هل العرب غير مؤهلين للتعامل مع الأفكار المنطقية والعلمية بشكل سليم ؟

هل العرب غير مؤهلين للتعامل مع الأفكار المنطقية والعلمية بشكل سليم ؟ – يونان سعد

لماذا نفشل نحن العرب أصحاب الحضارة القديمة التي استفاد منها العالم كله، كما نحب أن نقول دائماً، في تلمس طريق واضح للنهضة؟ لماذا نعجز عن القيام من كبوتنا؟ هل يرجع ذلك إلى افتقارنا إلى ملكة استخدام ما يسمى بالعقل النقدي؟

كيف نتبيّن الصح من الخطأ؟

في العادة، يساعد تقديم الدلائل والبراهين في ترجيح كفة رأي معيّن في مناقشة ما. ولكن لنتخيل مناقشة محتدمة بين طرفين حول مسألة خلافية. وفي هذه المناقشة يحاول أحد الطرفين “أ” إقناع الطرف الآخر “ج” برأيه من منطلق “أن هذا الرأي يعتمد على البرهان والمنطق السليم”. ولكن يُصادف أن “ج” لا يعرف ما هو البرهان وما هو المنطق السليم.

هذا النوع من المناقشات يؤول غالباً إلى الفشل. فما جدوى أن يكون رأيك منطقياً بالنسبة لي، إذا كنتُ لا أعرف أصلاً كيف أستخدم المنطق لكي أتعرف على ما هو الصواب وما هو الخطأ في هذا الرأي أو غيره.

هنا، إذا كنت منصفاً فسوف أبادر إلى القول: “لم أفهم كلامك”. أما إذا أخذتني العزة بالنفس وقررت أن أتمادى في جهلي فسوف أبادر إلى الهجوم على محاوري على اعتبار أن الكلام المنطقي ليس منطقياً وأن رأيي هو عين العقل والبرهان. وأغلب الناس يؤكدون على صحة أفكارهم أيّاً تكن بأقوال من قبيل “كلامي منطقي وكلامك ليس فيه رائحة المنطق”.

ولو كان هنالك كائن فضائي يشاهد ما يحدث على هذا الكوكب من نقاشات غير مجدية يدّعي جميع أطرافها احتكامهم إلى المنطق وقواعده، بينما لم يقرأ معظمهم كتاباً واحداً في هذا العلم، سيتمكّن هذا الكائن من صناعة فيلم كوميدي يحطم الأرقام القياسية لمبيعات الأفلام في كوكبه.

 ما هو العقل النقدي؟

يمكن التمييز بين طريقتين في التفكير، الأولى تحتكم إلى التجربة على اعتبار أن المبدأ الوحيد للتعرف على الحقائق هو المشاهدة عن طريق الحواس، أي أن ما لا أراه بعيني أو تدركه أذني أو أي من الحواس الأخرى لن يُعتد به.

ويحدث هذا سواء في المعمل “بالنسبة للعلوم المادية كالكيمياء” أو خلال مراقبة سلوك مجموعات مختلفة من الناس وردود أفعالهم على أشياء بعينها “بالنسبة للعلوم الإنسانية كعلمي النفس والاجتماع”. وهكذا.

وتتبنى المدرسة الوضعية في الفلسفة هذه الطريقة، وإليها يرجع الفضل في تقدم سائر العلوم المادية والتطور التكنولوجي الهائل الذي حققه العالم في القرنين الفائتين، بالإضافة إلى نمو المعارف المختلفة حول نفس الإنسان وطبيعة المجتمعات وخلافه، ونحن في الغالب حين نتحدث عن المنهج العلمي فإننا نقصد هذه الطريقة في التفكير والتي أسماها مفكرو فرانكفورت (تيودور أدورنو، هربرت ماركيوز، يورغن هابرماس) بـ”العقل الأداتي”، أي ذلك الجزء من عقل الإنسان الذي يوظف العالم كله بما فيه نفسه كأدوات،”مجرد أدوات”، للوصول إلى أفضل النتائج.

أما الطريقة الثانية في التفكير فتُسمَى بالعقل الموضوعي أو النقدي، وهي تعترف بضرورة التجربة في التعرف إلى الحقائق، إلا أنها ترى أن التجربة العملية وحدها لا تكفي حين نتحدث عن الإنسان وعلاقته بنفسه وبالمحيطين به في مجتمعه وبالدولة التي ينتمي إليها. فطبيعة الإنسان والمجتمعات معقدة بالقدر الكافي لجعلنا في أمس الحاجة إلى استخدام إمكانات العقل البشري الأخرى.

وبحسب هذه الطريقة، إنّ القدرة على التأمل وتنظيم المعلومات المختلفة للخروج باستنتاجات مفيدة هي إمكانات للعقل البشري لا يمكن للتجربة العلمية أن تجعلنا في غنًى عنها، وكذلك الأمر بالنسبة إلى ملكة التخيّل. فالتجارب العلمية هي في أمس الحاجة إلى هذه الإمكانات كي يصبح لها معنى.

