من هو لويس ألتوسير ؟

لويس ألتوسر Louis Althusser فيلسوف فرنسي معاصر، ولد في بلدة بيرمندريسBirmandreis في الجزائر. تابع دراسته في فرنسة حتى نال شهادة في الفلسفة سنة 1948، وما لبث أن أصبح منذئذ معيداً في المعهد العالي للمعلمين. انضم في السنة ذاتها إلى الحزب الشيوعي وأصبح عضواً فيه. وضع ألتوسر خطة لعمله الفكري الذي استغرق كل حياته، كما وضع أسساً فلسفية لتحديد النظرية الماركسية مكنته من فهم ماركس فهماً خاصاً، فقد رأى أن مؤلفات ماركس الشاب وليدة تأثير هيغل [ر]، وأن حياة ماركس الفكرية كانت محاولة مستمرة للخروج من هذا التأثير، وأنها لم تصل إلى تحققها واستقلالها إلا بكتابه «رأس المال». لهذا رأى ألتوسر أنه لابد من فصل مؤلفات ماركس الشاب عن «رأس المال»، والنظر إلى هذا الكتاب على أنه عمدة الماركسية، وأن ما عداه من مؤلفات ماركس ليس ماركسياً إلا بقدر ما يوافق مضمونه مضمون «رأس المال». وقد برز هذا الاتجاه في فهم ماركس في كتابات ألتوسر التي ظهرت في الستينات، مثل مقالاته: «من أجل ماركس» (1965) و«حول العمل النظري، صعوباته ومصادره» (1967) و«الفلسفة سلاحاً ثورياً» (1968) وكتاب «قراءة في رأس المال» (1968) الذي صدر في جزأين (وهو عمل فريق من المفكرين الماركسيين تزعمه ألتوسر).  إضافة إلى كتابين آخرين هما: «الفلسفة وفلسفة العلماء التلقائية» (1967)، و«لينين والفلسفة» ( 1969). وقد ألح ألتوسر على نظريته هذه في المقدمة التي صدَّر بها المجلد الأول من كتاب «رأس المال» بعنوان «تنبيه إلى القراء» (1969). وفي عام 1973 نشر ألتوسر كتابه «إجابة موجهة إلى جون لويس»، وهو زعيم عمالي أمريكي.

وقد أدت هذه النظرة إلى الماركسية بألتوسر إلى مخالفة خط الحزب الشيوعي الفرنسي، وما لبثت أن أدخلته في نزاع سياسي، كان من حصاده نص تقدم به إلى المؤتمر الثاني والعشرين للحزب سنة 1977، ثم نص آخر تقدم به بعنوان «ما لا يمكن له أن يستمر أبداً في الحزب الشيوعي» سنة 1978.

وفي سنة 1980 دخل ألتوسر داراً لرعاية المسنين بعد أن قتل زوجته. وأسقطت التهمة عنه لعدم ثبوت التقصد سنة 1981، ثم توفي في إيفلين Yvelines.

يحاول ألتوسر شرح ماركس شرحاً جديداً. وهو يرى أن ماركس لم يكن ماركسياً بالفطرة بل أصبح كذلك بعد مسيرة تتبع طويلة للفكر الاشتراكي قادته إلى تبني تلك الآراء الثورية التي  توجها كتابه «رأس المال». يلح ألتوسر على نقطتين في فهم ماركس وشرحه، أولاهما أن الجدل الماركسي ليس استمراراً للجدل الهيغلي، وأن هناك قطيعة معرفية بينهما؛ وثانيهما أن ماركس يعطي مقولة المادة أولوية فلسفية فما يجب تحليله هو الوقائع المادية من حيث هي مادية، ويجب دراستها دراسة علمية. وهذا ما فعله في «رأس المال». قسم ألتوسر فكر ماركس إلى مرحلة أيديولوجية تنتهي سنة 1845 ومرحلة علمية تبدأ بانتهاء المرحلة الأيديولوجية. ويضع ألتوسر القارىء هنا أمام طورين ماركسيين مختلفين: أحدهما إيديولوجي يعنى بما هو إنساني وفلسفي وأنتروبولوجي، وثانيهما علمي يعنى بالدراسة النظرية البنيوية التي تقوم على مفهومات علمية دقيقة. وهو يعتقد أن هذه المرحلة الأخيرة هي التي تمثل الماركسية. ويستشهد ألتوسر بما كتبه ماركس في أطروحته عن فويرباخ، إذ قال: «إن الفلاسفة صرفوا كل اهتمامهم حتى الآن إلى تفسير العالم تفسيرات متعددة، في حين إن الأمر يتعلق بتغييره». وهو يرى أن هذا الكلام بمنزلة إعلان القطيعة بين الفلسفة والإيديولوجية، لإحلال علم جديد محلهما، ويقوم هذا العلم على مفهوم «البنية» المتحققة الذي هو محاولة للحلول محل الذات، وإقامة قطيعة إبستيمولوجية مع كل فلسفة تنطلق من الذات.

