ماذا تعرف عن حركة الإصلاح الديني ؟

ماذا تعرف عن حركة الإصلاح الديني ؟

الإصلاح الديني reformation حركة دينية ظهرت في أوربة في القرن السادس عشر تدعو إلى إصلاح الكنيسة وتخليصها من الشوائب والممارسات الخاطئة وتمخضت عن ظهور ما يعرف بالكنائس الإنجيلية. وقد تم تطور هذه الحركة ـ على تعقيدها ـ وفق منهج عام بدأ قبل ذلك بقرون، فكانت استمراراً لمحاولات إصلاح كثيرة سابقة هدفت إلى تقويم بعض ممارسات الكنيسة الكاثوليكية والعودة بها إلى نقاء الإنجيل وبساطته. وقد تفردت هذه الحركة عن سابقاتها بانشقاق زعماء الإصلاح عن الكنيسة وإصرارهم على أن يكون الإنجيل وحده ـ لا البابا ولا التقليد المسيحي المتوارث ـ هو المرجع الأعلى في الشؤون الدينية. وأدى اختلاف زعماء الإصلاح في الرأي، إضافة إلى الفروق الجغرافية والسياسية والاجتماعية والثقافية، إلى ظهور أكثر من حركة إصلاح. وغدا أكثر من نصف سكان أوربة منشقين عن الكنيسة الكاثوليكية في مدة لا تزيد على 40 عاماً. وانضوت شعوب بكاملها تحت لواء الكنائس البروتستنتية أو الإنجيلية، التي تعددت فرقها فكان منها اللوثرية والتسفنغلية Zwinglians المعتدلتان في ألمانية والأقاليم السويسرية الناطقة بالألمانية، وطائفة «مجددي المعمودية» Anabaptists التي انتشر أتباعها في هذه المناطق أيضاً وفي الأراضي المنخفضة، والكلفينية Calvinists التي أخفقت في فرنسة ونجحت في الأقاليم السويسرية الناطقة بالفرنسية وفي الأراضي المنخفضة واسكتلندة، وكذلك الانغليكانية التي نشأت وتطورت في إنكلترة.

أقامت أكثر هذه الطوائف البروتستنتية كنائس خاصة بها ذات تنظيم مركزي نسبياً ومرتبطة بالحكومات المدنية المركزية. فاتخذ الملوك والأمراء المحليون في أوربة كنائس مستقلة عن رومة، وربطوها بدولهم وإماراتهم. وفي زوريخ وجنيف (سويسرة) تولى المواطنون المستقلون إدارة شؤون كنائسهم التي تولت بدورها إدارة حكومتي المدينتين. وشدد قسم من البروتستنتيين على الالتزام الفردي أمام الله كالقائلين بتجديد المعمودية والانغليكان المنشقين (المتطهرين)، فمالوا إلى تأليف طوائف خاصة بهم ترعى قضاياهم الدينية مستقلة عن كنيسة الدولة وعن الحكومة العلمانية، وطالبوا بأن تكون مثل هذه الحكومات ممثلة لفئات الشعب.

وأسهمت جهود هؤلاء في زيادة النزعة الدستورية في إنكلترة والتسامح إزاء الطوائف الأخرى التي لا تنتمي إلى كنيسة الدولة الانغليكانية. وقد نقل المهاجرون الإنكليز إلى المستعمرات الأمريكية هذه الأفكار والمبادئ الإصلاحية معهم فتبنتها الولايات المتحدة وضمنتها دستورها بعد الاستقلال. ونتج من الانشقاقات اللاحقة بين الجماعات البروتستنتية ظهور عدد كبير من الطوائف الإنجيلية ولم تبذل محاولات جادة لضم أشتاتها وتقريب وجهات النظر بينها وبين الكنيسة الكاثوليكية إلا في القرن العشرين.

محاولات الإصلاح الأولى

في عام 313م أصدر الامبراطور قسطنطين الكبير (274-337) مرسوم ميلانو الذي أعلن فيه حرية الاعتقاد المسيحي ورفع الاضطهاد عن المسيحيين بعد ثلاثة قرون من الملاحقة والعسف وقد فتح هذا المرسوم الباب واسعاً أمام الدعاة والمبشرين لنشر الدين، ولم تسلم دعوتهم هذه من خلافات وبدع كان بعضها جوهرياً وبعضها ثانوياً.

وجرى التقليد منذ ذلك الحين على فض الخلافات والنزاعات في مجامع كنسية محلية أو مسكونية (أي في العالم المسيحي كله)، ولما عقد المجمع المسكوني في نيقية عام 325 لحل الخلافات التي دارت حول الأريوسية [ر. آريوس والآريوسية] نبه بعض المجتمعين إلى خطر تدخل السلطة ـ ممثلة بالامبراطور الذي حضر المجمع مراقباً ـ ولكن الامبراطور تمكن من فرض وجهة نظره في «دستور إيمان المجمع» وأوعز إلى الحضور لتوقيعه، وعاقب الرافضين عقوبات صارمة، فكان عمله هذا تقليداً لتدخل السلطة في شؤون الكنيسة، حتى إن بعض الحكام كان يتمادى في تدخله هذا.

