مَنْ هُم الذين يرفع الله ذكرهم بعد موتهم لدهور طويلة ؟

مَنْ هُم الذين يرفع الله ذكرهم بعد موتهم لدهور طويلة ؟ – بقلم: طاهر يونس حسين

فئتان من النَّاس يرفع الله ذكرهم بين الناس بعد موتهم .. الفئة الأولى أنفع الناس .. الخيار الكرام البررة و الفئة الثانية أفجر الناس .. الأشرار المفسدين الظلمة، الأولى لكي تُحمد و تتبع و يكون أصحابها أئمة هدى تسير الناس على دربهم في كل زمان ومكان فيكونون أصحاب سنة حسنة لهم أجرها و أجر من اتبعها إلى يوم القيامة ” أُوْلَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ ” الأنعام : 90 و الثانية لكي تسُب و تُلعن و يكون أصحابها أئمة ضلال لهم وزرهم و وزر من تبعهم إلى يوم القيامة ” لِيَحْمِلُوا أَوْزَارَهُمْ كَامِلَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ ۙ وَمِنْ أَوْزَارِ الَّذِينَ يُضِلُّونَهُم بِغَيْرِ عِلْمٍ أَلَا سَاءَ مَا يَزِرُون ” النحل: 25
إنَّ ديناً و رباً يدعوك لهذه التعاليم لهو دينٌ يستحق أن يُتَّبع
” إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ وَيُبَشِّرُ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا كَبِيرا ” الإسراء: 9
” مَّنِ اهْتَدَى فَإِنَّمَا يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ وَمَن ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا وَلاَ تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولا ” الإسراء:15
” و قَضَى رَبُّكَ أَلاَّ تَعْبُدُواْ إِلاَّ إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِندَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلاهُمَا فَلاَ تَقُل لَّهُمَا أُفٍّ وَلاَ تَنْهَرْهُمَا وَقُل لَّهُمَا قَوْلاً كَرِيمًا * وَ اخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ وَقُل رَّبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرا ” الإسراء: 23-24
” وَآتِ ذَا الْقُرْبَى حَقَّهُ وَالْمِسْكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَلاَ تُبَذِّرْ تَبْذِيرا ” الإسراء: 26
” وَلاَ تَقْتُلُواْ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلاَّ بِالْحَقِّ وَ مَن قُتِلَ مَظْلُومًا فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَانًا فَلاَ يُسْرِف فِّي الْقَتْلِ إِنَّهُ كَانَ مَنْصُورًا ” الإسراء: 33
” وَ لاَ تَقْرَبُواْ مَالَ الْيَتِيمِ إِلاَّ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ حَتَّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ وَأَوْفُواْ بِالْعَهْدِ إِنَّ الْعَهْدَ كَانَ مَسْؤُولا ” الإسراء: 34
” وَ أَوْفُوا الْكَيْلَ إِذَا كِلْتُمْ وَزِنُواْ بِالْقِسْطَاسِ الْمُسْتَقِيمِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلا ” الإسراء: 35
” وَلاَ تَمْشِ فِي الأَرْضِ مَرَحًا إِنَّكَ لَن تَخْرِقَ الأَرْضَ وَلَن تَبْلُغَ الْجِبَالَ طُولا * كُلُّ ذَلِكَ كَانَ سَيِّئُهُ عِندَ رَبِّكَ مَكْرُوها ” الإسراء: 37-38
