ماذا تعرف عن الفيلسوفة الأمازيغية “أريتة القورينية” ؟

ماذا تعرف عن الفيلسوفة الأمازيغية “أريتة القورينية” ؟

لا يخفي علينا أن التاريخ المنقوش على الحجر كما قد يهرول الكثيرون اليه، لا ينقل الينا سوى نقوش حيوانات أو أجساد ما تحمل تعابير مختلفة أو تجسد لهوية وثقافة وحضارة شعب… لكن التاريخ أيضا وهو ما يجب أن نجالسه مرحلة مرحلة لنعرف حقيقته، الصواب من الخطأ والخطأ من الصواب كـ قاعدة أساسية نلمس من خلالها الروح الجلية التي يختزنها، في كل ما يتعلق بالتاريخ الحقيقي للشعب الامازيغي.

هكذا يمكن أن نتقصى بكل منطقية وبعيدا عن تلك العاطفة أو النعرة السالبة، لنبني من جديد حضارتنا التي يريد الكثير من الاعداء أن يطمسها تحت ذرائع مختلفة، كان أولها الانصهار والعربنة والادلجة الممكنة لكل ما هو أمازيغي.

إن التاريخ الامازيغي ملء بالمفاجئات، ملء بالحكم أيضا، ملء برجال ونساء وقفوا جنبا إلى جنب حتى بنو الاساس التي كانت عليه كل شعوب شمال افريقيا اليوم، رغم المحاولات المتكررة الهاذفة إلى ابادة اللغة والهوية، وتقنين الثقافة وتشريد انسانها…

عبر التاريخ، هناك رجال ونساء كما قلنا، تركوا بصمتهم في كل مكان ومجال، في كل فن وعلم وأدب، ساهموا في اغناء الحضارة البشرية بأقلام وأقوال وكتب مازالت شعوبا على هذا الكوكب تمشي عليها وتبني عليها معارفها وعلومها ومنطقها…

كان هناك رجال أسسوا لمدارس علم، وبنو قواعد مجموعة من العلوم البشرية بكل أصنافها، وتحولوا إلى مراجع ورموز وأيقونات فكرية وثقافية وأجتماعية… وكذا سياسية وأقتصادية، طبية، زراعية وكل مشارب العلوم الكونية.

كان هناك فلاسفة وعلماء، مثقفين وكتاب وشعراء وأدباء ولدتهم تمازغا منذ ما قبل التاريخ، وضعوا قواعد العلوم وتركوا بصمة أمازيغية فيها بالرغم من كثير من الافعال الشنيعة التي لاحقت أسماؤهم محاولة طمس انتمائهم الحقيقي والهوياتي إلى شعوب شمال افريقيا الأمازيغية منذ فجر التاريخ.

من بين هؤلاء بزغ فجر الفلسفة، مما يفسر بكل صدق أن المرأة الأمازيغية كانت حرة في فكرها وعقلها، وتنافست في كل جانب من العلم والمعرفة، وبنت أفكار ونظريات من خلال عقلها المبدع والعبقري…

الفيلسوفة الأمازيغية أريتة القورينية التي نقش على قبرها : ”كانت تمتلك جمال هيلين، وفضائل ثريما، وقلم أريستبوس، وروح سقراط ولسان هوميروس.”

Arete de Cyrene

الفيلسوفة الأمازيغية أريتة القورينية

اريتة القورينية هي ابنة الفيلسوف أريستبوس القورينائي التي عاشت في القرن الرابع قبل الميلاد، ومنطقة قورينة تقع في ليبيا، أبوها هو مؤسس المدرسة القورينائية للفلسفة، كما أنه تلميذ الفيلسوف سقراط، إلا أن توجه مخالف نوع ما، لتبنيه وجهة نظر فلسفية مبنية على أن :” هدف الحياة هو البحث عن اللذة وذلك من من خلال تكييف الظروف لصالح الفرد، مع المحافظة على نوع من السيطرة على حالتي العوز والازدهار…” إذ تعتبر الفيلسوفة أبنته تلميذة من تلاميذه.

Aristippus

الفيلسوف أريستبوس القورينائي مؤسس المدرسة القورينائية للفلسفة.

