تأويل رموز فيلم (غرباء)

تأويل رموز فيلم (غرباء) – بقلم: خيال بعيد

هو فيلم سينمائي من انتاج عام 1973 ومن تمثيل سعاد حسني وحسين فهمي وعزت العلايلي وشكري سرحان وغيرهم . وفي الحقيقة لم اشاهد هذا الفيلم الا في عام (2012) عندما كنت ابحث على موقع اليوتيوب عن الافلاك القديمة. وقد تعجبت كثيرا عندما وجدت هذا الفيلم لأني لم اشاهد ه من قبل سواء على شاشة التلفزيون المصري او على قناة فضائية !! بالرغم من المستوى العالي لهذا الفيلم في الفكرة والاخراج والتمثيل والسيناريو والحوار. وبالتأكيد هناك سر وراء هذا التعتيم وربما يكون متعمد ليس على مستوى عرض الفيلم فقط بل على مستوى الحديث عنه فأنا اتابع كلام النقاد عن تاريخ السينما المصرية واهم الافلام فيها ولا اذكر أني سمعت ناقد يتحدث عن هذا الفيلم رغم انه يستحق الحديث عنه بل وشرحه وتأؤيل الرموز التي يتضمنها وما تشير اليه.

الرموز

تدور قصة الفيلم حول طالبة جامعية حائرة بين ثلاث اتجاهات من الافكار والاراء. وكل اتجاه منها يعبر عنه رجل ولذلك فهناك ثلاث رجال اما الاول فهو اخوها(احمد) والذي يعبر عن فكر المتأسلمين اما الثاني فهو استاذها (فؤاد) والذي يعبر عن فكر العلمانيين والثالث هو حبيبها (سمير ) والذي يعبر عن فكر الوجوديين وطوال الفيلم يقوم كل رجل منهم بعرض فكرته عن الحياة والمجتمع والحقيقة ويدعو الطالبة الجامعية الى اعتناق هذه الفكرة ورفض غيرها من الافكار ولكن الطالبة تظل حائرة بين هذه الاتجاهات الثلاثة الى اّخر الفيلم عندما ينتحر استاذها فؤاد ويترك لها رسالة وبعد قراءتها تبدأ في التفكير ان هناك اتجاه رابع حقيقي موجود ولكنه غير مرئي

رموز الفيلم

اول رمز يقابلنا هو ان هذه الطالبة هي رمز ل (مصر ) الحائرة بين هذه الاتجاهات الثلاثة ولا تعرف في اي اتجاه تسير لأنها ترى ان لكل اتجاه منها وجاهته. ومن ضمن الرموز ايضا الاسماء التي اطلقها مؤلف الفيلم على الابطال فقام بتسمية الطالبة الحائرة باسم (نادية يوسف ) اي التي تنادي على يوسف وكما ان النبي يوسف انقذ مصر من المجاعة في عصره واستطاع ان يديرها اقتصاديا ويصلح من احوالها ويجعلها قبلة العالم القديم من اجل الحصول على الغذاء فكذلك مصر الحديثة في عصرنا هذا تنادي على يوسف اّخر من اجل ان يقوم بنفس المهمة مرة اخرى

