ماذا تعرف عن النزعة الإنسانية ؟

 النزعة الإنسانية Humanism حركة فلسفية وأدبية راجت في إيطالية في النصف الثاني من القرن الرابع عشر، وامتدت منها إلى بقية بلدان أوربة الغربية، وكانت من أهم عوامل إرساء العلم والثقافة المحدثين. والإنسانية هي كل دعوة موضوعها الإنسان، تؤكد فيه كرامته، وتجعله مقياس كل قيمة. وهي اشتقاق من Humanitas اللاتينية بمعنى تعهد الإنسان لنفسه بالعلوم الليبرالية التي بها يكون جلاء حقيقته كإنسان متميز عن سائر الحيوانات.

ويعتقد أتباع هذه النزعة أنه يمكن لإنسان العصور الوسطى الذي ضل طريقه وتاه عن حقيقته أن يعود إلى تراثه الثقافي الإنساني، إلى الفلسفات اليونانية العظيمة السابقة له كي يحيي الروح الإنسانية التقليدية التي تُعنى بتمثل الإنسان لنفسه والتفكير في حياته على الأرض، وإثراء روحه وكذلك بدنه بوصفه جزءاً من الطبيعة والأرض. لذلك أنف أتباع الإنسانية من الزهد وأنكروه على الدين واستهدفوا اللذة وكان فيلسوفهم أبيقور، ومع ذلك لم يكونوا ضد الدين أو فرديين، فدعواهم للاندماج في الطبيعة تأكيد على قيمة الإنسان التي أقرها الدين.

الإنسانية في فلسفة عصر النهضة

أرسى مفكرو هذا العصر أسس النزعة الطبيعية التي تجعل الإنسان سيد مصيره بوصفه المقياس الوحيد الذي تحدد به جميع أنواع القيم الأخلاقية والإنسانية. وقد تجلى ذلك في الأفكار الرئيسة التالية:

1ـ الإله والكون: هاجم الفيلسوف الإيطالي جوردانو برونو[ر] (1548-1600)Giordano Bruno الفكرة التي رسختها الفلسفة المدرسية الوسيطية حول وجود وساطة بين الإله والإنسان، إذ وحّد بين الربوبية اللانهائية وبين الطبيعة بشكل متماسك، فقد دافع عن النظرة الكلية المادية للعالم التي تَصَوَّرها على شكل وحدة وجود.

وبهذا لا يعود الإله مفارقاً للكون، إنما هو حالٌّ فيه، أو إنه والكون شيء واحد. وعلى ذلك لا حاجة للإنسان إلى وسيط كي يتصل بالإله. وتحت تأثير الأفلاطونية الجديدة أقر بوجود نفس كلية فهمها على أنها مبدأ الحياة كجوهر روحي يتخلل جميع الأشياء يكون مبدأها المحرك وهو الإله. وبهذا يمكن للإنسان معرفة الإله من خلال صورته – الكون، لأنه مبدأ واحد هو صوري ومادي في آن واحد، وبهذا يختفي التمايز بين الإله والكون.

2ـ الإنسان والعالم: قدّم فلاسفة عصر النهضة تصوراً للعالم يسعى إلى تحرير الإنسان من خوفه الدائم القابع في أعماقه.

ففي تحديد العلاقة بين الإنسان والعالم، أكد برونو أنه لم يعد ثمة مجال لأن يعيش الإنسان في خوف وقلق دائمين من عالم مسكون بقوى خفية. فقد تكشف له كل شيء، لهذا لا داعي للهروب من هذا العالم، لأن بمقدور الإنسان معرفة قوانين هذا العالم، وتحويلها لمصلحته عوضاً عن أن يظل خائفاً من ألغازه، ومستسلماً له، ولاهثاً وراء أصحاب الكرامات لكي يخلصوه من شروره على حد تعبير فرنسيس بيكون Francis Bacon.

وقد تأثر مكيافيلي Machiavelli في هذا المجال بالفلاسفة القدماء متهماً الكنيسة بأنها هي التي قادت الناس إلى التقليل مما يولونه من تقدير واحترام لهذا العالم، على عكس أولئك القدماء الذين كانوا يجلّونه وينظرون إليه، على أنه خير ما يمكن أن يكون.

