ما لا يُقال عادةً عن الوجه الآخر لـ«ألمانيا الرحيمة»

تقف اليوم الدولة الأقوى في أوروبا، محاصَرة بالغضب من حولها، أكثر من أي وقت مضى منذ إنشاء الاتحاد الأوروبي، إذ بات الجميع يعرف أن ألمانيا هي القوة الأساسية المحركة له.

تقف برلين لتنظر إلى جنوبها، فتجد حكومات الجنوب الأوروبي وشعوبه، المتمثلة في اليونان وإسبانيا والبرتغال وإيطاليا؛ تعارض بقوة السياسات والقواعد التي تفرضها ألمانيا، فيما يتعلق بسياسات التقشف الاقتصادية.

وربما ليس أدل على هذا الغضب الجنوبي، من مباراة فريقي »بايرن ميونخ« الألماني و»أوليمبياكوس«اليوناني، التي جاءت في إطار دوري أبطال أوروبا لكرة القدم، في عام 2015 المنصرم، والتي تعاملت معها الجماهير اليونانية وكأنها معركة كروية ضد ممثل القوة المهيمنة التي تجبر اليونان على التشقف، ليس هذا فحسب، فقد قام رجال الشرطة اليونانية بلا مبرر واضح آنذاك، بالاعتداء على الجماهير الألمانية التي جاءت إلى اليونان لتؤازر فريقها.

ا

عتداء الشرطة اليونانية على الجماهير الألمانية.

وفي الشرق الأوروبي، يتصاعد الغضب تجاه سياسات استيعاب اللاجئين، ومن ثم تجاه الرؤية الألمانية فيما يخص مسألة اللاجئين والهجرة، والتي أدت إلى تدفق عشرات الآلاف من المسلمين إلى القارة؛ وهو ما يمثل في نظر تلك الدول الشرق أوروبية، تهديدًا لقيم أوروبا المسيحية، ولسلمها الاجتماعي.

ومن الغرب اصطف الناخبون في بريطانيا، ليعلنوا عن رغبتهم النهائية في الخروج من الاتحاد الأوروبي، الذي تمثل ألمانيا القوة الأهم فيه، وقد سمى دبلوماسيون ألمان يوم جمعة الاستفتاء البريطاني، بيوم الجمعة الأسود على أوروبا.

وفي حين كانت ألمانيا تتهم خلال الفترة السابقة، دول وسط أوروبا، بأنها تفتقر إلى التعاطف والرحمة بسبب موقف تلك الدول الرافض للاجئين، فإن النظر من زاوية أخرى قد يظهر ألمانيا الرحيمة بهيئة أخرى مختلفة تمامًا؛ هيئة المهيمن الاقتصادي الفعلي على أوروبا، الذي يمارس أشكالًا مختلفة من الاستغلال الاقتصادي على جيرانه.

حقائق لا تقال عادةً

أثناء بطولة أمم أوروبا لكرة القدم «يورو 2016»، منعت بعض المقاهي الألمانية رفع الأعلام الألمانية داخلها، ومنعت أيضًا المظاهر المبالغ فيها المتعلقة بإظهار حب الوطن والتعصب له.

في الواقع، يعبر ذلك التصرف عن الفوائد الكبيرة التي يجنيها الألمان من تواجدهم في الاتحاد الأوروبي، إلى درجة رغبة أصحاب بعض المقاهي في تذويب المشاعر القومية والوطنية تمامًا، لصالح الانتماء للاتحاد الأوروبي.

كانت ألمانيا المستفيد الأكبر على الإطلاق، منذ إطلاق العملة الموحدة لدول الاتحاد الأوربي؛ اليورو.

ولنا أن نتصور كون ألمانيا قد جنت مكاسب هائلة بلغت 167 مليار يورو، خلال ذروة أزمة الديون السيادية، التي عصف بمنطقة اليورو، وهددت اقتصادات دولها بالانهيار.

