معلومات لا تعرفها حول تحريم الحب والعشق في التراث العربي

امتلأ التراث العربي الذي مجّد الحب وكتب عنه أروع شعر الغزل، بآراء علماء دين يزدرون الحب ويصلون إلى حدّ تحريمه. وإذا كان قلب ابن الرومي لا يرتاح “سوى أن يُرى الروحان يمتزجان”، فإن ابن قيّم الجوزية كان يرى في العشق “مرضاً من الأمراض”، وكان أبو حامد الغزالي يعتبره “غاية الجهل ومجاوزة في البهيمية لحد البهائم”.

العشق حركة قلب فارغ

أشهر من حرّم العشق في التراث العربي هم الفقهاء الحنبليون. فابن قيّم الجوزية اعتبر أنه يبعد العاشق عن الله. وفي كتابه “الطب النبوي”، قال: “وعشق الصور إنما يبتلى به القلوب الفارغة من محبّة الله تعالى، المعرضة عنه، المتعوّضة بغيره عنه. فإذا امتلأ القلب من محبة الله والشوق إلى لقائه، دفع ذلك عنه مرض عشق الصور”. ويتطرق إلى قول “بعض السلف” إن “العشق حركة قلب فارغ”، أي فارغ من كل شيء سوى معشوقه، مستشهداً بقول الله: “وأصبح فؤاد أم موسى فارغاً، إن كانت لَتُبدي به”، أي فارغاً من كل شيء إلا من موسى، لفرط محبتها له، وتعلّق قلبها به.

ويستفيض ابن قيّم في هذه المسألة في كتابه “إغاثة اللهفان من مصايد الشيطان”. يقول: “إن عشق الصور المحرمة نوع تعبّد لها، بل هو من أعلى أنواع التعبّد، ولا سيّما إذا استولى على القلب وتمكن منه صار تتيماً، والتتيم التعبّد، فيصير العاشق عابداً لمعشوقه، وكثيراً ما يغلب حبّه وذكره والشوق إليه، والسعي في مرضاته، وإيثار محابه على حب الله وذكره، بل كثيراً ما يذهب ذلك من قلب العاشق بالكلية، ويصير متعلقاً بمعشوقه من الصور، كما هو مشاهد، فيصير المعشوق هو إلهه من دون الله عز وجلّ… فيصير آثر عنده من ربّه: حباً وخضوعاً وذلاً وسمعاً وطاعةً”.

من هنا يعتبر أن “العشق والشرك متلازمان”، خاصة أن “القلب الصحيح”، برأيه، “هو الذي همّه كله في الله، وحبه كله له، وقصده له، وبدنه له، وأعماله له، ونومه له، ويقظته له، وحديثه والحديث عنه أشهى إليه من كل حديث”. بينما العشق يستعبد النفوس لغير خلّاقها ويلقي الحرب بينه وبين التوحيد.

ويقول ابن قيّم إن العاشق “يتحرك عند ذكر محبوبه منها دون غيره. ولهذا تجد محب النسوان والصبيان، ومحب قرآن الشيطان بالأصوات والألحان، لا يتحرك عند سماع العلم وشواهد الإيمان ولا عند تلاوة القرآن”. ولأن العشق يجعل العاشق يؤله محبوبه ويعظمه فيقدّم طاعته على طاعة الله ورسوله، فإنه يرى أن في العشق “ما قد يكون أعظم ضرراً على صاحبه من مجرد ركوب الفاحشة”.

يلتقي فقيه حنبلي آخر هو الحافظ ابن الجوزي مع آراء ابن قيّم بحسب كتابه “ذم الهوى”. ففيه يقول: “إعلم أن مطلق الهوى يدعو إلى اللذة الحاضرة من غير فكر في عاقبة، ويحث على نيل الشهوات عاجلاً، وإن كانت سبباً للألم والأذى (في العاجل) ومنع لذات من الآجل. فأما العاقل فإنه ينهي نفسه عن لذة تعقب ألماً، وشهوة تورث ندماً، وكفى بهذا القدر مدحاً للعقل وذماً للهوى”.

