كلمات عربية لن تتخيّلوا معانيها الأصلية… كيف تتغيّر دلالات الألفاظ ولماذا؟

كلمات عربية لن تتخيّلوا معانيها الأصلية… كيف تتغيّر دلالات الألفاظ ولماذا؟ – بقلم: سامية علام

تتميز اللغة العربية عن غيرها من اللغات بثراء مفرداتها وغزارة تعابيرها. ففي الوقت الذي تتكون فيه اللغة الروسية من 130 ألف كلمة، والفرنسية من 150 ألف كلمة، وتراوح الإنجليزية بين 400 و600 ألف مفردة على الأكثر، تتخطى العربية حاجز 12 مليون كلمة.

في الوقت نفسه، تفخر لغة الضاد بتعدد معاني كل مفردة واحتمالها للكثير من التفاسير. إلا أن ما نجهله أن استخدامنا بعض لألفاظ، يأتي مغايراً لمعانيها الأصلية. فكم من مفردات تحمل معاني إيجابية، نعدها سباً، وبالعكس، مثل “شرموطة”، “كعب”، أو كلمة “شاطر”.

Synonyms with different meanings2

الألفاظ وتطوّر الحياة

أوضحت دراسة بعنوان “التطور الدلالي في اللغة العربية والفارسية”، التي أجراها د.علي رضا محمد رضائي، وأ. نفيسة أفصحي، ونشرت بمجلة “نصوص معاصرة”، أن التفكير الإنساني دائماً معرّض للتغير والتحول، والحياة الاجتماعية والاقتصادية والسياسية، التي بنيت على التفكير الإنساني، تتأثر بهذا التغير. وبما أن الألفاظ هي التي تعبّر عن هذا التفكير، فلا بدّ لها من الخضوع للتطور والتغير.

وبيّنت الدراسة أن الألفاظ أشبه شيء بكائن حيّ، تنمو بنموّ الحياة الاجتماعية وتتحرّك بتحرّكها، والمعاني التي هي علاقة متبادلة بين اللفظ والمدلول تنمو، طبعاً، بنموّ الألفاظ وتغيرها.

تأسيساً على ذلك، تحيا ألفاظٌ وتموت أخرى، وتتبدل مفاهيم بعض الألفاظ بمفاهيم أخرى، لأن الحياة الإنسانية تحتاج في حقبة من الزمن لفظاً مع مدلوله الخاصن وتحتاج في حقبة أخری مدلولاً آخر. فلا بدّ من تطوّر دلالة الألفاظ لهذه الحاجة الإنسانية، وإذا لم تتطوّر اللغة، فعوامل الفناء تتغلّب عليها.

وقسمت الدراسة أشكال تطور دلالات ومعاني الألفاظ إلى تعميم الدلالة، تخصيص الدلالة، انحطاط الدلالة، رقي الدلالة، انتقال الدلالة، أي التطور إلى المعاني المضادّة والمشترك اللفظي.

ويوضح د.خالد توكال، أستاذ اللغة العربية في الجامعة الفرنسية بالقاهرة، لرصيف22، أن تغير دلالة معاني الكلمات يرتبط بعنصرين أساسيين، المكان أولهما ويرتبط بظهور وتطور اللهجات، فنجد المصريين يستخدمون “بص” بمعنى انظر، في حين يستخدمها التونسيون بمعنى “أطلق ريحاً”.

العامل الثاني هو الزمان، أي يتغير معنى اللفظ بمرور الوقت، وهنا يتعلق باختلاف العوامل النفسية والاجتماعية والدينية والسياسية، وكثير منها يرتبط بدلالات جنسية.

وتناولت دراسة بعنوان “التطور الدلالي في العربية في ضوء علم اللغة الحديث”، أعدها د.حسين حامد الصالح، أستاذ الدراسات اللغوية بجامعة صنعاء، ونشرت بمجلة الدراسات الاجتماعية، عام 2003، أسباب تغير معاني الألفاظ. وقسمتها إلى أسباب خارجية تتمثل في التطور الاجتماعي والثقافي للمجتمعات الإنسانية، الذي يعد من الأسباب الخارجية، التي تؤدي إلى انتقال الدلالة من المجال المحسوس إلى المجال المجرد، نتيجة تطور العقل الإنساني ورقيه، وأسباب داخلية تأتي من داخل اللغة نفسها، وهي ترجع في معظم الأحيان إلى الاستعمال. لأن اللغة وجدت ليتم التفاهم بها بين الناس، فهم يتداولون ألفاظها بينهم مثلما يتداولون الدراهم ويستبدلون بها الحاجات.

