ماذا رأى حزقيال ؟

ماذا رأى حزقيال ؟ – بقلم: نافذ سمان

المعرفة ضالة كل حي

تزخر الكتب القديمة بنصوص عديدة فاقت بغناها كل محاولات القراءة و البحث التي تعرضت لها عبر التاريخ و ذلك لقدرتها على الإيحاء ، و قابليتها المرنة للتحليل و التفسير ، و مقدار الغنى الذي تقدمه تلك النصوص للبحوث المقارنة .

حجزت تلك النصوص مكاناً مرموقاً لها داخل تاريخنا و أدبنا ، و أرخت بظلالها بشكل أو بآخر على تكوين لا وعينا ، و مع التطور الهائل و المنتظم بدأ صراع ما ينشأ بين تلك النصوص و بين ما أفرزه الصعود الطبيعي الناشئ لحضارة البشر ، و وجدت تلك النصوص نفسها في معركة وجود خاصة بعد ظهور بعض الأصوات الداعية لإعدام تلك النصوص و التخلص منها بالكلية لأسباب تفاوتت شدة و تطرفاً بين الحين و الآخر .

استسلمت تلك النصوص للتاريخ و انحنت محاولة المناورة في سبيل البقاء و ترانا الآن نعايش تلك النصوص في كل تفاصيل حياتنا ، فنغنيها تارة في أفراحنا ، و قد نرتلها في أتراحنا ، أحياناً تكون تلك النصوص موضوعاً لقصص نوم أطفالنا ، و تكون أحياناً أخرى صلواتنا التي نتقرّب بها من آلهتنا .

اختبأت تلك النصوص في تلافيف التاريخ مستخدمة غريزة البقاء عندها ، و بلعبة ذكية استطاعت المناورة ، بعضها استطاع الركون و التخفي داخل كتبنا المقدسة ، و بعضها توارى بحجاب من الخيال و استطاع استعارة اسم الأسطورة ليضفي الشرعية الكافية لبقائه حياً .

و الآن ، و بعد أن بدأ يخف سلطان العتمة وجب علينا البحث عن تلك النصوص ، نزيل عنها غبار النسيان ، نخلصها مما علق فيها من درن التحوير و التمويه ، نلمعها و نضعها في إطارها الذي تستحق و نستفد قد الإمكان مما حوت.

إن تحقيق ذلك الهدف يتطلب منا بداية اختيار مناطق البحث بدقة ، ثم مباشرة البحث بصبر و بتؤدة ، شعارنا يجب أن يكون الفضول ، و التساؤل طريقنا للمعرفة ( فلا يصبح الإنسان مغفلاً حتى يتوقف عن طرح الأسئلة ) تحديد الغث من السمين ، ثم الانطلاق نحو ترميم تلك النصوص تمهيداً لقرائتها و الاستفادة منها .

إن إهمال تلك النصوص بقصد أو دون قصد يترتب عليه إهمال متعمّد غير مسؤول لماضينا و كنوزه المدفونة في النسيان ، و نحن إذ نحاول إعادة قراءة تلك النصوص فإننا نحاول أن نستفيد من تلك النصوص و التي تشكل قاعدة البيانات الأهم لتأريخ ظهورنا و تطورنا كمحظوظين وجدوا طريقة مثلى لحفظ خطوات تطورهم على خلاف أقاربنا من ثديات و كائنات أخرى فقدت أي صلة بماضيها اللهم إلا ظهور حرشفة من هنا أو ضمور إصبع من هناك .

إن إهمال تلك النصوص يمنعنا من التعمق الجاد في ذواتنا ، فنردد ببغائية صلواتنا ، و نستلذ بالسحر المخفي في أساطيرنا ، نطلق على أطفالنا أسماء أبطالنا الخياليين ، و نهرب من تاريخنا بقصص نلفقها حيناً لنصدقها ، و يعلو صوتنا أحياناً ليُكذب تلك القصص بكل حِدّة .

الأسطورة كمنطلق

من تلك النصوص الكتب المقدسة المتوارثة منذ عصور تشكل الأسطورة قاعدة البيانات الأعم و الأشمل للحضارات الإقليمية ، بشكل خاص ، و للبشرية بشكل عام . و لمرونة تلك الأسطورة ، و تجاوبها مع خصوصيات كل منطقة ، و تطورات كل زمن ، فان الأسطورة لطالما شكلت القواسم المشتركة ، و نقاط التواصل و التمازج بين تلك الحضارات المتواصلة ، و المتمازجة ، أساساً .