وهكذا كان على ماركس ـ بحسب رأي ألتوسر ـ أن يستبعد كل تاريخ الفلسفة من حيث هو سرد للأوهام التي يجب تبديدها، ومواجهة الواقع وحده لأنه هو الذي يفرض نفسه على كل بحث نقدي. ولكن ألتوسر لا يقصر القطيعة على الفلاسفة، بل يريدها أن تتعداهم إلى علماء الاقتصاد والمؤرخين والمناطقة، في سبيل الاهتمام بالسؤال الإبستيمولوجي الذي يذهب إلى صميم الممارسة النظرية الجديدة التي دعا إليها ماركس.

وقد انتهى ألتوسر من دراسة ماركس إلى الأفكار التالية:

ـ إن ماركسية ماركس لم تنضج إلا في «رأس المال» ونضجها لم يكن دفعة واحدة، وإنما مر بمراحل نمو متقطعة.

ـ إن الماركسية ليست منظومة مغلقة، بل مفتوحة على تجربة الواقع والتاريخ.

ـ إن الماركسية تلح على الرؤية الكلية من دون تفسير الأمور بسبب وحيد؛ فالعلاقات الاجتماعية مثلاً ترتد إلى أسباب ثقافية وأيديولوجية وسياسية يحددها العاملالاقتصادي الذي يكملها ويدفعها في اتجاه التحقق التاريخي.

ـ إن الماركسية لا تؤمن بحياد سياسي فكري، لأن كل نظرية تحمل اتجاهاً سياسياً معيناً.

لكن ألتوسر لم يقف عند فهم ماركس وشرحه، بل ذهب أبعد من ذلك لاستخلاص أفكار خاصة به، فهو يرى أن للمثقفين الثوريين دوراً إيجابياً في توجيه الطبقة الكادحة (البروليتارية) في نضالها مع الرأسمالية، وفي إقامتها المجتمع الشيوعي، وأنها كانت تشعر في الماضي بأنها مُستَغَلَّة، من دون أن تفهم طبيعة استغلالها، إلى أن أتت الماركسية، فبينت لها ذلك، وأتاحت لها القيام بأفعالها الثورية طبقاً للواقع الموضوعي لصراع الطبقات. بيد أن الطبقة الكادحة قد تخطئ، وقد تنحرف عن خطها النضالي الصحيح. ومن هنا كان دور المثقفين الثوريين الذين ينظِّرون للبروليتارية ويوجهونها: إنهم وإن كانوا لا يصنعون التاريخ، إلا أنهم يوجهون البروليتارية التي تصنعه. ويرى كذلك أن الفلسفة الماركسية هي السلاح الثوري الذي لا بد للمثقفين الثوريين من أن يستخدموه في إفهام الطبقة الكادحة مقولات هذه الفلسفة وإطلاعها على طريقة استخدام ماركس وأنغلز لها، ثم على الطريقة التي تستخدم هي ذاتها أدواتها في الظروف الطارئة في الحاضر والمستقبل من أجل نجاح ثورتها. فالفلسفة في رأيه هي في النهاية الصورة النظرية لصراع الطبقات، والماركسي الصحيح هو الذي يضع نفسه في إطار الماركسية التاريخي الدقيق انطلاقاً من موقف معين في مكان وزمان معينين، كأن ينظر إلى أزمة الرأسمالية من حيث ارتباطها بأزمة الماركسية.

تيسير شيخ الأرض

المصدر

هذا المقال لا يعبر سوى عن رأي كاتبه، ولا يُعْتبر نشر المكتبة العامة له نوعاً من الموافقة على مضمونه.

 

هذا المقال لا يعبر سوى عن رأي كاتبه، ولا يعبر بالضرورة عن رأي فريق المكتبة العامة






تعليقات الفيسبوك