حيث يرى عديد المحللين الاقتصاديين، أن ألمانيا قد جنت تلك الأرباح عبر أخذها من الأسواق المالية، قروضًا بفائدة منخفضة، ومن ثم بيعها بفائدة مرتفعة للغاية، لدول منطقة اليورو المهددة بالانهيار.

صار الاقتصاد الألماني، منذ اعتماد اليورو عملةً موحدة في الاتحاد الأوروبي؛ يحقق أرقامًا كبرى وقياسية، وبدأ ميزانها التجاري منذ ذلك الحين في تحقيق فوائض ضخمة.

جنبت العملة الموحدة ألمانيا من كلفة التعاملات في مناطق الاتحاد الأوروبي، وهو ما تسبب في تزايد الطلب بشدة على السلع الألمانية، من قبل مواطني الاتحاد الأوروبي.

وباتت كلفة اليورو الناتجة عن التعاملات التجارية، تنخفض بحوالي 7%، منذ بداية تقييم هذه العمليات بالعملة الموحدة.

وفي الواقع، بات المحللون يرون بوضوح، أن ألمانيا هي المتحكمة الرئيسية بالسياسة المالية والنقدية لمنطقة العملة الموحدة، وأنها الدولة التي تسيطر على أوروبا بوضوح من خلال الاقتصاد.

القاعدة الصناعية التي طورتها ألمانيا، منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، صارت قاعدة ناجحة ومتطورة للغاية، تنتج من السلع والبضائع المعمرة، التي تتمتع بأعلى درجات الجودة والإتقان، ما يفوق قدرتها على الاستهلاك.

من هنا جاءت الحاجة الألمانية الماسة للبحث عن أسواق، لبيع منتجاتها، ومن ثم الحفاظ على دوران عجلة الإنتاج الصناعي بها، وتحقيق استمرار نموها الاقتصادي الذي لا يهدأ.

في نفس الوقت، استخدام ألمانيا للقوة العسكرية هو واحد من أكبر الكوابيس التاريخية، التي عانت منها أوروبا والعالم، بالنسبة للقوى الكبرى في العالم، لذلك فقد قامت الترتيبات للعالم الحديث ما بعد الحربين، على إبعاد ألمانيا تمامًا عن أي محاولة لاستخدام القوة، وفي ضوء ذلك، وفي ضوء أيضًا أن ألمانيا كانت ستفعل أي شيء لتصريف بضائعها، أُنشأت السوق الأوروبية المشتركة، التي تضم اليوم أكثر من 500 مليون إنسان يشترون البضائع التي تحتاج ألمانيا إلى تصريفها، بدون جمارك، ولا تعتمد دولهم القائمة في تلك السوق أمام الصناعة الألمانية العملاقة، على إجراءات لحماية الصناعة المحلية بالطبع، فضلًا عن ألمانيا باتت تصرف بضائعها في أوروبا، بدون أن تخشى للحظة أي مخاوف حول أسعار صرف العملات، وهذا بالطبع يعود الفضل فيه إلى العملة الموحدة.

لهذه الأسباب وأكثر، تحب ألمانيا الاتحاد الأوروبي، ويرفض بعض أصحاب المقاهي بها رفع الأعلام الوطنية الألمانية، علمًا بأن ألمانيا تصدر أكثر من نصف ناتجها المحلي، ونصف هذه الصادرات يذهب إلى أوروبا.

في الواقع الجغرافي لألمانيا، هي لا تتمتع بموقع متميز، يخدم سهولة انتقال بضائعها للعالم، بالتالي فقد فتح الاتحاد الأوروبي لها الممرات، لتنطلق ببضائعها بصفتها عضوًا في الاتحاد، بل والعضو الأكثر قدرة دومًا على فرض إرادته داخل المفوضية الأوروبية.

وعليه فإن الاتحاد الأوروبي الذي مثل حجر الزاوية للاقتصاد الألماني منذ تسعينيات القرن العشرين، إذا حدث وتفكك، فإنه سيلقي بألمانيا في خندق التقوقع داخل حدودها، وبضائعها تفوق قدرة ما بين تلك الحدود على الاستهلاك.