الفلسفة داخل أسرة “اريستبوس” متداولة عبر التاريخ، متوارثة من جيل إلى جيل أخر، لدى فالفيلسوفة أريتا تعلمت على يد والدها، صاحب مذهب اللذة، الذي أخذ هو أيضا دراسته الفلسفية من أستاذه سقراط، فعلمت الابنة ابنها أيضا الفلسفة اريستبوس الصغير، الملقب بـ”تلميذ أمه” فتسلمت مفاتيح مدرسة والدها القورينائية للفلسفة، علما أن هناك بعض الاشارات التي تقول أن مؤسس هذه المدرسة كان أبنها الملقب تلميذ أمه…

إن أريستببوس وإبنته الفيلسوفة أريتا، كانا أوفياء للفيلسوف سقراط. ففي رسالة أرستبس إلى ابنته أريتا، عهد وفاء من التلميذ اريستبوس إلى أستاذه سقراط ، ومن الفيلسوفة “أريتا” إلى أبيها الفيلسوف أريستبوس ومن خلاله إلى أستاذه الفيلسوف سقراط ، وذلك بتوفير الحياة اللائقة والمحترمة لعائلة الفيلسوف سقراط بعيد إعدامه على يد الديمقراطيين.

وقد حملت رسالة أريستيبوس التي أورخت الى القرن الاول قبل الميلاد، تحمل توصيات تخص اريتا الفيلسوفة وابنها وسقراط وعائلته. وقد جاء على لسان والدها في تلك الرسالة :

” إنك لازلت تمتلكين ضيعتين، وهما تكفيان لكي يوفرا لك حياة كريمة، وهما في مدينة برنيس ” بنغازي حاليا) وإذا لم يبقى لديك سوى هاتين الضيعتين، فإنهما كافيتان لسد حاجتك اليومية، بل وأن تعيشي بمستوى عال…” هو نص الرسالة. كما أقترح عليها بعد وفاته، أن ترحل إلى أثينا وتستقر فيها، وأن تسعى بكل جهد على توفير تعليم عال لولدها ” أريستبوس الصغير”، هذا ما يوضح أن أريتا كانت تعيش حياة مترفة في قورينا. كما أن الرسالة أيضا تحمل طلب يقول فيه والدها أن تعيش مع ” أكسانثبي ” زوجة سقراط، ومع “ماريوتو” وكذلك سألها أن تنظر إلى لمبروكلس (وهو إبن سقراط الأكبر من أكسانثبي والذي جلبته معها إلى المحكمة) كطفل لها .

وأوصاها بتبني بنت خادمهم يوبيس، ومعاملتها كبنت حرة. وألح عليها بالعناية بالصغير أريستبوس لأنه الوريث الحقيقي للعائلة وللفلسفة. وحسب إفادة أرستبس الجد “هذا هو الميراث الحقيقي الذي أتركه، وسيكون له في قورنيا اتباع وأعداء …”

وأخيراً فقد زعم الأب جون أوغسطين زاهام (1921 – 1851 م) والذي كان يستخدم اسماً مستعاراً في الكتابة ، وهو ” موزانز ”، إن واحداً من الأكاديميين في القرن الرابع عشر، وهو ” جيوفاني باكشو ” (1375 – 1313) والمعروف بنزعته الإنسانية في عصر النهضة وصاحب كتاب ” مشاهير النساء ” والذي ترجمته وصححته فرجينا براون ، ونشرته مطبعة جامعة هارفارد 2001، وقد حصل جيوفاني حسب موزانز على معلومات تخص ” أوائل الكتاب اليونانيين ” والتي مكنته من تقييم مكانة الفيلسوفة أريتا، فقال :

” قيل إن أريتا كانت معلمة للفلسفة الطبيعية والأخلاقية في مدارس وجامعات اليونان واستمرت في التعليم لمدة خمس وأربعين سنة، وكتبت أربعين كتاباً، وكان من بين طلابها مئة وعشرة فيلسوفاً، وكانت محترمة من قبل رجال بلدها، حتى إنهم نقشوا على قبرها عبارة تشريف تقول :

” إنها كانت تجسد عظمة اليونان، وتمتلك جمال هيلين، وفضائل ثريما، وقلم أرستبس، وروح سقراط ولسان هوميروس… “

المصدر: تيفسابريس

هذا المقال لا يعبر سوى عن رأي كاتبه، ولا يعبر بالضرورة عن رأي فريق المكتبة العامة

هذا المقال لا يعبر سوى عن رأي كاتبه، ولا يعبر بالضرورة عن رأي فريق المكتبة العامة






-->

تعليقات الفيسبوك