قارع الأجراس ! (قصة قصيرة)

قارع الأجراس ! (قصة قصيرة) – سامح عبد الله

انتهي بيتر لتوه من الخدمة في كنيسة سانت نيقولا التي تقع بأطراف مدينة إكسترا الصغيرة جنوب غرب لندن التي هي أقرب إلي الريف في حقيقة الأمر وكان عليه أن يتوجه إلي مسكنه الذي لا يبتعد عنها كثيرا فقد كان يتعين عليه أن يأخذ قسطا من الراحة والنوم فغدا الأحد موعد القداس الأسبوعي وإذا كان الناس في هذه المدينة يتوجهون إلي هذه الكنيسة عند بدايات الصباح فهو يتوجه إليها عند مطلع الفجر ومن الذي يعلن عن بدء الصلاة غير قارع الأجراس..!

دخل بيتر هذه الكنيسة منذ عشرين سنة تقريبا وقت أن كان سنه عشرون عاما فهو الآن يخطو خطواته الأولي في عقده الرابع. عمل في البداية مجرد خادم لكن الأب “بنيامين ” هذا الرجل الطيب الذي كان كاهن الكنسية قبل رحيله أسند له عملا آخر تقديرا لإخلاصه فى الخدمة وهو قارع الأجراس..
نعم.. قارع أجراس الكنيسة ويالها من مهمة أن يصعد هذا البرج العالي ثم يأخد في قرع الأجراس فيستيقظ كل حي في هذه المدينة الصغيرة شاء أن يصلي أم لم شيء.

يتذكر بيتر هذا اليوم الذي قام فيه بهذا العمل وكيف شعر فجأة أنه يؤدي عملا كهنوتيا يختلف كثيرا عن مجرد ترتبت مقاعد الكنيسة وتنظيفها استقبالا للمصليين لكن سرعان ما إنقلب الأمر إلي عمل مليء بالرتابة فقد علم بعد وقت قصير أنه ليس عملا كهنوتيا فليس له رداء مثل رداء القسيس ولا أحد يوما إنحني له وقبل يده مثلما يفعلون مع القسيس ولا جلس أمامه يوما من يعترف له بخطاياه علي كرسي الإعتراف بينما هو متخفيا خلف ستار.

كل هذا لم يحدث وتحول الأمر إلي عمل ثقيل فهو لا يقرع الأجراس فقط عند الصلاة..
إنه يقرعها عند الإحتفالات.. أي إحتفالات !
وعند الجنازات.. أي جنازات !
وعند زيارة حاكم المدينة الذي لا يعرفه أحد !
وياله من عمل ثقيل حين يمتزج بالرتابة .
لكن الأمر لم يتوقف عند ذلك فقد إزداد سوءا بعد رحيل الأب الطيب بنيامين وأصبح هذا القس الغامض فرنسيس كاهنا لهذه الكنسية
لم يحب بيتر يوما وكان دائما ما يقسو عليه والآن هو مضطر لأن يظل قارعا للأجراس عند أي مناسبة فلم يعد يجيد عملا غير صعود هذا البرج دون أن يرتدي ملابس الكهنة !

كل هذا كان يحدث به نفسه عندما ألقي جسده الهزيل فوق سريره انتظارا لبذوغ فجر الأحد حتي يعلن هو بدء صلاة جديدة ويشق هذا السكون بأجراسه بينما الناس جميعا فوق أفرشتهم الوثيرة ينعمون بغفوة يفتقدها منذ سنين طويلة.
بدأ القداس واصطف المصلين وارتدي القس فرنسيس ملابس الكهنة.. الاستخارة و البطرشيل والأكمام والحجر والصليب الذي يتدلي من عنقه !
ما كل هذا ! وهل لا تجوز الصلاة بغير كل هذه الملابس وكل هذه الطقوس !
لقد سمع الأب بنيامين كثيرا وهو يقول أن هذه الملابس تدل علي الطهارة وترمز إلي الشخصية الروحية لخادم الأسرار ومعها يتحول القسيس إلي شخصية أخري غير شخصيته التي حجبت عنه ولم يعد لها أهمية بل تفسح المجال لشخصية جديدة هي شخصية خادم الأسرار..لكن هل يؤمن حقا القس فرنسيس بوجهه الحاد بكل بهذا..؟!!