تخيل أنك قرأت ألف كتاب حول موضوع معيّن بحيث يحمل كل واحد منها رأياً مختلفاً ومعلومات متباينة حول هذا الموضوع. بطبيعة الحال، سوف تغرق في هذا الفيضان من الآراء والمعلومات وتصبح غير قادر على الوصول إلى أي نتيجة مفيدة فضلاً عن الحيرة العظيمة التي ستقع فيها. والشيء الوحيد القادر على إنقاذك من هذه الحيرة هو العقل النقدي.

أهمية العقل النقدي

العقل النقدي هو الذي يستطيع الربط بين المعلومات المتاحة وتبيّن ما هو الصحيح والخاطئ فيها، ومن ثم الاهتداء إلى الحقيقة. وبدونه تصبح القراءة غير نافعة والتعليم لغواً لا طائل منه والتجارب العملية بلا معنى. كما أن المنهج العلمي نفسه تولّد نتيجة لعمل موضوعي ونقدي قام به فلاسفة عظام يتمتعون بذكاء كبير في هذا الجانب من عقولهم. ولا سبيل لفهم روح العلم دون فهم أفكار هؤلاء الناس.

وإنْ كانت إمكانات هذا الجانب من عقلك هي التأمل والقدرة على التخيل، فإن الأدوات التي يستخدمها هي قواعد المنطق وقواعد الجدل، بالإضافة إلى أن العقل بطبيعة الحال لا يستطيع أن يحكم بدقة على أمر ما باعتباره صحيحاً أو خاطئاً إلا إذا توفرت عنه المعرفة الكافية.

هذا هو الطريق الثلاثي الأضلاع “تأمل ونقد ومعرفة” الذي يعمل من خلاله هذا الجزء الهام من عقولنا، وغيابه أو تغييبه يفسر لماذا يمر العديد من الناس بخبرات حياتية وصدمات نفسية على مدار أعمارهم لكنهم لا يتعلمون منها وغالباً ما يكررون الوقوع في الأخطاء نفسها.

استخدام يومي

تصيب معظمنا الحيرة حين نجلس أمام شاشة التلفزيون لمتابعة برامج التوك شو. فلا نستطيع تبنّي أي من الآراء المتضاربة التي تقدمها إلينا وسائل الإعلام. قد نرجّح رأياً ما فقط لأن صاحبه يقدمه بطريقة جذابة أو بوضع السم في العسل كما نقول بغض النظر عن صحة دلائله. وقد نميل إلى اعتناق الرأي الشائع بصرف النظر عن المنطق والبراهين ونقول لأنفسنا: “طالما أن معظم الناس يصدقون هذه الفكرة فلا بد أنها صحيحة”، على الرغم من أن كثرة العدد لا علاقة لها بصحة الرأي. هكذا يعلمنا التاريخ وهكذا يؤكد علم المنطق.

لماذا يتأخر العرب؟

تأسيساً على ما سبق، لماذا يتأخر العرب في العلوم المادية؟ ولماذا تفشل محاولات نشر الوعي وتصحيح المفاهيم الخاطئة، برغم أن المعارف والأفكار المنطقية متاحة أمام الجميع على شبكة الإنترنت وفي الكتب.

لو كان السبب الوحيد هو ارتفاع نسبة الأمية، فلماذا لم تتقدم هذه الأشياء في أوساط الجامعيين في الوطن العربي وهم يمثلون نسبة غير قليلة؟ ولو كان السبب الوحيد هو انخفاض نسبة القراءة، فلماذا يعاني جمهور القراء أنفسهم من الأفكار الرجعية وتأخذ نسبة غير قليلة من النخبة العربية على عاتقها مهمة التبشير بآراء ومفاهيم بائدة ومنافية للمنطق والعلم؟

قد تقدم لنا دراسة صادرة عن منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية لعام 2015 جزءاً من حل اللغز الذي لا يخفى على معظمنا. تذيّلت في الدراسة المذكورة تسع دول عربية قائمة الدول الأفضل من حيث جودة التعليم، كما تغيبت بقية بلدان المنطقة عن التصنيف أصلاً.

وقد كان على رأس شروط جودة التعليم التي وضعتها المنظمة لتصنيف الدول، هو مدى اعتماد النظام التعليمي الذي تعتمده الحكومة على تنمية الحس النقدي لدى الطلاب. فبهذا الحس وحده يستطيع المتعلم ربط المعارف التي يتلقّنها وتحويلها إلى أفكار نافعة.