” وَ يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْيَتَامَىٰ قُلْ إِصْلَاحٌ لَّهُمْ خَيْرٌ وَ إِن تُخَالِطُوهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ ۚ وَ اللَّهُ يَعْلَمُ الْمُفْسِدَ مِنَ الْمُصْلِح ” البقرة: 220
فلا أعلم ما هو سبب رفض الكثير من الناس لهذا الدين و محاولة التنقيب عن أخطاء فقط من أجل الإنكار و إضلال الناس بغير علم .. ما هو سبب رفضك لأن تكون مصلحاً محسناً هادياً إلى الحق و سراجاً منيرا .. لماذا يتم دائماً ربط الأخطاء البشرية بدين كامل ليتم من خلالها نسف دين كامل، فلو قام طبيب نسائية باغتصاب مريضة بعد تخديرها لا يعني هذا و لا بأي شكل من الأشكال أنَّ مهنة الطب مهنة سيئة و لا ينزع بهذا الفعل القدسية عنها و لو قام كل أطباء النسائية و الجراحة و الأسنان و الهضمية ..إلخ باستغلال مهنتهم للقيام بأعمال دنيئة لا ينفي هذا و لا بأي شكل من الأشكال قدسية و روعة مهنة الطب كمهنة إنسانية شريفة، و نفس الأمر يعمم على الأديان.. فلو كان مثلاً جميع المسلمين في هذا العصر عبارة عن كاذبين و منافقين و مفسدين لا ينفي و لا بأي شكل من الأشكال روعة تعاليم هذا الدين .. لا يهم هذا الأمر .. الشيء المهم هو أنت كشخص .. كيف كنت هل أنت إنسان صالح بحق و لو فسد كل الناس ” يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنفُسَكُمْ لَا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُون ” المائدة:105

إنَّ الفردية هي خاصتنا المميزة.. و المقصود من كل هذه الحياة هو الفرد، فلِكُلِّ لُعبة قواعدٌ و شروطٌ من ينتهكُها يُعتَـبَر خاسرا، و الدُّنيا بالضَّبط هي لعبةٌ لها قواعد و شروط، و هناك جزاء لهذه اللعبة إما عقاب و إما ثواب.. الآباء و الأمهات و الزَّوجات و الأولاد و الأُخوة و الأخوات و الأقارب و الأصدقاء و المجتمع ككُل و المال و العلم و السُّلطة و الجاه و كُل ما تشاهده في الدُّنيا.. هو المجال الواسع لهذه اللعبة، و هم جزءٌ أيضًا من قواعِدِها الكثيرة التي لا مجالَ لِحَصْرِها، و المقصود من هذه التشكيلة الواسعة هو الفَرد و فقَط الفرد، المقصود هو أنت فقط و ما تبقى عبارة عن كيانات وهمية ليس لها معنى بحد ذاتها، المال و الجاه و السُّلطان و الأسرة و الـمُجتمع كَكُل.. كُل هذه الأشياء ليسَ لها معنىً بحدِّ ذاتها و إنما وُجِدَت لِيتمَّ اختبارُكَ أيُّها الفرد.. ” فَإِذَا نُفِخَ فِي الصُّورِ فَلَا أَنسَابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلَا يَتَسَاءلُون” المؤمنون: 101، فالدول و الامبراطوريات و الأحزاب و الحركات السياسية و الإنسانية و الأُسر و الأصدقاء ..إلخ كلها عبارة عن كياناتٍ وهمية سيأتي يوم و تتلاشى و يتبقى الأفراد فقط، فالله لن تأتيه الدَّولة الأموية و لا العباسية و لا الرومانية و لا الفارسية و لا الأمريكية و إنَّما سيأتيه أفراد .. أفراد .. الموت في كل فترة يخطف فرداً واحداً ثمَّ يرسله إلى العالم الآخر، و من هذه الخطفة على الرغم من قلتها إلا أنَّها تحوي بركة عجيبة بحيث أنها أفنت حضاراتٍ و أمماً و شعوبا ” وَ كُلُّهُمْ آتِيهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَرْدَا ” مريم:95