وتوضح الدراسة نفسها أنه ينجم عن استعمال اللغة وتداولها، أن تضاف دلالات جديدة إلى ألفاظ قديمة، نتيجة سوء الفهم مثلاً، أو أن تبلى ألفاظ أخرى فيصيبها بعض التغير في الصورة، يجعلها تشابه ألفاظاً أخرى، فتدخل معها في دلالتها، وتختلط الدلالتان.

الجنس، أرض خصبة لتحوّل الألفاظ

يكثر ذلك في الألفاظ التي تعبر عن الحاجات الإنسانية والغرائز، والألفاظ التي ترتبط بالقذارة والدنس. لأن هذه الحاجات كثيراً ما يكنى عنها بكنايات معينة، غير أن كثرة استعمال تلك الكنايات يؤدي إلى شيوعها وابتذالها حتى تصبح أشد من التصريح. فتهجر تلك الألفاظ وتندثر من الاستعمال، وتحل محلها ألفاظ جديدة أكثر تعمية عن المقصود من الألفاظ القديمة. لكنها بمرور الوقت، وكثرة التداول تفقد هذه الميزة، فتُترك لتحل محلها ألفاظ أخرى، تدل دلالة غير مباشرة على المعنى المراد، وهكذا تدور الألفاظ في دورة متصلة.

ويلفت توكال إلى أن الكثير من المفردات التي نستخدمها في حياتنا اليوم تحمل معاني صادمة ومغايرة ومضادة، في أحيان كثيرة، خصوصاً تلك المرتبطة بالسباب والعملية الجنسية! وعلى سبيل التدليل وليس الحصر، نجد كثيراً من الألفاظ التي تحول معناها من الإيجاب للسلب، في ما يسميه باحثو اللغة بانخفاض الدلالة أو انحطاطها، ومن أمثلة على ذلك:

القحبة: معناها في أصل اللغة المرأة التي سعلت، ولا يزال الفعل قحب مستخدماً بالجزائر والمغرب بمعنى سعل، وتحولت الكلمة للمرأة “الساقطة”، فكانت المرأة الرخيصة تقف على رأس الطريق وتقحب ليميزها الرجال ويذهبون إليها فارتبطت العلامة بالاسم ولزمته.

الغانية: استخدمها العرب بعدة معانٍ منها المرأة التي استغنت بجمالها عن الزينة، أو بزوجها عن غيره من الرجال، أو التي بقيت في بيت والدها فلم تتزوج، وكلها معانٍ إيجابية، لكن تحولت بمرور الوقت لمعنى سلبي هو المرأة اللعوب.

الخول: هم “العبيد”، وذكرت اللفظة بحديث شريف، واقترنت بالنظرة الدونية للعبيد فتحول معناها مع الوقت إلى الشخص الذي يسيّره الآخرون ولا شخصية له.

بهلول: بمعنى الرجل الكريم العظيم الصفات، تحولت إلى معنى “عبيط” أو درويش، وربما ارتبط هذا التحول باعتبار الدراويش أو المجاذيب قديماً من أولياء الله الصالحين.

مزة ونسوان: من الكلمات الفصيحة التي تعادل لفظة امرأة، وتحولت مع الوقت لمعنى سلبي يحمل دلالة جنسية وشتيمة.

بلطجي: مشتقة من حاملي البلطة، وكانوا يسيرون في مقدمة الجيوش يمهدون الطريق للجنود من الحشائش والأحراش، وتحولت للدلالة إلى المجرمين أو المعتدين على الناس بغير حق.

العلق: تعددت معانيه لدى العرب، فهو النفيس من الشيء، أو السيف، أو الجراب الذي يحمي الشيء. كما قال العرب “علق خير، وعلق شر” أي يحبه ويميل إليه. وربما تطور معناها من هنا للفظ المتداول حالياً، بمعنى المنساق خلف الشيء أو الذي تتحكم به غرائزه.

الغائط: المكان المنخفض أو الوادي، وكان الرجل إذا أراد أن يتبرز ارتاد غائطاً من الأرض، فارتبط بالبراز أو إطلاق الريح.

