ماذا تعرف عن “الإباحة والتحريم” ؟

ماذا تعرف عن “الإباحة والتحريم” ؟ بقلم: محمد الزحيلي

الإباحة والتحريم اصطلاحان أصوليان وفقهيان، ولذلك يرد تعريف كل منهما في علم أصول الفقه، وعلم الفقه.

أولاً: تعريف الإباحة وما يتصل بها

الإباحة لغة: الإحلال، والمباح خلاف المحظور. والإباحة عند الأصوليين: خطاب الله تعالى المتعلق بأفعال المكلفين تخييراً من غير بدل، أو هي: تخيير المكلف بين طلب الفعل وتركه، وتطلق الإباحة على ما يقابل الحظر، فتشمل الفرض والواجب والمندوب والمباح.

والمباح: هو الفعل المخير بين فعله وتركه، كتناول الأكل، والمشي في الطريق، والوقوف في الشمس، والسباحة.

والفرق بين الإباحة والمباح أن الإباحة هي الخطاب الشرعي نفسه، وإذا تعلق الخطاب بفعل المكلف وصف بأنه مباح؛ لأن الخطاب تعلق بفعل فجعله مباحاً، ولذلك عرَّف أيضاً علماء الأصول المباح بأنه: ما لا يمدح على فعله ولا على تركه، ويسمى فيالقانون «المسموح به».

والإباحة عند الفقهاء: هي الإذن بالفعل حسب مشيئة الفاعل في حدود الإذن، وتأتي الإباحة بمعنى إذن من المالك باستهلاك الشيء أو استعماله، وأصل الإذن العام من الله تعالى، ولذلك قال الغزالي في تعريف المباح: هو ما ورد الإذن من الله تعالى بفعله، وتركه، غير مقرون بذم فاعله ومدحه، ولا بذم تاركه ومدحه.

أما العفو فهو التجاوز عن الإساءة؛ بأن يصدر عن المكلف فعل محرم ثم يأتي العفو والتجاوز عنه، كارتكاب المحرمات قبل الإسلام كشرب الخمر ونكاح زوجة الأب والجمع بين الأختين والزواج بأكثر من أربع زوجات، ولما جاء الشرع عفا عن هذه المحرمات، فقال الله تعالى: )عَفَا اللهُ عَمَّا سَلَفَ([المائدة95]، وقد يقع المحظور من المكلف بسبب الخطأ أو النسيان أو الإكراه، فيعفو الشارع عن الفاعل لما جاء في الحديث الشريف: «رفع عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه»، فيصبح الفعل المعفو عنه مباحاً، وبعض العلماء عدّ العفو مرتبة سادسة في الأحكام، والجمهور عدّها مساوية للإباحة من حيث الأثر والنتيجة، وفرع من الإباحة، ومثله العفو عن العقوبة اليوم.

أما الرخصة فهي في اصطلاح علماء الأصول: الحكم الثابت على خلاف الدليل لعذر، فقد يطلب الشرع فعلاً، ثم يرخِّص – أي يسهل وييسر على المكلف – بتركه بسبب عذر، كترك أداء الصيام في رمضان بسبب المرض أو السفر، وترك الوضوء للتيمم لمرض، فيصبح الواجب مباحاً بالرخصة، وقد يكون الفعل محرماً كشرب الخمر وأكل الميتة فيصبح الحرام مباحاً لعذر للضرورة، ولذلك قالوا: «الضرورات تبيح المحظورات».

ثانياً: أساليب الدلالة على الإباحة

إن الأساليب التي تدل على الإباحة كثيرة، أهمها:

1- النص الصريح على إباحة الفعل أو التخيير فيه، مثل: افعلوا إن شئتم، أو اتركوا إن شئتم، ومنه الحديث الشريف للمسافر: «إن شئت فصم، وإن شئت فأفطر».

2- النص على عدم الإثم على الفعل، أو ما في معناه كعدم الجناح كإباحة الخلع على مال من الزوجة لزوجها، قال الله تعالى: )فلا جُنَاَح عَلَيْهمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهَ([البقرة229]. وإباحة التعريض بالخطبة للمتوفى عنها في أثناء العدة، قال الله تعالى: )ولا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا عَرَّضْتُم بِهِ مِنْ خِطْبَةِ النِسَاءِ([البقرة 235]، ومثله نفي الحرج، قال الله تعالى: )لَّيسَ َعَلَى الأَعمَى حَرَجٌ، ولا عَلَى الأعْرَجِ حَرَجٌ، ولا عَلَى المْرِيضِ حَرَجٌ([النور61].