مسؤولية المثقفين

في كتابه “من النهضة إلى الردة”، يقول المفكر العربي الراحل جورج طرابيشي أن معظم المفكرين العرب منذ بداية من القرن التاسع عشر، وهو الوقت الذي ينظر إليه باعتباره نقطة انطلاق مشروع النهضة العربية، كانوا يقعون في شرك التخلي عن استخدام العقل النقدي في تصدير أفكارهم للناس.

وشرح أن منهم مَن رغب في نقل أفكار النهضة الغربية كما هي وبسرعة وبشكل صدامي إلى المجتمعات العربية غافلين أن هذه الأفكار تحتاج إلى شوط طويل من الزمن حتى تختمر وتتطور بشكل تلقائي عند الناس وبشرط تعليمهم كيف يستخدمون ملكة العقل النقدي لديهم. ومنهم مَن رأى أن الطريق الأمثل للنهضة هو العودة التامة إلى التراث العربي وقطع الصلة مع الحاضر غاضّاً الطرف عن أن هذا التراث برغم مجده العظيم في العصور السابقة وفضله الكبير حتى على الغرب لم يعد يصلح في أجزاء ليست بقليلة منه لهذا العصر.

أما الفريق الثالث، فعمد إلى التوفيق بين التراث العربي والفكر الأوروبي المعاصر، إلا أن هذه المحاولات لم تكن إلا مجرد أوهام لأنها عملت على التلفيق بين الأمرين دون العمل على نقد التراث والحضارة الغربية المتقدمة والمجتمعات العربية المعاصرة بشكل جدي لتبيّن مشاكلها ومحاسنها في الوقت نفسه. وبرأيه، لو حصل هذا النقد الموضوعي لكان من المفترض أن يُنتج طريقاً جديداً يفتح المجال لإحداث نهضة فعلية.

ولتبيان وجهة نظره، اختار طرابيشي آليات التحليل النفسي ليكتشف أن المفكرين العرب عند تناولهم لأزمة النهضة وقعوا في مجموعة من ردود الفعل النفسية لا العقلية، يلخصها في أن هؤلاء مثلهم مثل الجماهير العريضة في الشرق الإسلامي عندما اكتشفوا فجأة مع قدوم الفرنسيين في حملتهم إلى مصر التقدم الرهيب الذي أنجزته الحضارة الغربية في مقابل التأخر الشديد الذي حاق بنظيرتها العربية الإسلامية التي كانت منارة الحضارة في يوم ما، هذا الأمر أسفر عن صدمة نفسية أسماها ب”الصدمة الأنثروبولوجية” جعلت فريقاً منهم يلجأ إلى إنكار الأمر برمته على اعتبار أننا لسنا متأخرين وأن التراث الذي ورثناه يفوق التقدم الغربي بمراحل وعلينا التمسك به واستعادته كاملاً.

من جهة ثانية، عانى فريق آخر من الشعور بصغر الذات ولم يجد مفرّاً سوى بجلد نفسه، فنسب كل المحاسن للغرب وكل الشرور للشرق.

أما الفريق الثالث فقصد التلفيق بين الأمرين على أساس نفسي بحت لا على أساس عقلي، وذلك باللجوء إلى الإنكار تارةً وإلى جلد النفس تارةً أخرى.

وهذا يعني أن الكثيرين من المفكرين العرب الذين يقع على عاتقهم إجراء النقد الموضوعي وتعليم الناس كيف يستخدمون هذا النقد، جعلتهم صدماتهم النفسية في غيبة عن العقل نفسه.

وإنْ كان هذا هو حال معظم المفكرين العرب بالنسبة إلى طرابيشي، فما هو حال الخطاب الديني الذي كثيراً ما سمعنا عن حاجته الماسة إلى تجديد؟

قد يكون لنصر حامد أبو زيد وجهة نظر مختلفة في هذا الأمر. فهو يرى، في مقاله الشهير في “أخبار الأدب” عام 2005 عن “نقد التنوير الحكومي”، أن الخطاب الديني القديم والجديد الذي لطالما ناشدناه يشتركان في أمر واحد وهو إهمال استخدام العقل النقدي وأدوات النقد، مما يجعلهما صورتين لعملة واحدة شعارها “إسمع مني فأنا أعرف أكثر منك”.

ويبدو أن الخطاب الفكري والديني والمناهج التعليمية في الشرق الأوسط تشترك جميعها في الأمر نفسه، لذلك لا نجد غرابة في أن يكون الجمهور العربي في أغلبه ما زال غير مستعد لتقبل الأفكار المنطقية والعلمية على نحو سليم. ولذلك، فإن طريق النهضة ما زال بعيد المنال.

المصدر: رصيف 22

هذا المقال لا يعبر سوى عن رأي كاتبه، ولا يعبر بالضرورة عن رأي فريق المكتبة العامة

هذا المقال لا يعبر سوى عن رأي كاتبه، ولا يعبر بالضرورة عن رأي فريق المكتبة العامة






تعليقات الفيسبوك