وبدأ القداس وجلست في الصف الأول كالمعتاد مدام ” ماتيندا ”
إمرأة قاربت الأربعين من العمر رحل عنها زوجها لكنها تحتفظ بقوام ممشوق وملامح أرستقراطية وإن كانت غير حقيقية لكن من المؤكد أن علاقة تربطها بالقس فرانسيس سيد هذا المكان المقدس وصاحب الكلمة العليا فيه ، وما يزال بيتر يذكر المرة الأولي التى دخلت فيها هذه السيدة الكنسية للإعتراف أمام القس فرانسيس وكيف تعددت جلسات إعترافها حتي تساءل
كل هذه خطايا إرتكبتها السيدة…؟!!

وانتهي القداس وغادر المصليين المكان وخلع القس فرانسيس هذا الكم الهائل من الملابس الكنسية ومعها ترك كل هذه الطقوس داخل الغرفة الخاصة به والتي كان يشغلها قبله الأب بنيامين ثم غادر الكنيسة.

وجلس بيتر يحدث نفسه وسط هذا السكون الذي كان منذ وقت قريب ضجيج ممزوج بخشوع لم يلتقط منه سوي العبارة المقدسة.. ” أبانا الذي في السموات ”
ولم يقطع هذا السكون سوي هذه المرأة التي هرولت إلي الكنيسة تحمل طفلها الصغير الذي لم ينقطع عن الصراخ والبكاء وقالت له بلهفة أم…
أرجوك أين الكاهن… أين القداس.. هل انتهت الصلاة.. هل غادر الكاهن.. إني بحاجة إلي الكاهن.. الطفل لا يتوقف عن البكاء والصراخ ولا بد أنه سيصاب بالصرع..!
كانت السيدة تسأل بلهفة دون إنتظار إجابة..
وعند ذاك أخبرها بيتر بأن كل شيء إنتهي..
إنتهي القداس وغادر الكاهن..
لكن السيدة سألته ومن تكون فرد بيتر بعد تردد.. أنا.. أنا قارع الأجراس سيدتي..
فقالت السيدة إذن صلي للطفل.. لابد أنك تعرف طقوس الصلاة وتحفظ التراتيل.. أرجوك.. أرجوك إفعل شيء!

دخل بيتر غرفة القس فرنسيس بعدما حدثته نفسه بما سمعه من الأب بنيامين عن شخصية خادم الأسرار..
وسرعان ما إرتدي ملابس الكاهن التي لم تكن أبدا لائقة عليه ولك أن تتخيل رجل قصير يرتدي ملابس رجل بالغ الطول مثل القس فرانسيس..
ثم ازداد الأمر غرابة عندما وضع فوق رأسه قلنسوة الأب بنيامين وتدلي الصليب علي صدره بطريقة غير مألوفة لقصر طوله فبدا في صورة مهرج لا قس.. وخرج علي المرأة وطفلها الذي ملئ هذا البهو صارخا وبكاءا وسرعان ما وجمت السيدة وإرتسمت فوق وجهها المذعور إبتسامة خجلة من هول ما رأت وسرعان ما هدأ صراخ طفل السادسة وسرعان ما ذهب بكائه منتبها إلي هذا القصير الذي تتدلي الملابس منه في شكل عجيب وكان علي بيتر أن يبدأ في الصلاة وبالفعل بدأ وهو يحاول أن يقلد القس فرانسيس مستحضرا بعض خشوعه الذي لم يكن يصدقه وبدأ يردد في صوت مثير للضحك.. ” أبانا الذي في السماوات.. أبانا الذي في السماوات.. ”
لكنه لا يعرف غيرها…
وعند ذاك كف بيتر عن هذا الهراء..إنه لم يكن قسيسا ذات يوم وبدأ يداعب الطفل بشخصية بيتر لا بشخصية فرانسيس وكأنه مهرج فوق خشبة مسرح والطفل يستبدل الضحك بالبكاء والبهجة بالصراخ قص له أقصوصة تروق للأطفال مع مشاهد تمثيلية وحركات يقلد فيها الطير تارة والوحوش تارة أخري بينما الأم وطفلها غارقان في الضحك..
وخرجت الأم بطفلها من الكنيسة وهو يلهو ويلعب تحدث الناس بتلك المعجزة التي صنعها قارع الأجراس..!

لم تكن المعجزة في الطقوس ولا في البخور ولا في ملابس الكهنة..
كانت المعجزة في الصدق..
إن الصدق قد صنع المعجزة حتي ولو كان من غير قسيس.. حتي ولو كان بلا طقوس ودون ملابس الكهان..حتى لو كان من مجرد قارع أجراس..!

قارع الأجراس.. من مجموعة قصصية #رجفة_قلب

هذا المقال لا يعبر سوى عن رأي كاتبه، ولا يعبر بالضرورة عن رأي فريق المكتبة العامة

تعليقات الفيسبوك