ورغب البابا ليون الأول (390-461م) في تصحيح الوضع ورد الاعتبار إلى الكنيسة فأصدر منشوراً يدعي فيه أنه وارث بطرس الرسول وأنه صاحب الحق الوحيد في ممارسة السلطة المطلقة على الكنيسة، إلا أن سياسته أخفقت، وغدا الصراع سجالاً بين رجال الإكليروس ورجال السياسة.

وقد صدر عن الكرسي البابوي في حقب مختلفة أكثر من مرسوم وقانون يؤكد حق البابوات بالجمع بين السلطتين الدينية والمدنية وراح البابوات يسعون إلى تطبيق هذه المراسيم عملياً. وضاق الحكام المدنيون ذرعاً بمداخلات رجال الدين وحدِّهم من نفوذهم فازدادت الهوة بين الطرفين اتساعاً. ومن ذلك على سبيل المثال النزاع بين البابا غريغوريوس السابع (1020-1085) وامبراطور الامبراطورية الرومانية المقدسة هنري الرابع (1050- 1105)، وقد كان من نتائجه أن رمى البابا الامبراطور بالحرمان وأقر تنحيته عن العرش (1077)، ولم ينجح الامبراطور في تحديه فاضطر إلى إعلان خضوعه وتوبته، ولما نال الغفران والصفح بعد ثلاث سنوات انقلب على البابا وثأر لنفسه ونفاه سنة 1085 ومات البابا في المنفى.

كذلك أدى الخلاف بين  البابا بونيفاس الثامن (1235-1303) وملك فرنسة فيليب الرابع (1286-1314) إلى تعرض البابا للإهانة ونهب قصره ثم موته. وفي عهد البابا كلمنت الخامس الفرنسي الأصل نقل الكرسي البابوي من رومة إلى أفينيون في فرنسة وظل فيها سبعين عاماً (1308- 1378) إرضاء لملك فرنسة. وقد عرف هذا الانتقال بالسبي البابلي.

ومع كل هذه النزاعات ومحاولات الإصلاح ظلت الكنيسة الكاثوليكية سيدة الموقف ومتشددة في قضاياها في أكثر أجزاء أوربة، ولاسيما الغربية منها حتى مطلع القرن السادس عشر.

وفطنت الأسر الطموحة والموسرة إلى ما في مراتب الإكليروس من مزايا فراحت تحث أولادها على الالتحاق بسلك الكهنوت وتقدمهم نذراً للكنيسة منذ نعومة أظفارهم لتضمن لها ولهم مكانة عالية ودخلاً كبيراً. وتجاوبت الكنيسة مع رغبات هذه الأسر وشجعتها، واحتكرت الكنيسة لنفسها حق تلاوة الكتاب المقدس وتفسير مضمونه،ومنحت نفسها صفة المشرع المعصوم وصاحب القرار الوحيد فيما تجب مزاولته في العبادة وما يمنع عمله.

ولما اتجهت الكنيسة إلى أن تكون عالمية بدأت تختط الكنائس والكاتدرائيات الضخمة، وتحيط نفسها بمظاهر الأبهة والفخامة.

واتخذ رجال الدين القصور الفخمة لسكناهم وفرشوها بالرياش والأثاث الفاخر. وتطلبت هذه الأعمال أموالاً طائلة كانت تجبى من أبواب كثيرة كالضرائب المباشرة والقرابين وبيع ذخائر القديسين وصكوك الغفران وبعض الوظائف المهمة في الكنيسة إضافة إلى الهبات والصدقات.

وكانت مثل هذه الجبايات ترهق الشعوب والحكام. وفي حين كان البابوات يسعون إلى المحافظة على سلطتهم المباشرة على رجال الكنيسة المنتشرين في أوربة كلها كان هؤلاء يسعون إلى استرضائهم وشراء الكراسي الأسقفية لزيادة مدخولاتهم، فكانوا يشجعون المؤمنين على زيادة إسهاماتهم المالية في مقابل تحريرهم من العقوبات المؤقتة الناتجة عن خطاياهم البسيطة، أو في مقابل بيع صكوك الغفران لمحو كل الخطايا من غير اهتمام بتوبة الخاطئ.

العوامل التي أسهمت في حركة الإصلاح

مرت حركة الإصلاح في تطورها حتى القرن السادس عشر بمراحل عدة وساعدت على قيامها عوامل كثيرة دينية وثقافية وسياسية واقتصادية. وقد احتلت العوامل الدينية المكانة الأولى بينها لأنها كانت السبب الرئيس في احتجاج المحتجين ودعاة الإصلاح وإن اختفت وراءها أسباب أخرى. وسبقت الإشارة إلى بعض تلك الأسباب التي تدخل في صميم ممارسات الكنيسة وتمسكها بحقها وحدها في تفسير أحكام الدين وتطبيقاتها على النحو الذي تراه، ومنع الآخرين من هذا الحق، ولاسيما قضايا الإيمان، وممارسة الأسرار السبعة المقدسة، وسيطرة الكنيسة على تربية الأفراد والتزامهم حيالها. بيد أن حركات الإصلاح ومحاولات الانشقاق الأولى أدت إلى تبدل نظرة الشعوب الأوربية إلى ممارسة الكنيسة، ومن تلك المحاولات حركة الألبيجيين والغالديزيين (الغوديينWaldenses) في فرنسة التي قمعت في مهدها ووسمت بالهرطقة، وكذلك حركة رواد النهضة العلمية والثقافية التي بدأت في إيطالية أوائل القرن الخامس عشر ثم عمت أوربة كلها. وقد دعا رواد عصر النهضة إلى دراسة التاريخ والأدب والفلسفة وراحوا يكتبون دراساتهم بلغاتهم المحلية التي تفهمها شعوبهم من دون اللاتينية. وكان للاهتمام بدراسة اللغات القديمة كاليونانية والسريانية والعبرية والعربية أثر كبير أيضاً في تطوير الحياة الدينية عند هذه الشعوب. وقد حمل الصليبيون العائدون من الشرق مجموعات ضخمة من الكتب التي ترجم أكثرها إلى اللغة اللاتينية أو اللغات المحلية، وكذلك فعل اليونانيون البيزنطيون الذين هاجروا من القسطنطينية بعد سقوطها في يد العثمانيين وساعدت معرفة هذه اللغات القديمة على التعمق في فهم الكتب المقدسة التي كتبت بها أصلاً وموازنتها مع ما نقل منها إلى اللاتينية، كما ساعدت على دراسة تاريخ الكنيسة والاطلاع على ما أقحم في المفاهيم المسيحية مع الزمن.

