نزار قباني .. هذا العاشق المجنون

نزار قباني .. هذا العاشق المجنون – بقلم: سامح عبد الله

لم يكن غريبا أو لافتا أن يصف نزار قبانى بيته الذي ولد به قائلا :” هل تعرفون أن يسكن الإنسان قارورة عطر، بيتنا كان تلك القارورة،إنتى لا أحاول رشوتكم بتشبيه بليغ ولكن ثقوا أنتى بهذا التشبيه لا أظلم قارورة العطر وإنما أظلم دارنا”

بهذه الكلمات يصف الرجل داره الذي نشأ به وكأنه يصف كائنا حيا ينبض ولا عجب من ذلك فقد ولد بحي من احياء دمشق العتيقة المملوء بالأزهار وكل معالم الطبيعة الساحرة يقول هنا..”الورد البلدي سجاد أحمر ممدود تحت أقدام النباتات الدمشقية التى أتذكر ألوانها ولا أتذكر أسماءها ولا تزال تتسلق أصابعي كلما حاولت أن أكتب ”
ثم كانت به امرأة كانت أول من أحبها وعشقها وصنع منها تاجا فوق رأسه وقلادة لصدره..كانت أمه التى يقول عنها..”ظللت في عينها دائما طفلها الضعيف القاصر،ظلت ترضعنى حتى سن السابعة وتطعمنى بيدها حتى سن الثالثة عشر ولم تكن تصدق أن هناك شيئا يؤكل خارج دمشق..وتعلق أحجار الفيروز في رقبة كل واحد منا خوفا علينا من عيون الحاسدين”

كانت أمة هي العشق الأول في حياته وربما هي التى جعلته بعد ذلك يتعلم كيف يحب المرأة وكيف أنه توجهها بأروع ما قيل عنها في الشعر العربى ألا تلاحظون كم هي عدد المرات التى خاطبها المرأة ب “سيدتى”
أنها كثيرة كثيرة بمقدار عشقه لها..بمقدار احترامه لها. .بمقدار بغضه لذكورة الرجل الشرقي الحمقاء.

وبينما كانت أمه هي العشق الأول في حياته كان رحيل ابنه توفيق وهو في ريعان شبابه هو الحزن الأول في حياته والذي أوصى نزار بأن يدفن بجواره بعد موته.
يصف وجعه في قصيدة يقول فيها
مكسرة كجفون أبيك هي الكلمات..
ومقصوصة،كجناح أبيك هي المفردات
فكيف يغنى المغنى ؟
وماذا سأكتب يابنى؟
وموتك ألغي جميع اللغات
لأى سماء نمد يدينا؟
ولا أحد في شوارع لندن يبكى علينا
يهاجمنا الموت من كل صور
ويقطعنا مثل صفصافتين
فأذكر،حين أراك، عليه
وتذكر حين ترانى،الحسين.

أما عن زواجه من بلقيس فتلك قصة ربما تفوق الخيال وربما كانت بلقيس هي أعظم قصائده علي الإطلاق، فحينما تتحول المرأة إلي أعظم قصائد شاعر مثل نزار فيجب أن ندرك كيف كانت هذه المرأة وكيف فعل عشقه لها وكيف احتوت هي قلبا مثل قلبه حتى تصبح قصة زواجه منه لو كانت مجرد قصيدة من خيال شاعر ما أحد صدقها.
يقول نزار فيها “بلقيس هي كنز عظيم عثرت عليه مصادفة، حيث كنت أقدم أمسية شعرية في بغداد عام 1962”
هكذا تكون الصدفة التى تليق بقلب عاشق مثل نزار، وأظن أنه كان من بين هؤلاء الذين ينتظرون الصدفة التى لا تقوم علي أي منطق أو عقل لكنها حين تأتى تصبح أعظم ما يمكن أن يهبه القدر لهم.
هكذا كان لقائه الأول بها..رجل تذوب النساء من كلماته هو الذي يذوب في عشق امرأة ودون حديث أو كلمات مما يرتبها الناس.
كانت مشكلته الكبرى أنه لم يفازلها فقط في كلماته بل فصل الكلمات عليها وصنع أبجدية لها وحدها لكن القبائل العربية التى تنتمي إليها حبيبته لا تزوج بناتها من شاعر تغزل بإحدي نسائها وهو ما حدث فعلا حيث قوبل طلبه بالزواج منها بالرفض لكن قلب العاشق ظل كما هو وأكثر ينبض بعشق محبوبته وذهب بعيدا عن العراق ثلاث سنوات عمل فيها دبلوماسيا لكنه ما توقف قلبه أبدا عن عشقها..ظل يكتب في بلقيس لم يخضع لتلك المعادلات العقيمة التى تقول أن البعيد عن العين بعيد عن القلب.هذا ما يقوله الواهمون أما هو فيقول فيها.

مرحبا ياعراق جئت أغنيك
وبعض من الغناء بكاء
أكل الحزن من حشاشة قلبى
والبقايا تقاسمتها النساء.
وبعد هذه القصيدة المطولة التى هزت أرجاء العراق تزوج من بلقيس بعد أن غدا أمر زواجه منها مطلبا شعبيا ورسميا..!!
هل ترون ماذا يفعل شعر نزار ،إنه ليس مجرد كلمات منمقة تربط بينها قافية بل كان شعره يهز أرجاء القلوب ويحيلها إلي عشق.

عند زواجه منها يقول لها..
أشهد أن امرأة
أتقنت اللعبة إلا أنت
واحتملت حماقتى
عشرة أعوام كما احتملت
واصطبرت علي جنوني مثلما صبرت..

وكانت فاجعته الكبرى في فقدها .
يقول نزار ” كنت في مكتبى بشارع الحمرا حين سمعت صوت انفجار زلزلنى من الوريد إلي الوريد ولا أدري كيف نطقت ساعتها: يا ساتر يارب..بعدها جاء من ينعى إلي الخبر . .السفارة العراقية نسفوها..قلت بتلقائية بلقيس راحت..شظايا الكلمات ماتزال داخل جسدي..”
وفي فاجعة غيابها أظن أنه قال ما لم يقله بشر عند الغياب وأظن أن نزار قد صب كل غضبه علي كل من يغتال الحب.
يقول نزار..
بلقيس ياوجعى
وياوجع القصيدة حين تلمسها الأنامل
هل ترى..
من بعد شعرك سوف ترتفع السنابل؟
قتلوك يا بلقيس..
أية أمة عربية
تلك التى..
تغتال صوت البلابل
بلقيس..
أيتها الشهيدة..والقصيدة..
والمطهرة النقية..
سبأ تفتش عن مليكتها
فردي للجماهير التحية..

وبعدها لم يتزوج الرجل.
كان صادقا في عشقه حد يفوق الخيال ولم يكن من هؤلاء الجبناء الذين ينمقون كلماتهم ويذوقون حروفهم ويؤثرون القعود بلا قضية او معركة…كان الرجل محاربا لا يملك من أدوات الحرب سوي كلمات لكن ذلك لم يعجبهم.. فقد كفره رجال الدين وبغضه الساسة ..وللحديث بقية.

هذا المقال لا يعبر سوى عن رأي كاتبه، ولا يعبر بالضرورة عن رأي فريق المكتبة العامة






تعليقات الفيسبوك