3- الأمر بالفعل مع القرينة الدالة على أن الأمر للإباحة، وليس للوجوب أو الندب، قال الله تعالى: )وَكُلُوا وَاشْرَبُوا([الأعراف31]، والقرينة أن الفطرة تطلب الأكل والشرب بدون طلب.

4- الأمر بالفعل بعد حظره فإنه يفيد الإباحة، كالأمر بالسعي والانتشار بعد حظره في أثناء صلاة الجمعة، قال الله تعالى: )فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلاةُ فَاْنتَشِرُوا في الأَرْضِ([الجمعة10]، ومثل الأمر بالصيد عند التحلل من الإحرام، قال الله تعالى: )غِيْرَ مُحِلّي الصَّيْدِ وأَنتُمْ حُرمٌ([المائدة1]، ثم قال الله تعالى: )وإِذا حَلَلْتمُ فَاصْطَادُوْا([المائدة2]، ومثل الأمر بزيارة القبور بعد حظرها في الحديث الشريف: «كنت نهيتكم عن زيارة القبور ألا فزوروها»، ومثل ذلك اليوم إذا حظرت الدولة أمراً أو استيراداً، ثم رفعت الحظر، فيصبح مباحاً لمن شاء أن يفعله أو أن يتركه.

5- النص على حلِّ الفعل كإباحة الطيبات وطعام أهل الكتاب، قال الله تعالى: )اليَوْمَ أُحِّلَ لَكُمُ الطَّيِبَاتُ، وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ([المائدة5]، وإباحة المتعة بين الزوجين ليلة الصيام، قال تعالى: )أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الَّرفَثُ إلى نِسَائِكُمْ([البقرة187].

6- الإباحة الأصلية للأشياء والأفعال؛ لأن الله خلق كل ما في الكون للإنسان، فيبقى مباحاً ما لم يرد نص شرعي في منعه وتحريمه، كالطيور في السماء، والسمك في البحار، والشجر في الجبال، وجميع الثمار والفواكه.

7- الاستثناء من أشياء محرمة، فتكون رخصة[ر: الرخصة] كقوله تعالى: )وقَدْ فَصَّلَ لَكُم مَّا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ إلا مَا اضْطُرِرْتُمْ إلَيْهِ([الأنعام119]، وقوله تعالى: )وَلا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إلا بِالْحَقِ([الإسراء33]، وقوله r: «لا يحل دم امرئ مسلم إلا بإحدى ثلاث: الثيب بالثيب، والنفس بالنفس، والتارك لدينه المفارق للجماعة».

ثالثاً: حكم الإباحة

إن فاعل المباح لا يثاب ولا يعاقب، وإن تاركه لا يثاب ولا يعاقب، ولا يذم ولا يعاتب؛ لأن الشارع لم يطلب فعله ولا تركه، بل هو تخيير بين الفعل والترك من غير مدح ولا ذم، وكذلك القانون والقضاء لا يؤاخذ على فعل شيء أباحه للناس.

وإن فاعل المباح لا يعد مطيعاً؛ لأن الطاعة تكون في المطلوب فعله، وإن تاركه لا يعّد عاصياً، لأن المعصية تنحصر في ترك الواجب وارتكاب الحرام.

وإن النذر بترك المباح أو بفعله لا يلزم الوفاء به؛ لأن النذر ينحصر في الطاعة، وفعل المباح ليس طاعة، وكذا تركه.

وإن المباح إذا قصد به المكلف التقرب إلى الله تعالى فينقلب إلى طاعة وعبادة، كالأكل للتقوي على الصوم والصلاة والعلم والجهاد، والنوم للنشاط وقيام الليل وحضور صلاة الفجر جماعة في المسجد، ولذلك فإن كل أمر مباح قصد به المكلف وجه الله تعالى صار عبادة يستحق به صاحبه الأجر والثواب وينقلب طاعة.

وإن المباح قد يتغير وصفه إلى حكم آخر حسب توافر المصلحة المحققة فيه أو المفسدة أو المضرة المؤكدة، فيصبح واجباً أو مندوباً، أو حراماً أو مكروهاً[ر: واجب، مندوب، مكروه].