وصار في وسع الكثيرين من غير رجال الإكليروس الاطلاع على حقائق الدين وتوجيه النقد إلى رؤوس الكنيسة ومحاورتهم في القضايا الروحية وتعاليم الإنجيل، ولاسيما ما يتعلق بالصور والأيقونات والتماثيل والطقوس الكنسية والمَطْهَر وشفاعة القديسين والإتجار بذخائرهم والحج إلى الأماكن المقدسة والرهبنة الإلزامية والطوعية وغير ذلك.

وكان للطباعة التي ظهرت في منتصف القرن الخامس عشر دور مهم في ترويج الثقافة المحلية والكتب ولاسيما الكتاب المقدس الذي غدا بين أيدي الجمهور، كذلك كان للأحكام التي تصدرها المحاكم الكنسية بحق دعاة الإصلاح ووسمهم بالهرطقة ورميهم بالحرمان دورٌ كبيرٌ في إثارة فضول الجماهير ودفعهم إلى الاستماع إلى أقوالهم وحججهم أو قراءة كتبهم لمعرفة أرائهم، وقد نالت مؤلفات بعضهم شهرة واسعة، فأعيد طبع كتاب إراسموس «مدح الحماقة» (1511م) نحو 75مرة في القرن السادس عشر، ولاقت مؤلفات فيليب ميلانكتون ومارتن لوثر وكلفن إقبالاً شديداً.

كذلك كان لظهور النزعة القومية دوره في دفع حركة الإصلاح، فقد كان الملوك والأمراء المحليون يسعون إلى تعزيز سلطتهم والخلاص من تسلط الامبراطورية الجرمانية المقدسة التي تدعي رئاسة العالم المسيحي ويدعمها الكرسي البابوي. فكانوا يغذون في رعاياهم روح التمرد على سلطة الامبراطور والبابا، ويبذلون ما في وسعهم للاستقلال بشؤونهم المالية وبناء قوات مسلحة خاصة بهم، ولما بدأت حركة الإصلاح سارع هؤلاء الملوك والأمراء إلى تأييدها وتبنيها ولم يخف مارتن لوثر نفسه هذه النظرة القومية حين اتهم رومة بنهب الشعب الألماني والتحكم بشؤونه. وفي خطب دعاة الإصلاح كثير من الأقوال التي تحمل هذا المعنى صراحة أو تلميحاً وتدعو النبلاء إلى مؤازرة حركة الإصلاح والتحرر من تسلط رومة.

وكان لتضخم ثروات بعض رجال الدين، بما كان يصلهم من هبات ومواريث الأغنياء الذين ينزلون عن ثرواتهم في مقابل «قصر في الفردوس»، وكذلك لاستئثار الأديرة والكنائس بإقطاعات كبيرة من الأراضي وإيرادات ضخمة من الجبايات شأن في إثارة نقمة الفقراء وحسد الأقوياء من الأمراء والحكام على السواء، ولاسيما بعد أن أخذت المدن في الاتساع بسبب رواج التجارة والصناعة وظهور طبقة متوسطة (برجوازية) من أصحاب الثروات الساعين إلى التخلص من سيطرة الإقطاع وأصحاب الأراضي، إضافة إلى الأوضاع المعيشية الصعبة التي كان يحياها الفلاحون وأقنان الأرض الذين كان عليهم أن يكافحوا لتلبية مطالب الكنيسة والحكام وأصحاب الأراضي من الإقطاعيين والنبلاء. وقد وجد كل هؤلاء في حركة الإصلاح مخرجاً يحررهم من التزاماتهم تجاه الكنيسة وقاعدتها رومة.

