ماذا تعرف عن النسطورية ؟

ماذا تعرف عن النسطورية ؟ – عائشة خير الله ومحمد الزين

النسطورية Nestorianism تسمية أطلقت على مذهب تدين به طائفة مسيحية شرقية تنسب إلى مؤسسها نسطوريوس[ر] Nestorios أحد كبار رجال الدين في القرن الخامس وبطريرك القسطنطينية (428ـ 431م) الذي قال بوجود طبيعتين منفصلتين للسيد المسيح انطلاقاً من تعاليم مدرسة أنطاكية اللاهوتية التي ينتمي إليها، وفحواها أن الطبيعتين الإلهية والبشرية لم تتحدا اتحاداً كاملاً في المسيح. وتطور هذا المذهب إلى القول: إن للمسيح طبيعة بشرية مكتملة، وإن ألوهيته لا تنسحب على أمه مريم، ومن ثم لا يجوز تسمية العذراء «والدة الإله»، وإنما «والدة المسيح»؛ لأنها لم تلد إلهاً بل إنساناً، وهو الذي تألم ومات على الصليب.

وقد تصدى لهذه الآراء بطريرك الإسكندرية كيريلّوس Kyrillos، وقاد حملة شعواء ضد نسطوريوس تكللت بقرارات مجمع إفسوس الديني عام 431م التي سفهت آراءه، وحكمت عليه بالنفي والحرمان فمات منفياً في صحراء مصر الغربية عام 451م.

على أن عدداً من أخلص أنصاره تابعوا حمل رسالته على الرغم من اضطهادهم وملاحقتهم وأسسوا مدرسة لاهوتية في إديسا Edessa ـ ترأسها نارساي[ر] Narsai أحد كبار الشعراء واللاهوتيين السريان، عملت على نشر مبادئ النسطورية النابعة من تراث مدرسة أنطاكية وتعاليمها اللاهوتية التي وضعها المعلمون الثلاثة الكبار: ديودوروس الطرسوسي Diodoros وثيودوروس المصيصي Theodoros of Mopsuestia ونسطوريوس.

وعندما تفاقم النزاع مع أتباع مذهب الطبيعة الواحدة (المونوفيزيقية) أُغلقت مدرسة إديسا بمرسوم امبراطوري عام 489م، والتجأ أساتذتها وطلابها إلى مدينة نصيبين Nusaibin في شمالي سورية التي كانت آنذاك تحت السيادة الفارسية، وصارت المركز الديني للنساطرة برئاسة الأب برصوما Barsauma (المتوفَّى 490م) أسقف نصيبين الذي رعى المدرسة اللاهوتية النسطورية التي تأسست فيها، وكان لها الفضل في نشر النسطورية في الامبراطورية الساسانية في عهد الملك فيروز الأول Firuz I ت(459 ـ 484م) الذي رغب في استثمار النسطورية سياسياً؛ إذ كان من شأن ذلك أن يبعد نصارى مملكته عن نصارى دولة الأعداء، وبذلك ترسخ الانشقاق بين كنائس الشرق المسيحية.

ثم ظهر العالم اللاهوتي الكبير باباي Babai ت(559 ـ 627 م) الذي بقيت كتاباته الموسعة عن النسطورية والقوانين التي رسخها أكبر مرجع مقدس للنساطرة في العهدالإسلامي. وانتقل بطريرك الطائفة من طيسفون إلى مقربة من بغداد حيث اضطلع النساطرة بدور ثقافي عظيم الأهمية في حركة الترجمة، وكان ينظر في بعض الأوقات إلى البطريرك النسطوري بوصفه الممثل الرسمي للمسيحيين في دار الإسلام. وقد كان للكنيسة النسطورية نشاط تبشيري كبير في الشرق وصل إلى الهند وعلى امتداد طريق الحرير عبر آسيا الوسطى حتى الصين.

عاش النساطرة أحداثاً مثيرة كثيرة، لعل أبرزها اكتساح المغول في القرن الخامس عشر إيران والعراق والفتك بأتباعهم، وثانيها نجاح البعثات التبشيرية في القرن السادس عشر في إعادة القسم الأكبر من النساطرة إلى أحضان الكنيسة الكاثوليكية، وهم الذين عرفوا فيما بعد بالكلدان. وآخرها عندما انضم قسم أقل من النساطرة إلى الكنيسة الأرثوذكسية الروسية سنة 1898 على يد المطران «مار يونان». أما نساطرة كردستان فقد تمسكوا بالنسطورية وأطلق عليهم فيما بعد «الآشوريون».

وفي الحرب العالمية الأولى انتصر النساطرة للدولة الروسية ضد العثمانيين، وارتكبوا عدداً من المجازر بحق الأكراد. وفي أعقاب مؤتمر القاهرة 1921 أسس البريطانيون بدعم من رئيس وزراء بريطانيا ونستون تشرشل[ر] كتائب من النساطرة هدفت إلى دعم البريطانيين ضد الوطنيين العراقيين في محاولة كسب تأييد بريطانيا لتأسيس دولة خاصة بهم، لكن ثورتهم سنة 1933 لم تحقق لهم ذلك. وبعد حرب الخليج 1991 نجحت البعثات التبشيرية في تهجير عدد كبير من النساطرة إلى أمريكا وأستراليا وأوربا. وتعدّ الكنيسة النسطورية اليوم عضواً في المجمع المسكوني الفاتيكاني الثاني بصفة مراقب، إضافة إلى عضويتها في المجلس المسكوني لكنائس الشرق الأوسط، ولغة الطقوس لهذه الكنيسة هي السريانية.

المصدر: الموسوعة العربية

هذا المقال لا يعبر سوى عن رأي كاتبه، ولا يعبر بالضرورة عن رأي فريق المكتبة العامة

هذا المقال لا يعبر سوى عن رأي كاتبه، ولا يعبر بالضرورة عن رأي فريق المكتبة العامة







تعليقات الفيسبوك