وفي معرض المقارنة بين ديانة الكنيسة وديانة القدماء، شدد مكيافيلي على تفوق الأخيرة لأنها لم تكن تضفي الأمجاد السماوية على الرجال إلا إذا كانوا مفعمين بالأمجاد الأرضية، في حين مجّدت الأولى المتواضعين من الرجال، والميالين إلى الهروب من هذا العالم، بدلاً من تمجيد أولئك الذين يقبلون عليه متفائلين غير وجلين ولا هيابين.

3ـ حرية الإرادة: اعترض فلاسفة النهضة على جبرية الفلسفة المدرسية الصارمة التي تقوم على أساس أن كل إرادة خاضعة للإله حتماً، فلا وجود للإرادة الحرة. فقد رفض الفيلسوف الإيطالي بيك ميراندولا (1463-1494م) Merandola أن يعيش الإنسان جاثياً على ركبتيه طالباً الخلاص.

أما إرازموس (إرازم)[ر] (1466-1536م) Erasmus، الأقل تطرفاً من ميراندولا في هذه المسألة، فقد أعلن «أن الخلاص من دون حرية الاختيار ليس منطقياً على الإطلاق» وقد اتَّهم لوثر Luther بالتوكيدية، والتعصب، لأنه أصر على أنه ليس للإنسان أي دور في خلاصه.

وبيّن برونو أن العقل الإنساني هو مظهر للعقل الإلهي. ولذا فإن لدى الإنسان من أسباب القوة ما يجعل في مقدوره الركون إلى عقله والوثوق به في معرفة العالم ومعرفة نفسه أيضاً.

4ـ الفرد والمجتمع: سعت فلسفة النهضة تدريجياً إلى دراسة الظواهر الاجتماعية، وإلى تكوين معرفة تمكن الإنسان من السيطرة على الطبيعة لتحسين شروط حياته. فاتجهت نحو تخليص القيم الإنسانية من الوصاية الدينية، وتعزيز الثقة بقدرة العقل البشري لتحقيق السعادة الدنيوية للإنسان.

نادت فلسفة النهضة بالمساواة بين الناس، ودعت إلى التسامح والتعاون. ودافعت عن حقوق الإنسان، إذ دعت إلى إحلال مثل أعلى اجتماعي وأخلاقي يقوم على العقل، محل المثل الأعلى اللاهوتي للفلسفة المدرسية. فقد دعى بترارك Petrark إلى المساواة البشرية، وإلى احترام الكرامة الإنسانية.

ودان إرازموس (إرازم) الحروب: «دع كل الناس يرفعوا أصواتهم ضدها… دع كل الناس يبشروا بالسلام ويصلوا من أجله في السر والعلن». وبخلاف التصورات المدرسية اللاهوتية، أكد الفيلسوف الإنكليزي توماس مور (1478-1535م) Moore أنه في مجتمع المدينة الفاضلة (اليوتوبيا) يعيش الأفراد وفقاً للطبيعة بغية نشدان السعادة على هذه الأرض.

كذلك يعيش الناس في «مدينة الشمس» عند الفيلسوف الإيطالي كامبانيلا(1568-1639م) Campanella حياة اجتماعية مشتركة أساسها التعاون والتفاهم فيما بينهم على أساس العقل.

إن القيمة الوحيدة والأساسية التي تتحدد في ضوئها كل علاقة بين الفرد والمجتمع إنما هي تلك التي تقوم على أساس عمل الفرد وعلمه، ومنجزاته، بقدر ما تكون موظفة في خدمة الكل. وهي الحكمة نفسها التي اقترحها فرنسيس بيكون أساساً لقيام «أطلنطس جديدة».

الأفكار الإنسانية في الفلسفة الحديثة

دفعت الفلسفة الحديثة بالنزعة الطبيعية Naturalisme التي أرست قاعدتها فلسفة النهضة إلى حدودها القصوى، وعمقت أفكارها الإنسانية المتمحورة حول الحقوق الفردية والمساواة، والتسامح الديني، وحرية الفكر والاعتقاد والحريات الديمقراطية الأخرى كافة.