نحنُ في هذه الدُّنيا عبارة عن طُلاب يجلسون في قاعة امتحان كبيرة اسمها الدُّنيا و لِمَن خاض تَجارب الامتحانات سواء في المدارس أو الجامعات سيَفهم معنى كلامي، ففي امتحان آخر السِّنة تأتي ورقة الاسئلة، و فيها أسئلة شاملة للمنهج كامل من أول صفحة في الكتاب إلى آخر صفحة، و نحن في الدُّنيا بالضبط موجودين في قاعة ضخمة للامتحان اسمُها الدُّنيا و مدة هذا الامتحان هي العمر كلُّه.. كلٌ حسَب عمره، و العبادات هي جزء يسير جداً من امتحان طويل ربما يحوي آلاف الأسئلة و مَنْ يلتزم بالعبادات فقط، و يُهمِل بقية الأسئلة ستكون نتيجته النهائية غير مبشرة، و لهذا يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم ” ما شيءٌ أثقل في ميزان المؤمن يوم القيامة من خلقٍ حسن و إنَّ الله ليبغضَ الفاحش البذيء “، و قال أيضًا ” إِنَّ مِنْ أَحَبِّكُمْ إِلَيَّ وَأَقْرَبِكُمْ مِنِّي مَجْلِسًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَحْسَنُكُمْ أَخْلاقا ” ، و حسن الخلق ليس كما يظُن البعض هو هذا الرَّجل المسكين الدرويش الذي إذا نهرته سكَت.. حُسن الخلق بابٌ واسع جداً يشمل مئات الصفات من كرم و صدق و حسن الجوار و الإحسان و الأمانة و الوفاء بالعهد و إغاثة الملهوف و الرحمة و بِر الوالدين و عِدْ ماشِئت من الصِّفات أي باختصار.. التحلِّي بصفات الله بشكلها المبسط، و كلَّما تحليت بعدَد كبير من صفات الله الحسنى كلَّما جاوبت على أكبر قدر ممكن من الأسئلة لِتنالَ درجة عالية في الامتحان، و كتابُك الذي ستتلقاه بالنِّهاية عبَارة عن كشف علامات فيه تفصيل العَلامات التي نلتها لِكُل سؤال من هذا الامتحان.. كيف جاوبت على سؤال الأمانة.. كيف جاوبت على سؤال الكرم.. كيف جاوبت على سؤال الرحمة.. سؤال العبادات ..إلخ، و هذا هو التفسير الذي نراه لانحطاط المجتمعات الإسلامية لأنَّها جاوبَتْ عن سؤالين أو ثلاثة من الامتحان و تركت ألف سؤال، لنجدها مجتمعات مليئة بأسوَأ الصفات من الأخلاق من غشٍ و خداع و كذب و ظلم و أكل أموال اليتامى.. إلخ، و مِن هنا يأتي تفكيرُنا الخاطئ أنَّ الجنةَ لنا فقط و النَّارَ لغيرنا، فالأمر ليس بهذه البساطة التي نتوقعها..

هناكَ أسئلة تُعرَض علينا كُلَّ يوم و رُبمَا كُلَّ ساعة و لكل سؤال علامة، و في النِّهاية هناك مجموعٌ لهذه العلامات “فَأَمَّا مَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ * فَهُوَ فِي عِيشَةٍ رَاضِيَةٍ * وَ أَمَّا مَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ * فَأُمُّهُ هَاوِيَةٌ * وَ مَا أَدْرَاكَ مَا هِيَهْ * نَارٌ حَامِيَةٌ ” القارعة:6-11، و الموازين هي مجموع علاماتك على امتحان هو أطول امتحان تخوضُه في حياتك.. امتحان يمتَدُ على طول العمر، و عندَ لحظة الموت ينتهي وقت الامتحان لتقومَ الملائكة بسحب ورقة إجابتك ثمَّ تُرسِلُهَا للمصححين، و في هذه اللحظة تطلُبُ المزيد من الوقت لتُكمل إجاباتك كما يطلُب الطَّالب مزيداً من الوقت من المُراقِب الذي يقوم بسحب ورقته و لكن.. هيهات .. هيهات ” حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ رَبِّ ارْجِعُونِ * لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحاً فِيمَا تَرَكْتُ كَلَّا إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَائِلُهَا وَمِنْ وَرَائِهِمْ بَرْزَخٌ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُون ” و يومُ البعث هو نتيجةُ هذا الامتحان، و السَّعيد من نال الدَّرجات العالية