رابعاً: كون الإباحة حكماً شرعياً تكليفياً

ذهب بعض العلماء إلى أن الحكم الشرعي هو ما طلب الشارع فعله أو ما طلب تركه؛ ليكون فيه كلفة ومشقة وتكليفاً من الفعل أو الترك، وبما أن المباح ليس فيه طلب فعل ولا ترك فليس حكماً تكليفياً؛ لأن المباح لا حرج في فعله وتركه، وهذا ثابت قبل التشريع، ولا علاقة للحكم التكليفي به لأن التكليف فيه كلفة ومشقة، والتخيير ليس فيه كلفة ومشقة، وإنما يلحق بالحكم التكليفي تغليبا فقط.

وفي المقابل قال أحد العلماء إن المباح مأمور بطلبه، ونفى وجود المباح في الأحكام الشرعية التي تنحصر في طلب الفعل أو طلب الترك، وأن المباح مطلوب فعله لأنه يشغل المكلف عن الحرام فيكون واجباً، أو تركاً للحرام، ولأن ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب، كالاشتغال بالأكل أو بالصيد أو بالسباحة فإنه يبعد الإنسان عن السرقة وشرب الخمر والقذف والغيبة، وأضاف الكعبي أن الأحكام الشرعية تتعلق بالنفع والضرر كلياً أو غالباً، ولا يوجد فعل يتساوى فيه النفع والضرر في آن واحد، ولذلك يكون مطلوباً فعله أو تركه، ورد العلماء على هذا الرأي رداً حاسماً ونقضوه.

وقال جماهير العلماء إن المباح حكم تكليفي لأنه ثبت في الشرع قطعاً التخيير في بعض الأفعال بين الفعل والترك، وأن المكلف يعتقد حتماً بوجود المباح، وأجمع العلماء على تقسيم الفعل إلى خمسة أقسام وهي: الواجب والمندوب والمباح والمكروه والحرام، وأن المباح هو القسم الخامس، وإنكاره مخالف للإجماع.

خامساً: إحراز المباحات

يتم إحراز المباح بوضع اليد عليه وحفظه وصيانته بقصد تملكه، والمراد بالمباح هنا: المال الذي لم يدخل في ملك خاص، ولا مانع من تملكه شرعاً كالماء في منابعه، والكلأ في منابته، وأشجار البراري، وصيد البر والبحر، فيجوز وضع اليد عليه للانتفاع به أو لتملكه، فإن كان المباح أرضاً لا يملكها أحد فتسمى مواتاً، وإحرازها يسمى إحياء الموات[ر: إحياء الموات].

وإن مصدر إحراز المباحات – كالماء والكلأ والشجر والصيد والأرض وسائر المباحات العامة – هو الشرع الذي سوّغ للناس أن يمتلكوها بالإحراز المستوفي شرائطه الشرعية، فإن كان الشيء المملوك ملكاً خاصاً وأباح مالكه لشخص أن يستهلكه أو يستعمله، فيسمى المباح الخاص لأن مصدر إباحته مالكه، وهذه الإباحة لا تعني تمليكه.

ويشترط لملكية المباحات بالإحراز شرطان الأول: ألا يكون قد سبق إلى إحراز المباح شخص سابق، والثاني: قصد التملك عند وضع اليد عليه لأن الأمور بمقاصدها.

ويدخل في إحراز المباحات – بوصفها سبباً للملك – الغنائم الحربية؛ لأن أموال المحاربين تعدّ من المباحات لأن ملكيتهم عليها غير محترمة، ولذلك كانت الحرب المشروعة من أسباب التملك في العرف الدولي وقوانين الأمم [ر: حق الملكية].

سادساً: الأصل في الأشياء الإباحة

إن الله تعالى خلق الأرض والسموات، وسخرها للإنسان، قال الله تعالى: )هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُم مَّا في الأَرْضِ جَمِيعا([البقرة 29]، وقال تعالى: )أَلَمْ تروا أنَّ اللّهَ سَخَّرَ لَكُم مَّا فِي السَّمَاوَات وَمَا فِي الأرْضِ([لقمان20]، وقوله تعالى: )وَسَخَّرَ لَكُمْ مَّا فِي السمَّوَاتِ وَمَا فِي الأرْضِ جَمِيعاٍ مِنّْهُ([الجاثية13].