تطور حركة الإصلاح

بنت الكنيسة الكاثوليكية تعاليمها على أساس أن الإنسان يولد بالخطيئة التي ورثها عن آدم (الخطيئة الأصلية)، وهو يملك الاستعداد لارتكاب المعاصي في حياته الأرضية، وحين يجيء أجله فسوف ينتقل إلى العالم الآخر ويدخل الفردوس إن كان باراً، والمطهر أو الجحيم إن كان خاطئاً. والفرق بين المطهر والجحيم أن الخروج من المطهر ميسّر بالصلوات والقداسات التي تقام على الأرض من أجل نزيله، أما من يدخل الجحيم فلا يخرج منه أبداً، وباب الخلاص مفتوح للتائبين من الأحياء إذا أعلنوا توبتهم وكفروا عن خطاياهم ومارسوا الأسرار المقدسة السبعة، ويكون الخلاص بالأعمال الصالحة وإطاعة رجال الدين الذين بيدهم منح الغفران في مقابل تعويض عن الخطايا يؤخذ من كنز الكنيسة الروحي أو في مقابل عقوبات معينة تفرض على من يرغب في التوبة. وقد تمكنت الكنيسة بفضل أنظمتها هذه من ضبط أمور المؤمنين والمحافظة على وحدتها وضم أتباعها تحت جناحها، وكانت تشهر سيف الحرمان في وجه كل من تسول له نفسه مخالفة قوانينها. وكان ذلك يعني خروج المحروم من عضويتها ومنعه من المشاركة في أسرارها، وقد تحرمه من الخلاص في العالم الآخر أيضاً. وكانت السلطات السياسية الحاكمة تؤازرها في أحكامها خشية منها أو طمعاً في كسب دعمها، فكانت تلتزم تنفيذ تلك الأحكام بحذافيرها. وقد وجهت انتقادات كثيرة إلى ممارسات الكنيسة هذه التي كانت تحيط الناس بجو من الرعب وتجبرهم على الطاعة العمياء، وكان أكثر المنتقدين من المتنورين ورجال الفكر والفلسفة والأدب من أمثال دانتي وتوماس مور، ومن رجال الدين أنفسهم مثل المعلم إكهارت (1260-1328)  Eckhart  وتوماس كمبيس (1380-1471) Kempis   وغيرهم.

ولكن دعوة هؤلاء كانت تصطدم بمقاومة عنيفة وأحكام قاسية أقلها الرمي بالحرمان والاتهام بالهرطقة. ولعل أبرز تلك الحركات الناقدة تأثيراً ما ذهب إليه جون ويكلف (1320-1384) John Wyclif  الذي كان أستاذاً للاهوت في جامعة أكسفورد، فقد دأب على اتهام الكنيسة بمخالفة الكتاب المقدس وإنكار حق البابا بالتدخل في شؤون الدولة ودعا إلى إصلاح الكنيسة وقام بترجمة الكتاب المقدس إلى الإنكليزية ليطلع عليه كل من يلم بمبادئ القراءة والكتابة، ومع أنه حورب وصودرت مؤلفاته ونبش قبره بعد وفاته بأربعين عاماً فقد عدَّ رائد حركة الإصلاح، وتأثر به جون هس (1369-1415) John Huss أستاذ اللاهوت في جامعة «براغ» (بوهيمية) الذي دعا إلى العودة إلى تعاليم الإنجيل وعارض البابا في كتاباته، فعد من الهراطقة وحوكم وأعدم حرقاً، ولكن أفكاره انتقلت إلى مارتن لوثر وجون كلفن.

احتجاج مارتن لوثر

كانت ألمانية أول بلد في أوربة تبرز فيه آثار المشكلات والاتجاهات التي سبقت الإشارة إليها. فقد كان رجال الكنيسة الإيطاليون يهيمنون على السواد الأعظم من الكنائس الألمانية ويتصرفون بأموالها وثرواتها، وكان ذلك يثير نقمة الألمان واستياءهم. وزاد الجدل الذي نشب حول صكوك الغفران واستغلال رجال الكنيسة لها في حدة الأزمة. وفي آخر أيام شهر تشرين الثاني 1517 قام الراهب الأغسطيني الألماني مارتن لوثر [ر] بتعليق لائحة تضم 95 مسألة دينية على باب كنيسة القصر في مدينة فيتنبرغ Wittenbergيحتج فيها على قيام المرسل البابوي الكردينال «تتزل» Tetzel ببيع صكوك الغفران لتمويل بناء كنيسة القديس بطرس في رومة، وتوفية نفقات الكرسي الرسولي، ويهاجم فيها الأسس النظرية التي ارتكزت إليها هذه الصكوك، ويدعو إلى العودة بالكنيسة إلى تعاليم الإنجيل وصفاء الإيمان الرسولي في أيامها الأولى، ونبذ التقاليد والإضافات المحدثة. وكان هدف لوثر من لائحته طرح هذه القضايا للنقاش العلمي ولم يكن يتوقع انشقاقاً أو انفصالاً عن الكنيسة، ولكن طروحاته لاقت صدى محبباً لدى الشعب الألماني وتقبلاً من أمرائه، ووجد فيها بعضهم فرصة للتمرد على رومة والتحرر من قيودها دينياً ومالياً. ولم يتسرع لوثر بالمطالبة بتنفيذ ما طرحه، ولكنه راح يرد على النقد الذي وجه إليه في كراريس توضح وجهة نظره ومنها: «خطاب إلى نبلاء الأمة الألمانية»، و« حرية الإنسان المسيحي»، و«الأسر البابلي للكنيسة».