صراحةً جوهر الدِّين ليسَ طقوساً من العبادات فقط .. فأعمال النَّفع التي يُقدِّمُها المرء للمجتمع قد تكون أعظم من العبادات، فمُحَمَد عليه الصَّلاة و السَّلام لم يكُن من أعظم رجال البشرية لأنَّه كَان نبيَّاً فقط أو أنَّه كَانَ أكثر النَّاس عبادة، و إنَّما لأنَّه سنَّ سُـنَّة حسنة حتَّى وَصَلَ عدد مُتَّبعيه بالمليارات، فكُل عَمَل من أعمالِ المليارات لمُحمد نصيبٌ و كِفل منها.. و من هنا اكتسب هذه العظمة، و الله يمدحُ أفعالاً لا يمدحُ أشخاصًا حتَّى لو كانوا أنبياء” وَ وَهَبْنَا لِدَاوُودَ سُلَيْمَانَ نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّاب ” ص:30، و أنتَ أي سُنَّة حسنة تسنُّها لكَ أجرُ من يتَّبِعُها إلى يوم القيامة.. فَرْق كبير بين من أفَنَى عُمره لغاياتٍ شخصية تافهة و ضيقة، و بينَ من سخَّر حياتَهُ لأهدافٍ سامية .. فرق كبير بين من سخَّرَ مالَهُ في كفالةِ اليتامى و المساكين و بينَ آكل أموال اليتامى، فقد يكون كافلُ يتيم خيرٌ من ألفِ عابد .. جاء في الحديث النبوي ” مَنْ يسَّرَ على مُعسرٍ يسَّرَ اللهُ عليه في الدُّنيا و الآخرة، و مَنْ سَتَرَ مُسلِماً ستَرَهَ الله في الدُّنيا و الآخرة، و اللهُ في عَونِ العَبْد مَادَامَ الْعَبْدُ في عَوْنِ أَخيه، و مَنْ سَلَكَ طَريقاً يلتمسُ فيه علماً سهَّلَ اللهُ لَهُ بهِ طَريقاً إلى الجنَّة، و عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أنَّه قَال: “إِذَا مَاتَ ابْنُ آدَمَ انْقَطَعَ عَمَلُهُ إِلا مِنْ ثَلاثٍ : مِنْ صَدَقَةٍ جَارِيَةٍ ، أَوْ عِلْمٍ يُنْتَفَعُ بِهِ ، أَوْ وَلَدٍ صَالِحٍ يَدْعُو لَه..” هنا جوهر الموضوع هو أنّ الإنسان عِندَما يترُك وراءَه علماً ينتفعُ به النَّاس.. ليس من أجل أن تَذكرُه النَّاس و يبقَى له سمعةً عطرة بعد وفاته .. هذا كلُّهُ كلامٌ فارغ ليس له أي معنى لأنَّه لو ذكرتك البشرية بعد وفاتك من القطب الشَّمالي إلى القطب الجنوبي لن يفيدك بشيء و قد تحول جسدك إلى تراب.. الفكرة أنَّ هذا العلم الذي يتركه الإنسان يكونُ رصيداً لكتابه و كأنَّه على قيد الحياة، هنا تكمن الفائدة الكبيرة بأنَّه رصيد مستمر يُضَاف لكتابه من الحسنات كلَّما حصلت الفائدة منه و لو بَعَد ألفي عام.. عدَّاد مُستَمر لا يتوقف، و قد شاهدنا نماذجًا كثيرة لازلنا نستفيد من علمِهَا مع أنَّها ماتت منذ أكثر من 1000 عام.. أمَّا بالنسبة للصدقات هناكَ قانون رباني يقول أنَّ الحسنةَ بعشرِ أمثالها، إلا الإنفاق فله قانونٌ آخر عند الله.. فالصَّدقة ليست بعشر أمثالها و إنَّما العدد أكبر من ذلك بكثير، إنها تُضَاعف إلى 700 ضعف، و الأمر قابل للمضاعفة بشكل أكبر ” مَّثَلُ الَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنبُلَةٍ مِّائَةُ حَبَّةٍ وَ اللَّهُ يُضَاعِفُ لِمَن يَشَاء “البقرة:261..