ولذلك فإن كل ما في السماء والأرض خلق للإنسان، ويباح له الانتفاع به، إلا ما ورد فيه نص خاص على تحريمه، ووضع العلماء القاعدة الفقهية: «الأصل في الأشياء الإباحة» أي إن المخلوقات في الأرض والسماء يباح للإنسان أن يضع يده عليها، وأن ينتفع منها، وأن يتملك ما يمكن تملكه، كما سبق في إحراز المباحات، وتسمى الإباحة الأصلية لأنها بقيت على الأصل، فإن ورد نص من الشارع بالتخيير بين الفعل والترك سميت إباحة شرعية، وقد يكون مصدر الإباحة من العباد على وجه لا يأباه الشرع من دون أن تكون على وجه التمليك، وتكون للانتفاع أو الاستهلاك كإباحة ركوب السيارة، وإباحة الطعام للضيف.

ويترتب على الإباحة الشرعية: رفع الإثم عن فاعل المباح، وتمكين المأذون له بالإباحة من التملك المستقر بالنسبة إلى العين، فتصبح مملوكة لمن وضع يده عل المباح، وله الاختصاص بالنسبة إلى المنفعة التي أذن مالك العين بانتفاع آخر بها، فيحل له الانتفاع بها.

كما يترتب على إباحة إحياء الموات إصلاح الأرض للبناء والمصانع، والاستفادة منها للزراعة، واستثمارها بجميع الوسائل، واستخراج خيراتها كالمعادن والنفط والجواهر.

وفي إباحة الصيد تفتح أبواب الكسب والخير والقوت للناس وخاصة اليوم، فصيد البحر يُعدّ أحد مصادر الثروة، وأحد مجالات توفير العمل للناس.

فالإباحة تحقق النفع العام للناس، وإصلاح الأراضي، وإعمار البلاد، وتوفير فرص العمل أمام الملايين للانتفاع بما أباحه الله لهم، ويسره لجهدهم.

سابعاً: التحريم

وهو في اللغة خلاف التحليل، والحرام ضد المباح، وهو نقيض الحلال، ويقال: حرم عليه الشيء حرمة وحراماً تحريماً.

والتحريم في اصطلاح أصول الفقه: هو خطاب الله تعالى المتعلق بأفعال المكلفين بطلب الترك الجازم، فالخطاب تحريم، وأثره في المكلف الحرمة، والفعل حرام، ولذلك عرّفوا الحرام بأنه ما طلب الشارع تركه على وجه الحتم والإلزام، أو هو ما يذم شرعاً فاعله لأن الشرع لم يجوز فعله، فالتحريم: جعل الشيء محرماً وممنوعاً ومعصية ومزجوراً عنه، ويسمى التحريم في القانون في المجال المدني ممنوعاً، ويسمى في المجال الجنائي جريمة، ويستحق فاعله العقوبة حسب قانون العقوبات.

والأساليب التي تفيد التحريم كثيرة، منها: أن يرد الخطاب صريحاً بلفظ التحريم، وما يشتق منه، كقوله تعالى: )حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمهَاتُكم([النساء23]، وقوله تعالى: )وَأَحلَّ اللهُ الْبِيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا([البقرة275]، وقوله تعالى: )وَحُرّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ البَرَّ مَا دُمْتُمْ حُرُمَاً([المائدة96]، وقوله تعالى: )قُل لا أَجدُ في ما أُوحِيَ إِليَّ مُحَرَّماً على طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إلا أنْ يكُونَ مَيَتةً أَوْ دَمَاً مَسْفُوحاً أَو لَحْمَ خِنْزِيرٍ فَإنَّهُ رِجْسٌ أو فِسْقاً أُهِلَّ لِغَيْرِ اللهِ([الأنعام145]، وفي الحديث الشريف: «كل المسلم على المسلم حرام: دمه وماله وعرضه».

ومنها صيغة النهي؛ لأن النهي يفيد التحريم، كقوله تعالى: )ولا تَقْرَبُوا الْفَوَاحِشَ ما ظَهَرَ مِنْها وَمَا بَطَنَ، ولا تَقْتُلُوا النَّفْسَ([الأنعام151]، وقوله تعالى: )ولا تَقْرَبُوا مَاَل اليَتِيمِ إلا بالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ([الأنعام15].

ومنها ما ورد بلفظ النهي، كقوله تعالى: )إنَّ اللهَ يَأْمُرُ بالْعَدْلِ والإِحْسَان وإِيتَاءَ ذِي القُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ والْمُنْكرِ والْبَغْي([النحل90].

ومنها طلب اجتناب الفعل، كقوله تعالى: )إنَّمَا الَخْمُر والَمْيسِرُ والأَنصَابُ والأزْلامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوه([المائدة90]، وفي الحديث الشريف: «اجتنبوا السبع الموبقات، الشرك بالله، والسحر، وقتل النفس التي حرم الله إلا بالحق، وأكل مال اليتيم، والتولي يوم الزحف، وقذف المحصنات».