كان لوثر يرى أنه ليس ثمة واسطة بين الله والإنسان، فالإنسان ينال خلاصه بالإيمان وحده، وبنعمة من الله مباشرة، وليس من نعمة غير مباشرة تتأتى من الأفعال التي اصطلح على تسميتها «بالأعمال المجيدة» ولاسيما «ممارسة الأسرار المقدسة» التي يؤديها رجال الإكليروس في الكنيسة، وأن الله يحرر الخاطئ التائب من خطيئته ومن العقاب، ولا لزوم لصكوك الغفران من أجل ذلك. وتتلخص القضايا التي طرحها لوثر في مبادئ أساسية أهمها أن الكتاب المقدس وحده مصدر أصول الإيمان المسيحي، وهو كاف ليدل المؤمن على الله، وكل مسيحي يستقي إيمانه من هذا الينبوع، أما الخلاص فعمل فردي ومجاني ينعم الله به على المؤمن، فكل مؤمن كاهن بذاته وهو مسؤول أمام الله مسؤولية مباشرة، أما الكنيسة بتعاليمها ورجالها وباباواتها فليست بالضرورة وسيطاً بين الإنسان وربه وليس لها أي سلطان. وقد رفض لوثر كل الأسرار المقدسة سوى اثنين منها: العماد والعشاء الرباني، الذي رأى لوثر أن المسيح حضره فعلاً لا رمزاً.

وجدت الكنيسة الكاثوليكية في آراء لوثر تعارضاً مع أساسياتها فرماه البابا ليون العاشر بالحرمان في كانون الثاني 1521 وعده هرطيقاً، وأمر بإحراق مؤلفاته. ورد لوثر على ذلك الإجراء بإحراق البراءات والوصايا البابوية التي كانت بحوزته وفيها منشور الحرمان الذي صدر بحقه. ودعاه الامبراطور شارل الخامس (رأس الامبراطورية الرومانية المقدسة) إلى حضور مجمع في مدينة فورمس Worms في نيسان 1521، وطلب منه المجمع أن يتراجع عن قضاياه فرفض، فأدانه المجمع خارجاً على القانون ومعانداً للسلطة، وأصدر الامبراطور مرسوماً بالقبض عليه. ولكن الأمير فريدريك «منتخب» سكسونية الجرماني حماه ودبر أمر إخفائه في قلعة فارتبرغ Wartburg وقد زادت شعبيته وحظي بتأييد الكثير من الأمراء والعلماء والمثقفين.

وفي مأمنه في قلعة فارتبرغ شرع لوثر بترجمة العهد الجديد إلى اللغة الألمانية عن نسخة إراسموس المترجمة عن اليونانية وتابع الترجمة بعد خروجه من مخبئه، كما ترجم العهد القديم بعد ذلك، وأتم ترجمة الكتاب المقدس عام 1534م. وفي غياب لوثر عن مدينته فيتنبرغ حدثت اضطرابات بسبب الجدل القائم حول كتاباته وآرائه، فاصطدم الطلاب برجال الإكليروس، ونشبت فتنة محلية احتجاجاً على أسقف تريير Trier دعيت حرب الفرسان (1522-1523)، كما تمرد الفلاحون على النبلاء في فتنة ثانية عرفت بحرب الفلاحين (1524-1525)، فبادر لوثر بالعودة إلى المدينة ودعا الأمراء إلى سحق التمرد الذي انتهى بقتل نحو 100000 شخص، ثم عقد مجمعاً ضم جمهور دعاة الإصلاح وأصدر مقررات دعت إلى منح الرهبان حرية ترك الأديرة أو البقاء فيها فلا رهبانية في الإنجيل، ومنع الرهبان من التسول، وأبطل القداس وعبادة العذراء، وألغى التمييز بين رجال الإكليروس والعامة ووساطتهم بين الله والناس. وانضمت طائفة «القائلين بتجديد العماد» إلى الصراع الدائر مطالبة بتغييرات دينية واجتماعية جذرية، وفي عام 1526 عقد مجمع سْبَيِر Speyer الأول الذي منح دعاة الإصلاح وعداً يخولهم ممارسة العبادة بحرية كاملة على أساس تعاليم الإنجيل، ولكنه عاد فألغى مقررات جلساته الأولى وتوعد المخالفين بوسمهم بالهرطقة، وأدى ذلك إلى استياء كبير في صفوف الأمراء الإنجيليين ودعاة الإصلاح. وحاول الامبراطور شارل الخامس إعادة الحياة إلى الكاثوليكية في ألمانية بعد أن تكاثر أتباع اللوثرية فدعا إلى عقد مجمع ثان في سبير في شهر نيسان سنة 1529م، وقرر المجمع تحريم البدع ومنع أي تجديد في العقيدة أو طقوسها، بيد أن دعاة الإصلاح والأمراء اللوثريين تقدموا باحتجاج protest على تلك المقررات وعرف هؤلاء منذ ذلك التاريخ باسم المحتجين (البروتستنت protestant)، وتضمن احتجاجهم طلباً بمنع الحكام والنبلاء من التدخل في الأمور الدينية، ورفض السلطة المطلقة للكنيسة فالسلطان لله وحده، وسلطة الكتاب المقدس فوق الكنيسة. وحاول مجمع أوغسبرغ Augsburg الذي عقد في صيف 1530 تسوية الخلافات بين الكاثوليك والبروتستنت، وعرض البروتستنت تقديم بعض التنازلات، لكن الكاثوليك رفضوها. وخشي الأمراء البروتستنت الألمان بطش الامبراطور وأتباعه من الأمراء الكاثوليك فتعاهدوا على تأليف عصبة منهم عرفت باسم شمالكالديك (1531) Schmalkaldic. وكانت الكنيسة الكاثوليكية قد عمدت في تلك الآونة إلى إدخال بعض الإصلاحات على نظمها لمقابلة التحديات البروتستنتية، ودعا البابا بولس الثالث إلى عقد مجمع في ترنت Trent سنة 1545 رفض البروتستنت حضوره. وعندئذ قرر الامبراطور شارل الخامس إعادة اللحمة إلى الكنيسة بالقوة وشن الأمراء الكاثوليك حرباً شعواء على عصبة شمالكالديك لم تسفر عن نتيجة في صالح أي من الطرفين وتمت تسوية الأمر بمعاهدة سلام أبرمت في أوغسبرغ عام 1555 واتفق فيها على ترك الخيار للأمراء في تبني المذهب اللوثري أو الكاثوليكي، وعلى اختيار الأمير يتوقف مذهب أتباعه، ومن لا يرغب من الأتباع في هذا المذهب عليه أن يغادر مقاطعة الأمير إلى مقاطعة أخرى يسود فيها مذهبه.