رحلة البحث عن المعرفة

ذكرنا أنه من أهم قواعد رحلة التي سنتقيد بها هي اختيار مناطق البحث عن تلك الكنوز المخفية بطيات التاريخ ، و سنسلك كمبتدئين اسهل الطرق و لن نبتعد عن محيطنا كثيراً و لن نسلك الطرق الوعرة ، و سنلتقط أول ما تقع عليه أعيننا ألا و هو الكتاب المقدس ، العهد القديم ، و الذي أعتبره كنزاً لم يقرأ بعد ، كما يجب ، فالعهد القديم يا سادة أحد تلك النصوص الهائلة الغنى جملة و تفصيلا ، فهو بكل ما يحمل بين طياته من قصص و تأريخ و تعاليم ملوك و أنبياء و قضاة ، كنزٌ و أي كنز ، و نحن إذ نقتبس نصاً منه هنا ، و نحاول أن نقرأه بنظرة مغايرة لما سبق أن قرئ بها ، نستمحي العذر من كل من يقدس ذلك النص ، و نؤكد أننا اخترناه لقدرته على البقاء كل تلك المدة من الزمن ، و لاحتفاظه بمن يؤيده ، و أخيراً لشهرته ، و لسهولة الحصول عليه من مصادر متعددة .

لسنا وحدنا

( ( لسنا وحدنا ) ) قرأتُ هذا العنوان ، ذات يومٍ ، لأحد الكتاب المحترمين العرب ، و توقفتُ حينها لبرهة ، هطلت عليّ الأسئلة ، و بدأت تغزل داخلي القصة تلو القصة .

أول ما تبادر لي حين قراءتي لذلك العنوان المليء بالإيحاءات ، أن ماذا لو أضفتُ جاراً و مجروراً ؟ فتجلى للتو أمامي ( لسنا وحدنا في هذا الكون ) !! لوهلة شعرتُ أن هذا الأمر كبير ، و كبير جداً ، فعدتُ لأقول ( لسنا وحدنا ، هنا ) فتوسّعَت حدقتا عيني و بدأتا تطوفان حولي ، لم يكن الأمر أسهل ، فحاولتُ أن أختصر ، قدر المستطاع ، فظهر لي ( لسنا وحدنا ، الآن ) و ( لسنا وحدنا ، أبداً ) و هكذا بدا لي أنني أفتح عيني كرجل العصور الأولى ، للمرة الأولى ، و بدأتُ أجزم ، أن أول ما نظر إليه رجلنا القديم ذاك ، كان السماء ، حيث نسب إليها كل ما لم يستطع تفسيره ، فمنها بدأ رحلته نحو تخيّل الرب الخالق ، و بدأ بعبادة ما يجول فيها ، ثم ، و بتطور لاحق ، جعلها منطلق الآلهة و مكان سكناها و ممارسة نشاطاتها ، و ثم ، و بتطور آخر ، جعل كل ما يخشاه أو يحترمه ، يجول فيها ، و ما رحلة النبي إبراهيم نحو الهداية إلا نموذجاً لذلك البحث المُمنهج و الدؤوب عن الرب .

بنظرة محايدة ، و بقراءة متأنية ، فإننا نجد أن هؤلاء الذين هبطوا من السماء ، و شغلونا على مدى عقود ، و انقسمنا بين مصدق لقدومهم و مكذب ، قد تركوا أثرهم الواضح بأدبنا و كتاباتنا ، بل حتى بتأريخنا ، و من المستغرب أن تقابل تلك النصوص التي وثقت ذلك ، أو حاولت التحدث عن ذلك ، بذلك الإهمال و عدم الاهتمام . و قد وجدتُ أنه من اللائق أن نلقي بعض الضوء على تلك المحاولات التي تعددت طرق تناولها للموضوع و لكنها لم تحد عنه .
ماذا رأى حزقيا
نصنا المنتقى كُتب حوالي عام 597 ق م ، و هو يصف ، و بصورة مفصلة ، كيفية مجيء الرب ليتوج حزقيال نبياً على بني إسرائيل ، و يهمنا أن نعرف أن بني إسرائيل كانوا في أسوأ أيام تاريخهم حينها ، فقد هاجم الأرض المقدسة ملك آشور ، نبوخذ نصر ، و دمّر هيكل سليمان ، و أقتاد بني إسرائيل أسارى إلى بابل ، هنا ، كان لا بد لهذا الشعب المنكوب من معجزة ما ، تُثبت أن يهوه لم و لن يترك شعبه المختار بين فكي القدر من دون راع يقود و يلهم ، و عليه يجب ألا تقل طريقة تكليفه عن المعجزة ، و كذا كان .

يطالعنا النص الذي سنذكره و نبحث به ، و بصورة مباشرة و واضحة ، كيفية هبوط الرب على حزقيال ليتوجه نبياً و قائداً لبني إسرائيل ، تلك الكيفية التي سيلاحظها ذلك النبي الاسرائيلي و سيصفها فيما بعد بدقة متناهية و بأعصاب باردة تختلف تماماً عن أعصاب من يواجه الرب ليتلقى منه ذلك التكليف السماوي .