ومنها ترتيب العقوبة على الفعل، كقوله تعالى عن القذفة: )فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانين جَلْدَةً، ولا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادةً أَبَداً، وأُولَئِكَ هُمُ الفَاسِقُونَ([النور4]، وقوله تعالى عن القاتل:)وَمَنْ يَقْتلْ مُؤْمِناً مُتَعَمِّداً فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِداً فِيهَا([النساء93]، وقوله تعالى عن السارق:)والسَّارِقُ والسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيهُما([المائدة38].

وكذا كل لفظ يدل على إنكار الفعل بصيغة مشددة، مثل: غضب الله، حرب الله، لعن الله، والتحذير من الفعل بأي أسلوب يدل عليه.

وحكم الحرام: وجوب الاجتناب، ووجوب الترك على المكلف، فإن فعله استحق العقاب والذم لما فيه من ضرر وفساد وشر وإيذاء.

والتحريم: إما أن يكون لمفسدة راجعة إلى ذات الفعل، ويسمى حراماً لذاته، وهو ما حرمه الشارع ابتداءً وأصالة، مثل أكل الميتة والدم والخنزير ولعب الميسر والقمار، وشرب الخمر، والزنا وقتل النفس وأكل أموال الناس بالباطل وزواج المحارم، ولذلك كان التعاقد على المحرم لذاته باطلاً، ولا يترتب عليه أثر شرعي، ولا يصلح سبباً شرعياً للأحكام والتصرفات، وإما أن تكون المفسدة راجعة لأمر يتعلق بالمحرم فيكون التحريم لأمر عارض، ويسمى حراماً لغيره، فهو مشروع في أصله، ولكن اقترن به أمر آخر يسبب مفسدة وضرراً للناس، فيحرم لهذا السبب كالصلاة في ثوب مغصوب، أو في مكان مغصوب، والبيع وقت النداء لصلاة الجمعة، والصوم يوم العيد، وزواج المحلِّل، والغش في البيع، ولذلك اختلف الفقهاء في أثر المحرم لغيره، فقال الجمهور: إن التعاقد على المحرم لغيره يكون باطلاً وفاسداً كالمحرم لذاته، ولا فرق بين الفساد والبطلان، وقال الحنفية: إن التعاقد على المحرم لغيره فاسد، لا باطل؛ لأنهم يفرقون بين البطلان والفساد.

ويكون التحريم غالباً منصباً على أمر معين ويسمى المحرم المعين، كتحريم قتل النفس وعقوق الوالدين والزنا والسرقة وغيرها، وقد يكون التحريم بسبب آخر ويسمى المحرم المخيّر، وهو تحريم أحد الفعلين بمنع الجمع بينهما كتحريم الجمع في الزواج بين الأختين، والجمع بين المرأة وابنتها، والتحريم في الجمع بين النساء زيادة عن أربع زوجات.

والفرق بين التحريم والكراهة أن التحريم طلب جازم للترك، وأن فاعله يعاقب في الدنيا والآخرة، ويثبت فيه الفساد قطعاً أو غالباً، ولا ينتج في التعاقد عليه أثر، ويكون العقد باطلاً، والحرام هو الممنوع قانوناً، ويعاقب قانون العقوبات فاعله.

أما الكراهة فهي طلب للترك غير الجازم، وفاعل المكروه لا يعاقب ولا يذم، وضرره وفساده قليل، ويترتب على فعله الآثار العادية مع تفضيل تركه واجتنابه، كالصلاة في أعطان الإبل، وأكل لحم الخيل، ولا يوجد كراهة في القانون الوضعي، فالأعمال إما مباحة وإما ممنوعة فقط.

وانفرد الحنفية باستعمال لفظ الكراهة التحريمية، وهي ما طلب الشارع تركه طلباً جازماً، ولكن بدليل ظني، كتحريم لبس الذهب والفضة للرجال، وترك الواجب عند الحنفية، وهو إلى الحرام أقرب بخلاف الكراهة التنزيهية، فهي إلى الحل أقرب، كترك السنة أو المندوب.

المصدر: الموسوعة العربية

هذا المقال لا يعبر سوى عن رأي كاتبه، ولا يعبر بالضرورة عن رأي فريق المكتبة العامة

هذا المقال لا يعبر سوى عن رأي كاتبه، ولا يعبر بالضرورة عن رأي فريق المكتبة العامة







تعليقات الفيسبوك