وصاغت مثلاً أعلى جديداً للدولة أساسه التعاقد بين الأفراد عوضاً من الأصل الإلهي المزعوم.

فقد ربط الفيلسوف الهولندي اسبينوزا[ر] Spinoza كل نشاطات الإنسان وأفعاله الخلقية والاجتماعية والسياسية بقواه الطبيعية وحدها. فقوانين الطبيعة البشرية ليست عنده قواعد أخلاقية، أو أوامر إلهية، وإنما هي قوانين علمية اقتضتها الطبيعة ذاتها. وهي للإنسان كقوانين الطبيعة للكون. أي إنها تعبير عن الطرق العقلانية التي يسلكها الإنسان بحكم طبيعته الإنسانية، بوصفه عاقلاً وحراً أيضاً. فالفضيلة عنده هي العمل وفقاً للطبيعة. وبقدر ما يكون الشيء متفقاً مع طبيعتنا، يكون خيراً. «إننا لا نرغب في شيء لأنه خير، إنما هو خير لأننا نرغب فيه».

كذلك الأمر مع الفيلسوف الإنكليزي هوبز Hobbes فالخير والشر ليسا أوامر إلهية، ولاهما صفتان كامنتان في الأشياء ذاتها، إنما هما بلا معنى إلا للإنسان. فما نرغب فيه هو خير، وما ننفر منه هو شر.

أما عند جون لوك Locke فالقانون الأخلاقي هو قانون طبيعي مزدوج، لأننا نعرفه بالنور الطبيعي العقل، ولأنه أيضاً تعبير عن قواعد تتوافق مع طبيعتنا.

الإنسانية الوجودية

الوجودية فلسفة إنسانية بمعنيين: معنى خاص، يسمى بالمذهب الإنساني المغلق ويمثله سارتر Sartre، ويهتم بالقيم الإنسانية والشخصية، وبتحقيق الوجود الإنساني الأصيل. أي إن الإنسان متروك لذاته كما يريدها أن تكون، ويحقق في عالمه ما يستطيع من القيم.

أما المعنى الآخر، وهو ما يسمى بالمذهب الإنساني المفتوح، ويمثله هيدغرHeidegger، ويُعنى بالحياة الإنسانية بوصفها وجود. والإنسان لا يخلق الوجود العامBeing وإنما يستمد منه وجوده البشري الخاص Existence، ويصبح مسؤولاً عنه وأمامه فيما بعد.

ولسنا هنا أمام إنسانيتين مختلفتين، فثمة أفكار عدة يشترك في تبنّيها جميع الوجوديين، وتمثل في مجموعها إنسانية عامة واحدة تنطوي عليها فلسفاتهم، من أبرزها:

فكرة أسبقية الوجود على الماهية، التي تعد ثورة على جميع الفلسفات السابقة من أفلاطون حتى هيغل. الإنسان يوجد أولاً وقبل كل شيء، ثم يواجه نفسه وينخرط في العالم، فيصبح على ماهو عليه فيما بعد وفقاً لإرادته.

ومن خصائص الوجود الإنساني:

أ – الطابع غير المحدد، الانبثاقي، المتعالي للوجود البشري فليس للإنسان طبيعة محددة، إنما طبيعة مفتوحة في سبيلها إلى العلو على ذاتها، دون الخضوع لمؤثرات خارجية كالشروط الطبيعية أو الشرائع الأخلاقية أو السلطات الدينية أو السياسية أو الاجتماعية، إنما نتيجة لاستخدام الإنسان لصور يكوّنها عن نفسه ويسعى جاهداً إلى تحقيقها، فهو يتأمل نوع الوجود الذي هو عليه، وما يريد أن يفعله، وما يود أن يصبح عليه.

ب – تفرد الموجود البشري في شعوره بأنه يملك خصوصية، ذلك الموجود الذي يعرّف ذاته أنه «أنا» بوصفه وجوداً فريداً ومختلفاً عن وجود أي إنسان آخر. فهو ليس «عينة» من صنف أو فئة، إنما يكاد يكون عالماً صغيراً قائماً بذاته.