أمريكا تساعد ألمانيا على الهيمنة

بعد لحظات من قيام المواطنين البريطانيين بالتصويت لصالح الخروج من الاتحاد الأوروبي، وهو الحدث الذي تسبب في اضطراب ومخاوف كبيرة في ألمانيا، التي سبق وذكرنا أهمية الاتحاد الأوروبي بالنسبة لها، صرح الرئيس باراك أوباما قائلًا إنّ «بريطانيا ستأتي في ذيل قائمة الدول التي ستحظى بمعاملة تجارية تفضيلية مع الولايات المتحدة الأمريكية»، وذلك بالطبع نتيجة خروجها من الاتحاد.

في الواقع دعمت الولايات المتحدة بشكل ملفت الخطوات القاسية التي تنوي ألمانيا اتخاذها ضد بريطانيا، عبر تفعيل المادة 50 من اتفاقية لشبونة، التي قد تؤثر بشدة إذا فُعلت، في الاقتصاد البريطاني.

ويأتي هذا الدعم الأمريكي، والموقف الراسخ للإدارة الأمريكية من منع انهيار الاتحاد الأوروبي الذي تستفيد منه ألمانيا؛ نتيجةً لرؤية النخب الليبرالية بواشنطون لذلك الانهيار بصفته سيؤدي حتمًا لنتائج كارثية، إذ ترى تلك النخب أن صيغة الاتحاد الأوروبي هي الصيغة المثلى لتحقيق تسويات وترتيبات ما بعد الحرب العالمية الثانية.

فلا بد من فتح الآخرين لأسواقهم أمام بضائع ألمانيا، ومن غير ذلك فإن ألمانيا ستختنق، وربما حينئذ قد تبحث عن العودة للتفكير في امتلاك رؤية قومية مستقلة مسلحة، بعيدًا عن المصالح الليبرالية الغربية المشتركة، وبعيدًا عن مظلة الولايات المتحدة ذاتها، على وجه الخصوص.

إلى جانب ذلك، تعرف النخب في الولايات المتحدة الأمريكية، أن انهيار الاتحاد الأوروبي قد يؤدي إلى تقارب العلاقات بين ألمانيا وروسيا، على أساس الاعتماد المتبادل؛ مصادر الطاقة واليد العاملة الرخيصة والماهرة من جانب روسيا، في مقابل الاستثمارات والتكنولوجيا المتطورة للغاية، من قبل ألمانيا.

لهذه الأسباب فإن الولايات المتحدة الأمريكية تساند ألمانيا تمامًا في هينمتها على الاتحاد الأوروبي، لأن هذا الاتحاد، ووجود ألمانيا على رأسه، هو حماية أساسية للولايات المتحدة من مخاوفها الموضوعية.

ويتعلق الأمر في الأساس بكبح جماح أي فرصة لميل ألمانيا للهيمنة العسكرية، في مقابل السماح لها بمقدارٍ كبير من الهيمنة الاقتصادية.

ألمانيا واستغلال أوروبا

«تحقيق فائض تجاري في دولة ما، يعني تمويل العجز التجاري لدولة أخرى». –الخبير الاقتصادي، والأستاذ الزائر بجامعة كولومبيا الأمريكية، باتريك شوفانيتش.

بعد تصويت البريطانيين بهجر الاتحاد الأوروبي، ربما كان واحدًا من أرصن وأصغر التعليقات الأوروبية على ما حدث، هو ما علق به حزب اليسار، المعارض في ألمانيا، إذ قال في تصريح صغير إن «تصويت البريطانيين هو فرصة تاريخية من أجل بداية جديدة لإعادة القرار إلى الناس في أوروبا»، ثم استكمل الحزب تعقيبه قائلًا: «التكنوقراطيون الأوروبيون وسياستهم الليبرالية الجديدة؛ دعمت القومية والشكوك تجاه أوروبا».

