عمر بن الخطاب ومبدأ المواطنة

عمر بن الخطاب ومبدأ المواطنة – بقلم: سامح عبد الله

“وعندما قرأ عمر رسالة أبى عبيد ووجده يسأله في أمر مسلم قتل ذمي في الشام وجم وجهه وغضب”

( الرابعة والستون)

اتسعت رقعة الدولة ولم تعد هي فقط مكة والمدينة بل دخلت العراق والشام كلها في نطاق الدولة التى أسسها عمر بن الخطاب.
ولعل مصطلح الدولة يعد غر

يبا بعض الشئ خاصة إذا عدنا به إلي القرن السابع عشر الهجري وهو القرن الذي بدأت فيه ملامح الدولة الكبري تبدو كحقيقة واقعية سجلها التاريخ بحروف واضحة لا لبس فيها وربما لم يحدث هذا الاتفاق علي أن الحكم الرشيد قد تمثل في أوضح صوره في فترة خلافة عمر بن الخطاب بما يمكن أن نسميه بحق العصر العمري.

والدهشة تزول عندما يكون مؤسس هذه الدولة الكبري هو عمر بن الخطاب وعندما تكون أدواته هي العدل المجرد عن ثمة هوي والعدالة الاجتماعية التى تحقق التقارب بين الناس ثم هي لا تبغي علي حقوق الأثرياء إن كانت مصادر ثرواتهم عن أمانة وجد وشرف فعمر لم يلجأ إلي التأميم إلا في حالة واحدة عندما انتزع أرض واسعة خالية كان قد وهبها الرسول لأحد الصحابة ثم لم ينتفع بها بعد وفاة الرسول وكان الناس في حاجة إليها.
ربما هي المرة الوحيدة التى فعلها عمر. كان يشق علي نفسه حقا لكنه لم يشق علي الناس.

كانت أدواته أيضا في إدارة الدولة تقوم علي الحزم الذي لا يستثنى منه أحد وهل يمتلك أميرا غير عمر جرأة أن يعزل فارسا مثل خالد بن الوليد مرتين ثم يكون علي ثقة بأن الفارس المعززة لن يتمرد عليه
وهل كان أميرا غير عمر يستطيع أن يحصي كل أموال الولاة قبل تعيينهم علي الأبصار وقد كان منهم صحابة رسول الله حتى يراقب كم زاد فيها بعد ولايتهم فيما عرفته النظم الحديثة بعد ذلك بقرون حيث توصلت إلي تشريعات لحماية المال العام من العدوان عليه وتحريم استغلال النفوذ والتربح وما شابه هذه الجرائم وكان علي ما يبدو أن أول من قالها في التاريخ لعماله وولاته.. “من أين لك هذا “

وهنا أداة أخري من أدوات عمر في إدارة الدولة الكبري بما يمكن أن نقول معه أنه توصل إلي فكرة المواطنة التى توصلت إليها الدساتير المدنية منذ الدستور الأميركي أواخر القرن السابع عشر ثم الإعلان العالمي لحقوق الإنسان الذي أرسته الثورة الفرنسية في القرن الثامن عشر.

دخلت الشام كلها في نطاق الدولة وكانت تخضع لحكم الروم من قبل وهي ولاية لها طبيعتها الخاصة أهلها لهم أعراف غير أعراف أهل مكة والمدينة ويبدو أن التعددية كانت بها بشكل واضح فقد بقي عدد كبير من المسيحيين علي دينهم وكذلل بعض من اليهود.
لم يغير أبو عبيدة الذي ولاه عمر علي الشام من تركيبتها السكانية أو تنوع هويتها كانوا تجار وأهل رغد حتى أن أبو عبيدة قد فتح مدنا كثيرة بها دون قتال وبترحاب من أهلها الذين لم يرغبون أبدا في القتال وعاهدهم أبو عبيده علي الأمان والسلام لأرواحهم وتجاربهم.