فبإمكانك تخيل الرقم المرعب الذي سينتج عنها، فَمِنْ رجُل واحد و امرَأَة واحدة نتجَ لدينا مليارات من البَشَر فما بالكم بحبة أنتجَت سبع سنابل و كل سنبلة فيها مئة حبة، وَ لْـَيقرأ أيضاً “مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَاعِفَهُ لَهُ أَضْعَافًا كَثِيرَةً وَ اللَّهُ يَقْبِضُ وَ يَبْسُطُ وَ إِلَيْهِ تُرْجَعُون ” البقرة:245.. و هذه هي التجارة التي لن تبور أي لن تكسُد و لن تخْسَر..
أَتَى رجلٌ على النّبِي صلَّى اللَّهُ علَيه و سلّم ، و هوَ يَقرَأ : أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُر .. قَالَ : ” يَقولُ ابْن آدم : مَالِي مَالِي ، وَ هل لكَ مِنْ مَالِكَ إِلا ما أَكَلتَ فأَفْنَيْت، أو تصدَّقتَ فأَمْضَيْت، أو لبِستَ فأَبْلَيت وَ مَا سِوَى ذَلِكَ فَهُوَ ذَاهِبٌ وَ تَارِكُهُ لِلنَّاس”
الـمُنكِرْ صراحة لا يمكر إلا بنفسه و لا يضحك إلا على نفسه و سيأتي يوم يكتشف فيه الحقيقة المرة .. يوم لن ينفعه الندم بشيء بعد أن ضيع هذه الفرصة الربانية الثمينة.. هذه الفرصة التي منحك إياها الإله لتجد ثمرة ما قدمت في السنين الخوالي.. النعيم المقيم ” قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِن رَّحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيم * وَ أَنِيبُوا إِلَى رَبِّكُمْ وَأَسْلِمُوا لَهُ مِن قَبْلِ أَن يَأْتِيَكُمُ الْعَذَابُ ثُمَّ لا تُنصَرُون * وَ اتَّبِعُوا أَحْسَنَ مَا أُنزِلَ إِلَيْكُم مِّن رَّبِّكُم مِّن قَبْلِ أَن يَأْتِيَكُمُ الْعَذَابُ بَغْتَةً وَأَنتُمْ لا تَشْعُرُون * أَن تَقُولَ نَفْسٌ يَا حَسْرَتَى عَلَى مَا فَرَّطتُ فِي جَنبِ اللَّهِ وَإِن كُنتُ لَمِنَ السَّاخِرِين * أَوْ تَقُولَ لَوْ أَنَّ اللَّهَ هَدَانِي لَكُنتُ مِنَ الْمُتَّقِين * أَوْ تَقُولَ حِينَ تَرَى الْعَذَابَ لَوْ أَنَّ لِي كَرَّةً فَأَكُونَ مِنَ الْمُحْسِنِين * بَلَى قَدْ جَاءَتْكَ آيَاتِي فَكَذَّبْتَ بِهَا وَ اسْتَكْبَرْتَ وَكُنتَ مِنَ الْكَافِرِين * وَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ تَرَى الَّذِينَ كَذَبُواْ عَلَى اللَّهِ وُجُوهُهُم مُّسْوَدَّةٌ أَلَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوًى لِّلْمُتَكَبِّرِين ” الزمر: 53-60
إن القول أن الصدفة هي التي أنتجت لي كل هذا الوجود هو كلام تضحكون به على نفوسكم و أنا على أتم اليقين كل من يقول هذا الكلام نفسه غير مقتنعة بشيء اسمه الصدفة و لا بمقدار 1 بالمئة لأن قرارة نفسه تعلم أشد العلم أن هذا الوجود المعقد لابد له من صانع .. إن عظمة الصنعة تدل على عظمة الصانع فلو سألنا أي شخص عن شركةِ مرسيدس لقالَ لنا أنَّها من أفخم شركات السيارات في العالم، و مهندِسُوها و تِقَنيوهُا و خبراؤُها هم أكثرُ النَّاس كفاءة في العالم .. مع أنَّه لا يعرفهُم، و لم يُقابِلهم في حياته، و لكن فخامة