الحبّ يذهب بالعقل

ولكن ذم العشق لا يقتصر على الفقهاء الحنبليين. ففي كتابه الشهير “إحياء علوم الدين”، يعتبر أبو حامد الغزالي، الذي يوصف بأنه صوفيّ الطريقة، أن العشق “هو غاية الجهل بما وضع له الوقاع، وهو مجاوزة في البهيمية لحد البهائم لأن المتعشق ليس يقنع بإراقة شهوة الوقاع وهي أقبح الشهوات وأجدرها أن يستحي منه حتى اعتقد أن الشهوة لا تنقضي إلا من محل واحد، والبهيمة تقضي الشهوة أين اتفق فتكتفي به. وهذا لا يكتفي إلا بشخص واحد معين حتى يزداد به ذلاً إلى ذل وعبودية إلى عبودية، وحتى يستسخر العقل لخدمة الشهوة وقد خلق ليكون مطاعاً لا ليكون خادماً للشهوة ومحتالاً لأجلها وما العشق إلا سعة إفراط الشهوة وهو مرض قلب فارغ لا هم له”.

ومن جانبه ينتقد الفقيه الكبير والقاضي الشافعي أبو الحسن الماوردي، في كتابه “أدب الدنيا والدين”، الهوى على اعتبار أنه يذهب بالعقل وأنه “عن الخير صادّ، وللعقل مضادّ لأنه ينتج من الأخلاق قبائحها، ويظهر من الأفعال فضائحها، ويجعل سِتر المروءة مهتوكاً، ومدخل الشك مسلوكاً”. وفي مقارنته بين الهوى وبين الشهوة يعتبر الأول أسوأ من الثانية ويقول: “أما فرق ما بين الهوى والشهوة مع اجتماعهما في العلة والمعلول، واتفاقهما في الدلالة والمدلول، فهو أن الهوى مختص بالآراء والاعتقادات والشهوة مختصة بنيل المستلذّات، فصارت الشهوة من نتائج الهوى، وهي أخصّ والهوى أصل، هو أعمّ”.

وفي الكتاب عينه، يذكر الماوردي بعض الآراء التي تزدري الحب. فقال الشعبي: “إنما سمّي الهوى هوىً لأنه يهوي بصاحبه”. وقال أعرابيّ: “الهوى هوان، ولكن غُلظ باِسمه، فأخذه الشاعر وقال: “إن الهوان هو الهوى قلب اِسمه/ فإذا هويت فقد لقيت هوانا”. وقال الشاعر: “وما يردع النفس اللجوج عن الهوى/ من الناس إلا حازم الرأي كامله”. وقال بعض الشعراء: “أتجعل العقل أسير الهوى/ وإنما العقل عليه أمير”.

أما أبو علي القالي، فإنه يعتبر في “كتاب الأمالي” أن “الشغف: حُرمة يجدها الرجل مع لذّة في قلبه”. كما يقدّم عبد الله بن المقفع، في كتابه “الأدب الكبير”، النصيحة التالية: “إعلم أن من أوقع الأمور في الدين، وأنهكها للجسد، وأتلفها للمال، وأضرّها بالعقل، وأزراها للمروءة، وأسرعها في ذهاب الجلالة والوقار، الغرام بالنساء”.

علاج “مرض الحب”

“لما كان مرضاً من الأمراض”، يقول ابن قيّم الجوزية في كتابه “الطب النبوي”، فإن العشق “كان قابلاً للعلاج”. هكذا نظر البعض إلى العشق كمرض ينبغي البحث عن علاج له قبل أن تتفاقم حالة العاشق. ولكن كيف يُعالج العشق؟ على سبيل المثال، ينقل ابن قيّم عن سنن ابن ماجه عن النبي أنه قال: “لم نرَ للمتحابين مثل النكاح”. ولكن ماذا إن كان لا سبيل للعاشق إلى وصال معشوقه. هنا يعتبر أن “من علاجه: إشعار نفسه اليأس منه”. ولمساعدة العاشق على التداوي من محبوبه، ينصحه ابن قيّم بأن “يتذكر قبائح المحبوب، ما يدعوه إلى النفرة عنه”.

ولكي يسهّل الأمور بعض الشيء على العاشق يدعو ابن قيّم، ولكن في كتابه “إغاثة اللهفان من مصايد الشيطان”، إلى “المحبة النافعة”. والمحبة النافعة هي “محبة الزوجة وما ملكت يمين الرجل، فإنها معينة على ما شرع الله سبحانه من النكاح وملك اليمين، من إعفاف الرجل نفسه وأهله، فلا تطمح نفسه إلى سواها من الحرام” ولكن هنا عليه أيضاً أن يحترز من أن يشغله ذلك “عن محبة ما هو أنفع له، من محبة الله ورسوله”.