وبينما عمر بن الخطاب يمحص رسائل الولاة التى ترد إليه في المدينة يسلمه عامله رسالة وردت من أبى عبيدة حاكم الشام يسأل عمر فيها عن أمر مسلم قتل ذمي من أهل الكتاب، فوجم عمر وظهرت علي وجهه ملامح غضب وتعجب وقال في مجلسه حيث كان الحضور وبصوت عال وكأنه أراد أن يضع دستورا راسخا بشأن هذا الأمر.
قال للحضور.. “يسألني أبو عبيدة في مسلم قتل ذمي في الشام وقد عجبت من سؤاله.. لا أري رأيا فيما أنزل الله به حكما. القاتل يقتل قصاصا إلا أن يعفو ولي الدم ثم نظر إلي عامله وقال له أكتب إلي أبى عبيدة بذلك..”

بهذا الوضوح كان رأي عمر وبهذه القوة الفطرية كانت إجابته وبهذه البديهة كانت حجته.
في الحقيقة كان من الضروري أن يعلمها أبو عبيدة فهو الرجل الذي قال عنه الرسول أنه أمين الأمة وهو الرجل الذي قال عنه عمر عندما دخل بيته وهو حاكم الشام ووجده بلا رغد كل الناس تغيرها الدنيا إلا أبو عبيدة”
وهو الرجل الذي كان لصيقا بعمر منذ توليه الخلافة وقد فتحت مدن كثيرة في الشام علي يديه دون سيف أو قتال ومن ثم نري أن أبو عبيدة لم يوجه سؤالا حقيقيا إلي عمر في شأن مسلم قتل ذمي ربما أراد أن يرسي دستورا كما قلنا مستمد من مبدأ القصاص وقد كان بالفعل فقد كتب عمر إلي كل الأمصار.. “من قتل يقتل قصاصا إلا أن يعفو ولي الدم “والعفو هنا له شروط.. إنه العفو القائم علي الحرية والمنزه عن ثمة ضغوط أو إكراه.

إنها إذن المواطنة في أبهي صورها.. ليس هناك مجال علي الإطلاق لمناقشة او اجتهاد مع وضوح النص.. وليس هناك تفرقة أبدا بين نفس ونفس
وليس هناك تفضيل علي أساس العقيدة بين فرد وفرد أمام الحقوق والمسئوليات التى تشرعها الدولة.

منذ أكثر من أربعة عشر قرنا من الزمان حسم عمر القضية.. لا اكراه علي الإسلام.. من أراد أن يظل علي عقيدته المسيحية أو اليهودية فله مطلق الحرية ومن قتل ذمي يقتل إلا أن يعفو ولي الدم. كان الأمر بالنسبة لعمر بعقليته الفريدة وشخصيته العبقرية سهلا يسيرا لا تعقيد ولا مشقة فيه فهذه مبادئ الفطرة السليمة حتى قبل أن تكون مبادئ الشريعة..!
لكن الأمر بعده اختلف ووجدنا من يطرح السؤال.. ما الحكم في قتل مسلم لذمي هل نطبق عليه القاصاص أم له حكما آخر يقتصر علي الدية..؟!
وما حكم ولاية الذين علي المسلم.. هل تجوز هذه الولاية..؟!
فقهاء ورجال دين وشيوخ ومراجع دينية وصالحين ومصلحبن وكتب تراث ما زال هذا مطروحا بها حتى وقتنا هذا وما زالت القضية بالنسبة لهم مفتوحة بينما أمير المؤمنين عمر قد أغلق صفحاتها قبل ذلك بأربعة عشر قرنا من الزمان.

ـــــــــــــــــــــــــــ

هذا المقال لا يعبر سوى عن رأي كاتبه، ولا يعبر بالضرورة عن رأي فريق المكتبة العامة

هذا المقال لا يعبر سوى عن رأي كاتبه، ولا يعبر بالضرورة عن رأي فريق المكتبة العامة







تعليقات الفيسبوك