كانت شروط صلح أوغسبرغ مجحفة في حق دعاة الإصلاح من الطوائف الأخرى فقد اقتصرت  على اللوثرية والكاثوليكية، وكانت سبباً من أسباب استمرار التوتر بين اللوثريين والكاثوليك ودعاة الإصلاح الآخرين وأفضت في خاتمة المطاف إلى حرب الثلاثين عاماً (1618-1648).

فقد لوثر في خضم هذه الاضطرابات وأعمال العنف كثيراً من شعبيته بين جمهور الإنسانيين، كما فقد تأييد الفلاحين حين دعا إلى سحق ثورتهم، وتأييد دعاة الإصلاح بعد مجمع سبير، وبذلك انفصلت اللوثرية عن بقية جماعة الإصلاح. ولكنه تمكن من تحقيق عدد من الإصلاحات الدينية في تلك الآونة كإغلاق الأديرة وإلغاء الصور والأيقونات وإلغاء الصوم وعدم زواج رجل الدين والاعتراف والقداسات الخاصة، واشتغل بتدريب رجال الدين الجدد على أداء خدمة القداس بالألمانية مع الوعظ والترتيل.

أسس الأمراء الألمان من أتباع لوثر  كنائس لوثرية في ممتلكاتهم فصارت الكنائس الرسمية في ألمانية. ولم تقتصر دعوات الإصلاح على ألمانية وحدها بل تعدتها إلى أقطار أوربية كثيرة ومنها سويسرة وهولندة وفرنسة وإنكلترة، بيد أن اللوثرية هي التي سادت في البلاد الاسكندنافية في حين كان أثرها متفاوت في مناطق أخرى مثل بولندة وهنغارية واسكتلندة وإنكلترة.

حركة تسفنغلي

في الوقت الذي كان مارتن لوثر يتوجه بخطابه إلى النبلاء الألمان كان هالدريخ تسفنغلي يعظ مواطنيه في زوريخ، ويدعو إلى رفض سلطة البابا وإلى سيادة الكتاب المقدس، ويدين كل الممارسات والمعتقدات الدينية التي لم تذكر على نحو محدد في الكتاب المقدس، بيد أن تسفنغلي اختلف عن لوثر في قوله إن تمثل المسيح في العشاء الرباني ليس حقيقة بل رمزاً، كما أنه نادى منذ البداية بالاستقلال عن رومة. وقد تبنى مجلس مدينة زوريخ أفكار تسفنغلي عام 1523 ووضعها موضع التنفيذ وأصبحت للمدينة حكومة دينية تتبع كنيسة تسفنغلي، وانتقلت أفكار تسفنغلي جنباً إلى جنب مع آراء لوثر إلى مدن بازل Basel وبيرن Bern وستراسبرغ على يد رجال مثل يوهانس أوكولمبديوس Johannes Oecolampadius ومارتن بوسر Martin Bucer. وفي عام 1527 تألف مجلس وطني للكنائس التسفنغلية (أو الإنجيلية) وساعد هذا المجلس، كما ساعدت الترجمة السويسرية للكتاب المقدس، على وحدة المذهب التسفنغلي، ولكن كثيراً من الكانتونات السويسرية ظلت على ولائها للكاثوليكية ولجأت إلى رأس الامبراطورية الرومانية المقدسة بطلب المساعدة، فكانت الحرب وسقطت زوريخ وقتل تسفنغلي ولكن أفكاره لم تمت وظلت مصدر إلهام للكنائس التي تبنت الإصلاح.

طوائف الإصلاح المتطرفة (الراديكالية)

ظهرت مع بداية القرن السادس عشر عدة طوائف تنادي بإصلاح جذري في كل من سويسرة وألمانية والأراضي المنخفضة، ومن أشدها تطرفاً جماعة القائلين: «بتجديد العماد»، ويعد هؤلاء الأكثر تشدداً وتمسكاً بقواعد الكتاب المقدس من أقرانهم البروتستنت. وقد أطلق عليهم هذا الاسم لأنهم جددوا تعميدهم بعد سن الرشد مع أنهم نالوا هذا السر المقدس في طفولتهم، ذلك أن الإنجيل ذكر «عماد» البالغين فقط.