أما أبو حامد الغزالي، في كتابه “إحياء علوم الدين”، فإنه ينصح بالاحتراز منذ البداية، أي أنه يفضّل الوقاية على العلاج. فيقول: “إنما يجب الاحتراز به من أوائله بترك معاودة النظر والفكر، وإلا فإذا استحكم عسر دفعه”، وعليه “فليكن الاحتياط في بدايات الأمور فأما في أواخرها فلا تقبل العلاج إلا بجهد جهيد يكاد يؤدي إلى نزع الروح”.

الحب ليس محظوراً في الشريعة

ولكن مقابل هذه التحريمات للحب والعشق، ينقل التراث إلينا أصواتاً أكثر رأفة بالمحبين والعشاق. يروي الإمام محمود بن عمر الزمخشري في كتابه “ربيع الأبرار ونصوص الأخبار” عن يحيى بن معاذ الرازي، وهو من أعلام التصوّف السنّي، قوله: “لو أمرني الله أن أقسم العذاب بين الخلق ما قسمت للعاشقين عذاباً”.

وكما في كلّ المسائل الإشكالية في التراث نقع على أشعار تَنسب فتاوى لبعض علماء الدين جزافاً. على سبيل المثال، قال جامع بن مرخية الكلابي، وهو من شعراء الحجاز: “سألت سعيد بن المسيب مفتي الـ/ مدينة هل في حب دهماء من وزر/ فقال سعيد بن المسيب إنما/ نلام على ما نستطيع من الأمر”. وسعيد بن المسيّب المذكور هو من علماء الإسلام الأوائل. وهنا يروي الزمخشري في كتابه السابق ذكره أن سعيد قال: “والله ما سألني أحد عن هذا، ولو سألني ما كنت أجيب إلا به”. بينما يروي أبو الفرج الأصفهاني في كتابه “الأغاني” أنّ سعيداً قال: “كذب والله. ما سألني ولا أفتيته بما قال”.

ولكن من أهمّ ما كُتب عن الحب في التراث هو ما كتبه ابن حزم الأندلسي، أحد أكبر علماء الأندلس وصاحب المؤلفات الفقهية والفلسفية الكثيرة، في كتابه الشهير “طوق الحمامة في الألفة والألاف”، وهو كتاب كتبه لأحد الأمراء. يقول ابن حزم إن الحب “أوّله هزل وآخره جدّ، دقّت معانيه لجلالتها عن أن توصف، فلا تدرك حقيقتها إلا بالمعاناة. وليس بمنكر في الديانة ولا بمحظور في الشريعة، إذ القلوب بيد الله عزّ وجلّ”. هذه هي خلاصة رأيه، فهو يرى أن “استحسان الحسن وتمكّن الحب طبعٌ لا يؤمر به ولا ينهى عنه، إذ القلوب بيد مقلّبها… وأما المحبة فخِلقة، وإنما يملك الإنسان حركات جوارحه المكتسبة”.

ومن أهم ما قاله في الكتاب المذكور هو وصفه آثار الحب على النفوس، فكتب: “إن للحب حكماً على النفوس ماضياً، وسلطاناً قاضياً، وأمراً لا يخالف، وحدّاً لا يعصى، وملكاً لا يتعدّى، وطاعة لا تصرف، ونفاذاً لا يردّ، وأنه ينقض المِرَر، ويحلّ المبرم ويحلل الجامد، ويخل الثابت، ويَحُلّ الشغاف، ويُحلّ الممنوع”.

ولكن رغم ذلك، فإن اللافت في كتاب “طوق الحمامة” هو الطريقة التي يبدأ بها صاحبه حديثه حيث يقول واصفاً الموضوع الذي يبحث فيه: “هذا من اللغو، والأولى بنا مع قصر أعمارنا ألا نصرفها إلا فيما نرجو به رحب المنقلب وحسن المآب غداً”. أما في نهاية الكتاب فلا يمكن إلا التوقف عند الخلاصة التالية: “وأنا استغفر الله تعالى مما يكتبه الملكان ويحصيه الرقيبان من هذا وشبهه، استغفار من يعلم أن كلامه من عمله، ولكنه إن لم يكن من اللغو الذي لا يؤاخذ به المرء فهو إن شاء الله من اللمم المعفو، وإلا فليس من السيئات والفواحش التي يتوقع عليها العذاب، وعلى كل حال فليس من الكبائر التي ورد النص فيها”.

المصدر: رصيف 22

هذا المقال لا يعبر سوى عن رأي كاتبه، ولا يعبر بالضرورة عن رأي فريق المكتبة العامة

هذا المقال لا يعبر سوى عن رأي كاتبه، ولا يعبر بالضرورة عن رأي فريق المكتبة العامة







تعليقات الفيسبوك