جـ – الارتباط بالذات، أو الاتحاد مع الذات، وهنا يتساوى الوجود مع الحرية.

الإنسانية الماركسية

ترى الماركسية أن «الإنسانيات» السابقة هي إنسانيات مجردة تتخذ من مفهوم الإنسان وليس من البشر الواقعيين موضوعاتها. ولذا فهي عاجزة عن تقديم حل صحيح لتحرير الإنسان وتحقيق سعادته. لهذا تبنت الماركسية صيغة أخرى يقوم أساسها على تحرير علاقات العمل القائمة على الاستغلال، بهدف الوصول إلى مجتمع بلا طبقات وهو شرط لا غنى عنه لبلوغ السعادة الحقيقية للبشر.

إن الإنسانية الماركسية تنطلق من البشر الواقعيين، وتتبع تطورهم التاريخي مرحلة بعد أخرى بغية كشف القوانين التي تحكم مسارهم، والشروط الاجتماعية – السياسية والاقتصادية، التي يتعين توافرها لتحريرهم وتحقيق تقدمهم. وبهذا فإن الإنسانية الحقيقية ترتبط بقوانين تؤدي إلى إزالة العلاقات الرأسمالية الاستغلالية بين الناس، وإحلال علاقات اشتراكية محلها.

الإنسانية في الفلسفة العربية الإسلامية

عززت الفلسفة العربية الإسلامية مع الكندي والفارابي وإخوان الصفا العقل الإنساني بوصفه الأساس في بناء منظومة مفاهيمية تلبي حاجة الإنسان إلى تحديد صلته بالكون والعالم والحياة، وكذلك في بناء منظومة القيم الأخلاقية والاجتماعية والسياسية التي تنظم سلوكه، وتحدد الدور الذي يتعين عليه القيام به لتأسيس الجماعية الإنسانية الحقيقية التي يتوق إلى تحقيقها. وترسخ تيار العقل الإنساني مع أبي العلاء وأبي حيان التوحيدي. فكان القرن الرابع الهجري/العاشر الميلادي ذروة التيار الإنساني في الفكر العربي الإسلامي.

لقد بيّن الفارابي في فلسفته الاجتماعية أن ميل الناس بعضهم إلى بعض لقضاء حاجاتهم هي السبب في اجتماعهم، لكن ما إن ينتظموا في جماعات حتى تجعلهم الحاجة يدركون أن نيل السعادة لا يتحقق لهم إلا في تنظيم أنفسهم في كيان سياسي بحسب الحال. غير أن انتظامهم هذا، وما يترتب عليه من قيام تراتب اجتماعي فيما بينهم وتنوع في الوظائف الاجتماعية، لا يقوم على أساس التفاضل الفطري بين الناس، وإنما على الملكات الإرادية التي تتحصل لديهم بفعل المعارف والتجارب والممارسات التي يكتسبونها في أثناء نشاطهم الاجتماعي.

واستبعد «ابن خلدون» الاستعانة بالأهلية، سواء أكان مصدرها العلماء أم الفقهاء، أساساً للنظرية الاجتماعية. واستبعد أيضاً التفسير بالعلل الغائية، وكذلك طريق الاستدلال النظري الخالص، ولجأ بدلاً من ذلك إلى الواقع لاستنطاقه، واستخلاص القوانين التي يسير بمقتضاها، فاكتست «إنسانيته» حلة علمية إلى حد كبير يدخل المجتمع بفضلها في طور جديد هو طور الحضارة والتمدن.

وبهذا يكون العمران البشري عند ابن خلدون قراراً إنسانياً وليس نتيجة لفعل علل غائية تسري أحكامها خارج دائرة العقل والإرادة الإنسانيتين.

حامد خليل

المصدر

هذا المقال لا يعبر سوى عن رأي كاتبه، ولا يُعْتبر نشر المكتبة العامة له نوعاً من الموافقة على مضمونه.

 

هذا المقال لا يعبر سوى عن رأي كاتبه، ولا يعبر بالضرورة عن رأي فريق المكتبة العامة







تعليقات الفيسبوك