاً للدين والتعاليم الإسلامية.

وينحصر تعليم مادّة الفلسفة في العالم العربي في المرحلة الثانوية فقط، وفي بعض الدول، ألا وهي الجزائر والبحرين ومصر والكويت ولبنان والمغرب وموريتانيا وقطر وسوريا وتونس واليمن، فيما لا تدرّس في المملكة العربية السعودية وجيبوتي والإمارات العربية المتحدة والعراق والأردن وليبيا وعمان والسودان.

وتجدر الإشارة إلى أنّ منهج الفلسفة الذي يدرّس في دول الخليج المذكورة ومصر، ينحصر فقط بـ”الفلسفة الإسلامية”، أي بالفلاسفة العرب الذين استخدموا التفكير والحجج الفلسفية لتأكيد المعتقدات الإسلامية وتعاليم الدين الإسلامي، ولا يتطرّق المنهج إلى فلاسفة الغرب الذين رفض بعضهم فكرة وجود الله ووجود الآخرة وغيرها من المواضيع الجدلية التي يعتمد عليها الدين.

أمّا المفارقة فهي، أنّه في حين لا يزال الجدل بين الفلسفة والدين قائماً في العالم العربي، ووجود دعوات لإلغاء مادّة الفلسفة من المناهج التعليمية، يدعو المفكّرون في الغرب إلى تعزيز مناهج الفلسفة للأطفال في المراحل الأولية وليس فقط الثانوية، وذلك بسبب نتائج الدراسات التي أجريت أخيراً والتي سنقدّم لكم نتائجها.

الفلسفة تجعل الأطفال أذكى في الرياضيات واللغة

تحاول المدارس حول العالم بشكل مستمرّ، رفع مستويات ما تقدّمه في مجال الرياضيات والهندسة وغيرهما من المواد العلمية، إلا أنّها لا تركّز على ما تقدّمه في مادّة الفلسفة.

لكن نتائج آخر الدراسات تشير إلى أنّ الاهتمام بمادّة الفلسفة يجب أن يكون أساسياً، بعد أن أظهرت دراسة أجريت في إنكلترا أنّ الأطفال في عمر التاسعة والعاشرة الذين شاركوا في حصة الفلسفة مرّة أسبوعياً ولمدّة عامٍ كامل، أظهروا تحسناً كبيراً في مهاراتهم المتعلّقة في الرياضيات ومعرفة القراءة والكتابة، وحقّق الطلاب الذين يأتون من عائلات محرومة اقتصادياً واجتماعياً أعلى النتائج.

وشارك أكثر من 3000 طفل من 48 مدرسة من كلّ أنحاء البلاد، في مناقشات أسبوعية حول مفاهيم مثل الحقيقة والعدالة والصداقة والمعرفة، مع تخصيص بعض الوقت للتأمل بصمت وتحضير الأسئلة وطرحها وبناء الاستنتاجات انطلاقاً من أفكار وخواطر متبادلة فيما بينهم.

وارتفعت علامات الأطفال الذين شاركوا في هذه الدورة في القدرة على القراءة والكتابة وفي مادّة الرياضيات، بما يعادل شهرين إضافيين من التدريس، مع الإشارة إلى أنّ الدورة لم تكن مخصّصة لتحسين مهارات القراءة والكتابة أو المهارات الحسابية.

أمّا الأطفال الذين يأتون من عائلات محرومة اقتصادياً واجتماعياً، فحقّقوا نتائج أعلى، إذ ازدادت مهارات القراءة لديهم بما يعادل أربعة أشهر من الدراسة، والمهارات الحسابية (الرياضيات) بما يعادل ثلاثة أشهر، والكتابة بما يعادل شهرين. كما ذكر المدرّسون أنّ هذه الدورات كان لها تأثير إيجابي جداً على ثقة الأطفال بأنفسهم وقدرتهم على الاستماع للآخرين.

التجربة الفرنسية

تعتمد التجربة الفرنسية على نماذج مختلفة من تعليم الفلسفة وتحاول تطبيقها في بعض مدارس الأطفال منذ سنّ الرابعة. يؤكد مؤسس “الفلسفة للأطفال”، الأميركي ماثيو ليبمان، أنّ الفلسفة هي تعلّم التفكير بشكل جيّد، ولهذا تعتمد التجربة الفرنسية على ترسيخ هذا الأسلوب في التفكير لدى الأطفال منذ عمرٍ مبكّر.

وتقام ورشات الفلسفة بشكل أسبوعي، يتمكّن خلالها الأطفال من التعبير عن كلّ ما يدور بأذهانهم من دون أي رقابة، وهذا ما يجعلهم يطرحون أفكاراً، وجد الباحثون أنّ معظمها مصدره الأفكار المسبقة التي يتلقّونها من المجتمع. ومن الخطير أن يكبر الطفل مع هذه الأفكار المسبقة التي تكون خاطئة في معظم الأحيان.

ويؤكّد أهل الأطفال الذين يشاركون في هذه الحصص الفلسفية أنّ التغيّر الذي يحدث مع أطفالهم يحدث على عدّة مستويات، أبرزها تغيّر طريقتهم في التفكير والإجابة بدرجة كبيرة عندما يتمّ طرح أسئلة عليهم.

 الفلسفة تقدّم للأطفال ما لا يقدّمه “غوغل”

يقدّم محرّك البحث “غوغل” إجابات عن غالبية الأسئلة التي يطرحها مستخدمه، إلا أنّه يعجز عن تقديم إجابات متعلّقة ببعض المسائل، إذ إنّ هذا المحرك الشهير لن يقدّم لك أي إجابة شافية عن سؤال: “ما هي التداعيات الأخلاقية للأتمتة الصناعية؟”. إلا أنّ الفلسفة تستطيع حتماً الإجابة عن ذلك.

يبدو أنّ اهتمام الكثير من الدول الغربية يزداد أخيراً بمادّة الفلسفة وبأهميّتها للأطفال، إذ قال رئيس إيرلندا، مايكل هيغينز، في شهر نوفمبر الماضي، إنّ “تعليم الفلسفة للأطفال هو من بين أقوى الأدوات الموجودة في متناولنا، والتي تسمح لنا بتمكين أطفالنا من التصرّف بحرية ومسؤولية في عالم أكثر تعقيداً وترابطاً والتباساً”.

وأخيراً، يمكن التأكيد أنّ الفلسفة تساعد الكبار، كما الأطفال، على تطوير خصائص فهم وتحليل الأمور التي يشاهدونها ويطّلعون عليها في حياتهم اليومية وفي العالم الافتراضي (على مواقع التواصل الاجتماعي)، وتغيّر طريقة تصرّفهم حيالها، كما أن للفلسفة دوراً مهماً في توعية الفرد سياسياً واجتماعياً وتساعده على أخذ القرارات الصائبة التي من شأنها أن تحدّد مستقبله.

المصدر: رصيف 22

هذا المقال لا يعبر سوى عن رأي كاتبه، ولا يعبر بالضرورة عن رأي فريق المكتبة العامة

هذا المقال لا يعبر سوى عن رأي كاتبه، ولا يعبر بالضرورة عن رأي فريق المكتبة العامة







تعليقات الفيسبوك