وقد عارض هؤلاء سلطة الكنيسة، وآمنوا بأن لكل فرد مؤمن حق في الحصول على وحيه الإلهي، منكرين أية رابطة بين الكنيسة والدولة. وكان جل القائلين بتجديد العماد من الطبقة الدنيا وينادون بإعادة تنظيم المجتمع على نحو جذري وإلغاء الملكية الخاصة من أجل إقامة مملكة الله على الأرض. وفي هذه المملكة يكون كل الرجال أخوة ويشتركون في الملكية كما كان المسيح وتلامذته. وكان أتباع هذه الطائفة وراء تمرد الفلاحين. وقد أثارت معتقداتهم مخاوف الكاثوليك ودعاة الإصلاح على السواء، فتصدى لهم اللوثريون في تسفيكاو Zwikau ومدن ألمانية أخرى، واستولى جيش كاثوليكي على مدينة مونستر Münster حيث كان أتباع هذه الطائفة بزعامة الخياط الهولندي جون من لايدن يمارسون تعدد الزوجات والحياة المشاع. وطورد المسالمون منهم من مدينة إلى أخرى مثل برتران من زوريخ وملاشيوهوفمن الفراء من مورافية، إلى أن وصل أتباع هذا الأخير إلى اسكندنافية، في حين هاجر أتباع الهولندي منوسيمونز المعتدل إلى أمريكة واختار آخرون الاستقرار في إنكلترة.

الإصلاح الكلفيني

ظهر في فرنسة في أوائل القرن السادس عشر حركة إصلاح ديني مستقلة عن تلك التي كانت تتفاعل في ألمانية، وكان رائدها القس الإنساني جاك لوفيفر ديتابل Jacques Lefèvre d’Etables وتلميذه أسقف مدينة «مو» Meaux، وقد أكد زعماء هذه الحركة أهمية الإيمان وشروطه وضرورة ترجمة الكتاب المقدس إلى الفرنسية إضافة إلى مطالب أخرى بيد أنهم لم يسعوا إلى الانفصال عن الكنيسة الكاثوليكية ولم يكن لحركتي لوثر وتسفنغلي أي تأثير عليهم، وقد أيد الملك الفرنسي الكاثوليكي المصلح فرانسوا الأول هذه الحركة وأتباعها ووفر لهم حرية العمل في بادئ الأمر، ثم لم يلبث أن أطلق يد الكنيسة الكاثوليكية لقمعهم وعدهم من الهراطقة بعد أن امتد نفوذ البروتستنتية إلى فرنسة وتفاقم أمرها، وخشي الملك قيام ثورة تشبه حرب الفلاحين في ألمانية، ولكن اثنين من زعماء الإصلاح وهما جون كلفن (1509-1564) John Calvin  وغيوم فارل(1486-1565) Guillaume Farel   تمكنا من الفرار إلى جنيف (سويسرة)  وراحا يعملان على نشر أفكارهما هناك (1536). وفي سنة 1538 أبعد كلفن إلى بازل حيث تابع نشاطه حتى عودته إلى جنيف عام1541.

وضع كلفن أول كتبه «أسس الدين المسيحي» Institutes of Chrstian Religion بعد عام 1531 وحدد فيه مبادئ الإصلاح بأسلوب واضح، وأكد قدرة الله المطلقة وسلطان الكتاب المقدس وخطيئة الإنسان، وأنكر بعض المبادئ الكاثوليكية وسلطة البابا، وسعى إلى تطبيق مبادئه هذه عملياً بإقامة حكومة في جنيف على أساس ديني مع تأكيد حق الشعب في الإطاحة بأية حكومة يعتقد بأنها تتناقض مع إرادة الله، ومن جهة أخرى طرح كلفن صورة أخرى للعشاء الرباني كانت وسطاً بين مايراه لوثر وتسفنغلي، فقال إن المسيح لم يتمثل في العشاء رمزاً ولا جسداً بل كان تمثله روحاً فقط. وقد نجحت كنيسته في فرض قوانين صارمة على مواطني جنيف، وشرع القساوسة الذين تدربوا عليها في نشر الكلفينية في أنحاء أوربة إلى جانب التسفنغلية. ولكن الكلفينيين الفرنسيين واجهوا اضطهاداً شديداً من الكاثوليك المهيمنين على شؤون البلاد والذين تدعمهم إسبانية الكاثوليكية ودارت رحى حرب دامية بين عامي 1562 و1598 إلى أن أصدر الملك هنري الرابع مرسوماً يمنح الكلفينيين حرية الاعتقاد، وقد عرف هذا الأمر باسم «مرسوم نانت»، بيد أن لويس الرابع عشر أصدر في عام 1685 أمراً ألغى مرسوم نانت في محاولة لتوحيد فرنسة تحت لواء كنيسة كاثوليكية تتبع الدولة، واضطر أكثر الكلفينيين إلى النجاة بأنفسهم إلى خارج فرنسة وانتقل كثير منهم إلى القارة الأمريكية الجديدة.

أما الكلفينيون الذين انتقلوا من جنيف إلى الأراضي المنخفضة فتمكنوا من التغلب على النفوذ اللوثري فيها وأسهموا إسهاماً كبيراً في تمرد الهولنديين بزعامة وليم أوف أورانج على الإسبان الكاثوليك. ونجحت الكلفينية في تأسيس كنائس لها في بوهيمية ومورافية وهنغارية وبولندة. أما في اسكتلندة فبلغ الصراع ذروته في عهد الملكة ماري الكاثوليكية، وقضى قسم كبير من دعاة الإصلاح في سبيل الدعوة، بيد أن جون نوكس أحد أتباع كلفن نجح في توحيد صفوف أكثر نبلاء اسكتلندة، واستطاع بمساعدة الإنكليز تنحية الملكة ماري (1542-1587) وتتويج ابنها الصغير الذي غدا فيما بعد الملك جيمس السادس البروتستنتي (حكم 1603-1625).