اما اسماء الرجال الثلاثة فهي ايضا رمز فإسم اخوها هو (احمد ) ولا اعرف ان كان مؤلف الفيلم يقصد بذلك المتأسلمين ام يقصد النبي محمد عليه الصلاة والسلام فإن كان يقصد النبي محمد فقد أخطأ في فهمه وخلط بين دين الاسلام وبين دين المتأسلمين وشتان بينهما وأما بالنسبة لإسم استاذها فهو (فؤاد عبيد ) وكلمة فؤاد معناها قلب اي هو قلب مصر وهو الذي يضخ الدماء في عروقها وهذا هو وصف العلماء والمفكرين في كل عصر وزمان فهم قلب الامة وروحها وهم الذين يوجهون الامة بأفكارهم ويحذرونها من الخطر ويشيرون عليها بما فيه الصلاح — اما كلمة (عبيد ) بكسر العين ففيها ايضا تنبيه على كلمة (عبيد ) بفتح العين من العبودية اي ان الامة المصرية الاّن مستعبدة ولن يحررها الا قلبها وفؤادها وهم العلماء والمفكرين ولكن ان كان المرض والاستعباد قد اصاب العلماء والمفكرين انفسهم فهل يمكن بعد ذلك ان يتحرر عبيد او يشفى مرضى او يبصر عميان —وأما بالنسبة لأسم الرجل الثالث وهو حبيبها فهو (سمير ) من السمر وهو يعبر عن فلسفة الاتجاه الوجودي في العبثية واللامبالاة وحياة الضياع رغم تشدقهم بالمسئولية والحرية وهذه الكلمات الكبيرة وغريب حقا ان تدعو للمسئولية وتمارس العبثية معا.

وطوال الفيلم سوف تشعر بحيرة الطالبة الجامعية بازاء هذه الاتجاهات الثلاثة وان كانت تميل اكثر لفلسفة استاذها (فؤاد ) بحكم أنه قلب الامة وروحها ولكن في نهاية الفيلم يحدث تغير فكري عميق في رؤية استاذها وفلسفته وكأنه بدأ يشعر بالخدعة الغربية تحت شعارات العلم والتقدم والتطور والتحضر وبدأ يبحث عن الحقيقة ولكن مع كل هذه المتاهة الفكرية لم يستطع ان يصمد ودخل في صراع نفسي بين افكاره القديمة وبين شعوره الحاد ببطلانها ولذلك قرر الانتحار وعندما علمت تلميذته بذلك أخذت تبكي وكانها تبكي على قلبها الذي مات وكان هو الامل بالنسبة لها ولكن قلبها لم يمت ويتركها هكذا بل ترك لها رسالة ويال عمق هذه الرسالة وانها لتستحق ان يتم دراستها من طلبة الدراسات العليا فهذا خير من العبث الذي يمارسونه.

الرسالة التي تركها الاستاذ للطالبة (لمصر )

(كان يجب ان اكتب اليكي قبل ان اغادر الحياة لأقول لك — الا يكون موتي مبعث يأس لكي وان كنت لم اصل الى الحقيقة فأنتي استمرار لي اتركها لكي لتعرفينها وان كنت قد تعبت واصبحت في يأس منا ومن تخلفنا فأنا اترك لكي المستقبل وانا يأئس حزين اهمس بكلمات اخيرة ارجو ان تصل اليكي هو أننا اذا وصلنا يوما ما الى علمهم وتقدمهم يجب الا ننسى ابدا ابدا ان نستفيد من اخطائهم وعيوبهم واندفاعهم المجنون للقسوة والظلم والخطيئة )

وبعد أن قرأت الطالبة الحائرة الرسالة

اخذت تفكر مع نفسها وهي تقول (مش ممكن الدنيا كلها تكون فؤاد او احمد او سمير لازم فيه شئ صح –شئ حقيقي موجود — شئ مش شايفينه — لكن موجود ) وكأنها بدأت تشعر بأن هناك طريق رابع واتجاه رابع وأهم شئ في هذا الطريق الرابع هو (كشف كل خدع الطرق الثلاث والاتجاهات الثلاث ل (احمد ) و (فؤاد ) و (سمير ) لأن كشف الزيف هو بداية معرفة الحقيقة وكشف الخداع هو بداية معرفة الصواب.

اتمنى ان تشاهدوا الفيلم بعد هذه التأويلات الرمزية فسوف تكتشفون امورا كثيرة

هذا المقال لا يعبر سوى عن رأي كاتبه، ولا يعبر بالضرورة عن رأي فريق المكتبة العامة




-->

تعليقات الفيسبوك