في الواقع، نتيجة شهيتها الاقتصادية، قامت ألمانيا في السنوات الماضية، مستغلة مكانتها في صدارة الاتحاد، بخطوات ربما أثرت بشدة على تماسك هذا الاتحاد، وأشعلت الغضب والتوتر بين شعوب أعضائه.

قادت ألمانيا عملية توسيع الاتحاد الأوروبي شرقًا، ونجحت في ذلك بالفعل، وذلك بالطبع في إطار سعيها المتنامي لتصريف إنتاجها السلعي، وفتح أسواق ضخمة جديدة لها، وخلق زبائن جدد بالطبع.

على أثر هذا التوسع، شهدت أوروبا حركة هجرة عمالية حادة، من أبناء الدول الأقل ثراءً في الشرق الأوروبي المنضم حديثًا للاتحاد، باتجاه دول الغرب الأوروبي، وقد تسبب هذا الأمر في غضب وسخط الطبقات الوسطى والفقيرة في غرب أوروبا، التي رأت أن الاتحاد الأوروبي قد جلب عمالة منافسة لها داخل بلادها؛ استحوذت على فرص العمل المتوفرة لها، وهو ما سبب في الأخير الصعود القوي لقوى اليمين في أوروبا، التي أحسنت استخدام الشعور الغاضب الذي يجيش به صدر أوروبا، وهو ما يهدد في النهاية ألمانيا بالتهديد الأكبر لها: انسحاب الدول دولة تلو أخرى من الاتحاد الأوروبي، الذي تهيمن عليه وتجني من خلاله أرباحًا طائلة.

على جانب آخر مما فعلته ألمانيا بأوروبا، عندما كانت دول جنوب أوروبا ينقصها المال لكي تشتري البضائع الألمانية باهظة الثمن، كانت ألمانيا هي من تقرض تلك الدول وبشروط ميسرة للغاية.

وعاشت تلك الدول خلال العقدين الماضيين على اقتراض المال الألماني لشراء البضائع الألمانية.

واليوم تعاقب ألمانيا تلك الدول بحزم على السياسات التي وضعتها ورحبت بها هي نفسها سنواتٍ عديدة، فحين عجزت هذه الدول عن السداد، وهو ما كان نتيجة طبيعية للسياسة الاقتصادية التي كرستها ألمانيا في أوروبا، أرغمتها ألمانيا بحزم على بيع كل شيء، والخضوع التام لها، فيما يتعلق بتنظيم الضرائب داخل تلك الدول، واتباع سياسات التقشف القاسية التي يعاني منها بشكل أساسي الفقراء.

ويعود الأمر هنا إلى أنه حين تكون صادرات دولة ما أكبر بكثير من وارداتها، فإن ذلك ينتج فائضًا بالميزان التجاري، وبالتالي فإن فائض المدخرات هذا، الزائد عن الحاجة المحلية للنقد الائتماني، يمكن أن يستخدم في الإقراض الخارجي، بحيث تُموّل دولة ما وتصبح هذه الدولة تنفق أكثر مما تنتج، وهو ما يعد بمثابة الحض على العجز التجاري في هذه الدولة، التي تعمل بدورها على شراء إنتاج الدولة المُقرضة، الزائد عن حده.

ويرى العديد من الخبراء الاقتصاديين، أن نمو الاقصادات المتعثرة في أوروبا سيظل أمرًا صعبًا للغاية، لأن قوة ألمانيا التنافسية فيما يتعلق بقطاع التصدير تتم دائمًا على حساب جيرانها.

المصدر

هذا المقال لا يعبر سوى عن رأي كاتبه، ولا يُعْتبر نشر المكتبة العامة له نوعاً من الموافقة على مضمونه.

هذا المقال لا يعبر سوى عن رأي كاتبه، ولا يعبر بالضرورة عن رأي فريق المكتبة العامة






تعليقات الفيسبوك