الحركة الانغليكانية

لم تنفصل إنكلترة عن الكنيسة البابوية إلا في عهد هنري الثامن (حكم 1509-1547) مع أن كثيراً من ملوك إنكلترة السابقين كانوا في خلاف مع الكرسي البابوي. وكان هنري الثامن يعد نفسه كاثوليكياً متشدداً، ولكن اهتمامه كان منصباً على توسيع نطاق ملكه وإنجاب وريث له، ولما رفض البابا كليمنت السابع فسخ زواجه من كاثرين أميرة آراغون التي لم تنجب له وريثاً ذكراً للعرش أوحى إليه الأسقف توماس كرانمرThomas Cranmer  (1489-1556) بحلٍ لفسخ زواجه وتزويجه من آن بولين Anne Boleyn من دون الرجوع إلى البابا. ولم يلبث هنري الثامن أن ألف مجلساً تشريعياً وطنياً استطاع عن طريقه إصدار قرارات حدت من إرسال الأموال إلى السدة البابوية والاحتكام إليها في القضايا الشرعية.

وفي عام 1534 أصدر المجلس مرسوماً نصب فيه الملك هنري الثامن رأساً أعلى للكنيسة في إنكلترة، وكان من أولى الخطوات التي اتخذها الملك بصفته هذه حل الأديرة الإنكليزية وتوزيع أملاكها على مؤيديه، كما أمر بنشر النسخة المترجمة إلى الإنكليزية من الكتاب المقدس وتعيين الأسقف كرانمر أسقفاً على كنتربري. وبعد وفاة هنري الثامن وتولي إدوارد السادس العرش سعى الأسقف كرانمر إلى تقريب وجهات النظر بين الكنائس البروتستنتية وكنائس الإصلاح الأخرى في أوربة. وسمح لرجال الدين بالزواج وأتلفت الأيقونات والصور والتذكارات الدينية، وجرى تبسيط طقوس الصلاة في الكنيسة.

ولما ارتقت ماري الأولى تيودور ابنة هنري الثامن العرش (1553-1558) أرادت الانتقام من البروتستنت لفتواهم بحق والدتها كاثرين فاضطهدتهم وأمرت بحرقهم وفر قسم كبير منهم إلى أوربة وانضوى بعضهم تحت لواء الكلفينية، ثم عادوا إلى إنكلترة بعد أن جلست على العرش إليزابيت الأولى[ر] ابنة هنري الثامن وكانت بروتستنتية. وقد وضعت في أولوياتها إقامة حكومة ملكية قوية والتأهب لصد غزو إسبانية الكاثوليكية الذي كان محتملاً في ذلك العهد. فسعت إلى توحيد القوى بضم الغالبية الكاثوليكية والأقلية البروتستنتية وكل أنصار الإصلاح الآخرين تحت لواء الكنيسة الانغليكانية الوطنية التي تم إحياؤها من جديد. وعُدَّ كتاب الصلوات الذي صدر عام 1559 مع المقالات التسع والثلاثين التي صدرت عام 1563 مرشداً للمذهب الانغليكاني، ووسطاً بين وجهات النظر الكاثوليكية والبروتستنتية وغيرها. وطلب من جميع الإنكليز الانضمام إلى كنيستهم الوطنية. بيد أن الانغليكانية لم تنل رضاء كل الشعب الإنكليزي فكان منهم الكاثوليك المتشددون الذي وسموا بالتآمر على التاج مع القوى الأجنبية فكانوا يتعرضون لعقوبات صارمة إذا ماضبطوا يمارسون طقوس مذهبهم. ومن جهة أخرى كان هناك جماعات لم تلتزم بالكنيسة الانغليكانية من البروتستنت وغيرهم ممن يرفضون رفضاً باتاً القبول بالعناصر الكاثوليكية.

وقد صنف هؤلاء في مجموعتين، ضمت الأولى المتطهرين المعروفين باسم البيوريتان[ر] Puritans أو «المشيخيين» وهم الأغلبية وأكثرهم من التجار الأغنياء، وضمت المجموعة الأخرى المنشقين أو المستقلين، وهم الأقلية وأكثرهم من الطبقات الدنيا ولهم كنائس طوعية لا ترتبط بالدولة. وفر بعض غير الملتزمين من المجموعتين إلى القارة الأمريكية هرباً من الاضطهاد وأسهموا في استقلالها عن إنكلترة. في حين انضم من بقي منهم في إنكلترة إلى ثورة البيوريتان (1642-1649) وحصلوا فيما بعد على حريتهم في العبادة، كما نجحوا في فرض مبادئ الحكم البرلماني التي نادوا بها وحاربوا من أجلها للحد من سلطة الملك مع بقاء الكنيسة الانغليكانية صاحبة القرار في إنكلترة.

المصدر: الموسوعة العربية

هذا المقال لا يعبر سوى عن رأي كاتبه، ولا يعبر بالضرورة عن رأي فريق المكتبة العامة






تعليقات الفيسبوك