أحا: اسم فعل مضارع بمعنى اعترض، وهو لفظ فصيح انتشر بين العامة والطبقات الدنيا، فترفعت عنه الطبقات العليا واعتبرته شائناً، وهكذا أصبح معيباً.

 من الإيجابية إلى السلبية

ويلفت توكال إلى أن هناك ألفاظاً كانت تحمل معاني إيجابية أو عادية ارتبطت بصفات ومعانٍ سلبية، منها:

كعب: هي في اللغة لفظة تدل على الرفعة والعلو، تحولت لمعنى مؤخرة الحذاء أو القدم.

الاحتيال: بمعنى الحركة وتحولت للنصب والتحايل على الأشخاص.

الحاجب: كان من الوظائف المهمة وخصوصاً في العصر العباسي، وأصبحت الكلمة الآن تطلق على البواب أو حاجب المحكمة، ومثلها الكاتب أصبحت مهنة وضيعة الشأن، بعد أن كان صاحبها الأقرب للوالي أو السلطان، وهذا بتأثير تغير الظروف الاجتماعية.

من السلبية إلى الإيجابية

بينما مرت ألفاظ أخرى بارتقاء الدلالة، أي انتقلت من معنى لا قيمة له أو سلبي لمعنى عظيم، منها:

شاطر: كان العرب يطلقونها على اللصوص، وخصوصاً القراصنة وقطاع الطرق، وتعني الرجل الخبيث الماكر، وأصبحت تستخدم في كثير من البلدان العربية بمعنى الذكي الناجح، وحافظت أخرى على المعنى الأصلي لها منها تونس.

القماش والعفش: ومعناهما المتاع الذي لا قيمة له بالمنزل، والآن تطلق على الأثاث الحديث.

اللحن: وتعني الخطأ أو النشاز في الكلام، وأصبحت تطلق على عذب الأنغام والموسيقى.

المرح: تعني مجاوزة الحد والطغيان وتحولت لمعنى الفرح والترفيه.

من معنى إلى آخر

بعض الألفاظ حدث لها تخصيص دلالة، أي انتقلت من معنى عام للدلالة على فئة أو فعل محدد وارتبطت بها، منها:

اتقى: أي حمى النفس، وبمرور الوقت ارتبطت التقوى بالإيمان والبعد عن المعاصي.

فلول: هي بقايا الجيش المنهزم، استخدمت خلال ثورة يناير في مصر للتعبير عن بقايا نظام مبارك.

شرموطة: هي قطعة القماش التي لا قيمة لها واقترنت بالنساء الساقطات وأصبحت معيبة.

التعاطي: يعني التناول وأصبح مرتبطاً بتناول المخدرات فقط.

اقترف: بمعنى فعل ومثلها ارتكب، وتحمل المعنى السلبي والإيجابي في أصل اللغة. لكن أصبحت مقتصرة على الجريمة أو الفعل السيىء، والإصرار وتعني الثبات والمداومة واقتصرت على الثبات على المعصية أو فعل الخطأ.

السنة: تعني الطريقة واقتصرت على أتباع النبي محمد.

السبت: الدهر أو الزمان، تحول ليوم من أيام الأسبوع.

الشيخ: الرجل المسن، اقتصرت على علماء الدين.

الفسق: وتعني الخروج، وبفعل تأثير العوامل الدينية، تحولت لمعنى الخروج عن الدين وتعاليمه، كذلك الكفر.

السفرة: معناها ما يحمله المسافر من الزاد، وأصبحت مقتصرة على ما يوضع على المائدة من طيب الطعام.

في المقابل، تحولت كلمات كثيرة من المعنى الخاص للعام، فالبأس يعني الحرب أصبح يطلق على كل شدة، والورد يطلق على كل الزهور.

ويعتبر توكال أن تغير دلالة الألفاظ، أمر ضروري، فاللغة ليست جامدة، وهو يحمل ملامح إيجابية تتمثل في بقاء اللغة ومناسبتها لكل العصور، وتعبيرها عن حاجة الناس. لكن أبرز مساوئه تتمثل في اندثار الكثير من الكلمات بمرور الوقت، والاضطرار لتغيير المعاني الأصلية في القواميس وكتب اللغة.

المصدر: رصيف 22

هذا المقال لا يعبر سوى عن رأي كاتبه، ولا يعبر بالضرورة عن رأي فريق المكتبة العامة






تعليقات الفيسبوك