سفر حزقيال

1 :4 فنظرت و اذا بريح عاصفة جاءت من الشمال سحابة عظيمة و نار متواصلة و حولها لمعان و من وسطها كمنظر النحاس اللامع من وسط النار
1 :5 و من وسطها شبه اربعة حيوانات و هذا منظرها لها شبه انسان
1 :6 و لكل واحد اربعة اوجه و لكل واحد اربعة اجنحة
1 :7 و ارجلها ارجل قائمة و اقدام ارجلها كقدم رجل العجل و بارقة كمنظر النحاس المصقول
1 :8 و ايدي انسان تحت اجنحتها على جوانبها الاربعة و وجوهها و اجنحتها لجوانبها الاربعة
1 :9 و اجنحتها متصلة الواحد باخيه لم تدر عند سيرها كل واحد يسير الى جهة وجهه
1 :10 اما شبه وجوهها فوجه انسان و وجه اسد لليمين لاربعتها و وجه ثور من الشمال لاربعتها و وجه نسر لاربعتها
1 :11 فهذه اوجهها اما اجنحتها فمبسوطة من فوق لكل واحد اثنان متصلان احدهما باخيه و اثنان يغطيان اجسامها
1 :12 و كل واحد كان يسير الى جهة وجهه الى حيث تكون الروح لتسير تسير لم تدر عند سيرها
1 :13 اما شبه الحيوانات فمنظرها كجمر نار متقدة كمنظر مصابيح هي سالكة بين الحيوانات و للنار لمعان و من النار كان يخرج برق
1 :14 الحيوانات راكضة و راجعة كمنظر البرق
1 :15 فنظرت الحيوانات و اذا بكرة واحدة على الارض بجانب الحيوانات باوجهها الاربعة
1 :16 منظر البكرات و صنعتها كمنظر الزبرجد و للاربع شكل واحد و منظرها و صنعتها كانها كانت بكرة وسط بكرة
1 :17 لما سارت سارت على جوانبها الاربعة لم تدر عند سيرها
1 :18 اما اطرها فعالية و مخيفة و اطرها ملانة عيونا حواليها للاربع
1 :19 فاذا سارت الحيوانات سارت البكرات بجانبها و اذا ارتفعت الحيوانات عن الارض ارتفعت البكرات
1 :20 الى حيث تكون الروح لتسير يسيرون الى حيث الروح لتسير و البكرات ترتفع معها لان روح الحيوانات كانت في البكرات
1 :21 فاذا سارت تلك سارت هذه و اذا وقفت تلك وقفت و اذا ارتفعت تلك عن الارض ارتفعت البكرات معها لان روح الحيوانات كانت في البكرات
1 :22 و على رؤوس الحيوانات شبه مقبب كمنظر البلور الهائل منتشرا على رؤوسها من فوق
1 :23 و تحت المقبب اجنحتها مستقيمة الواحد نحو اخيه لكل واحد اثنان يغطيان من هنا و لكل واحد اثنان يغطيان من هناك اجسامها
1 :24 فلما سارت سمعت صوت اجنحتها كخرير مياه كثيرة كصوت القدير صوت ضجة كصوت جيش و لما وقفت ارخت اجنحتها
1 :25 فكان صوت من فوق المقبب الذي على رؤوسها اذا وقفت ارخت اجنحتها
1 :26 و فوق المقبب الذي على رؤوسها شبه عرش كمنظر حجر العقيق الازرق و على شبه العرش شبه كمنظر انسان عليه من فوق
1 :27 و رايت مثل منظر النحاس اللامع كمنظر نار داخله من حوله من منظر حقويه الى فوق و من منظر حقويه الى تحت رايت مثل منظر نار و لها لمعان من حولها
1 :28 كمنظر القوس التي في السحاب يوم مطر هكذا منظر اللمعان من حوله هذا منظر شبه مجد الرب و لما رايته خررت على وجهي و سمعت صوت متكلم

انظروا لذلك النص المحير ، و لا حظوا دقة ملاحظة ذلك النبي الذي من المفترض ان تصعقه مفاجأة الرب ، لاحظوا العربة الحديدية و التي يعلوها قوس زجاجي ، لاحظوا من يقود تلك المركبة و لاحظوا كيفية طيرانها و صوت و كيفية الطيران .

بعد قراءة متأنية للنص من جديد ، هل يذكركم ذلك بأحد أفلام هوليوود ؟

أترككم لأسئلتكم ، و دمتم بخير .

ــــــــــــــــــــــــــــــــ

هذا المقال لا يعبر سوى عن رأي كاتبه، ولا يعبر بالضرورة عن رأي فريق المكتبة العامة

هذا المقال لا يعبر سوى عن رأي كاتبه، ولا يعبر بالضرورة عن رأي فريق المكتبة العامة






تعليقات الفيسبوك