سيارة المرسيدس جعلتهُ يقول عن الشَّركة هذا الكلام .. إنَّ عظمةَ الصَّنعة تدلُّ على عظمةِ الصَّانع.. و سآخذ مثال واحد من ملايين الأمثلة على صنعة الله هناك جزيء في جسم الإنسان اسمُه جزيء ال DNA يتم فيه تخزينُ المعلومات الخاصة بكيفيةِ عملِ الخلية، و كذلك صفاتُ الكائن الحي التي سيتمُ تمريرُها إلى الأجيالِ القادمة، و تكون هذه المعلومات مُشَفرة ” كما نُشَفر معلومات و ننقلها عبر الانترنت ” .. يتم نقل المعلومات المشفرة من ال DNA إلى أجسامٍ موجودة خارج الخلية اسمها الريبوزرومات، و يقوم بنقل المعلومات حمضٌ نووي اسمه RNA “يقابل الأسلاك في الشبكة” ، و تقومُ الريبوزومات بفك الشيفرة، و فهم محتوَاها و تُكَوِّن الأحماض الأمينية و البروتينيات التي تقوم بمعظم وظائف الخلية، و شريط ال DNA هذا عبارة عن كتاب مُكون من خمسةِ ملايين صفحة مكتوب فيها معلومات مُشفرة.. تحوي الخطة البنائية الكاملة للجسم كُله على شكل أوامر مفصلة لتركيب كُل خلية و كُل بروتين و كل هرمون، و لو فَرَدْنا هذا الشريط الوراثي لكانَ طوله أكبر من المسافة بين الأرض و الشّمس ” 150 مليون كم2 ” .. من أينَ اكتسبت المادة غير الحية آليةَ التشفير و مُعالجة المعلومات على تعقيدها الشَّديد المُعجِز، و الشيء المُعجز و المعقد أكثر كيف تحوَّلت هذه المعلومات إلى كائنٍ حي من لحم و دم أي تحويله من مجرد معلومات إلى وجود حقيقي .. كيف يمكن أنْ تتحولَ كلماتٍ نخطُّها على ورق نصفُ فيها هيئةَ إنسان مهما بلغت من التفاصيل و الدِّقة إلى إنسان حقيقي من لحم ودم لا بدَّ أنَّ ذلك لم يكن مصادفة .. إنَّ عظمة الصَّنعة تدلُّ على عظمة الصانع، و من أحسن من الله صبغة و نحن له عابدون
كيف يمكن للصدفة العشوائية أن تنتج لي هذا الجمال و الإبداع و كيف لصدفة أن تختار مخلوقاً واحداً فقط من بين 5 ملايين نوع من الكائنات الحية لأن يكون مخلوقاً عاقلاً يمتلك صفة الإبداع و التفكير و إنتاج هذه الحضارة الإنسانية الرهيبة ألا يدل هذا على اصطفاء و اختيار.. ألا يدل على يد قادرة حكيمة اختارت مخلوق واحد فقط من بين الملايين ليكون هو المخلوق المكلف الذي سيحاسب على تبعات هذا التكليف.. هل يظن هؤلاء أنَّ تسخير كون عظيم بكافة إمكانياته لهذا الإنسان سيكون دون تبعات و دون حساب.. هل تقوم أنت الذي تنكر كل هذا.. بدفع مليارات الدولارات لمجموعة من الناس دون أن تطلب منهم مقابلاً على هذا العطاء ؟ كيف لصدفة غبية أن تختار و تصطفي من بين مخلوقاتها و توكل مهمة العقل لمخلوق واحد .. ألم تحترموا عقولكم و لو مرة واحدة في عمركم و تكفوا عن هذا الهراء؟!! .. نعم هناك حساب و هناك عودة على بدء و هذا كلام يقيني و ليس كلام إنشائي .. لا بد أن يكون كل هذا الذي نراه له تبعات و له ما وراءه و ما خفي أعظم .. و إن من يتأمل حوله في عجائب صنعة الله.. يُمكنَ أن يُدْرِكَ كم هي عجيبةٌ هذه الصَّنعة، و أنَّها مصنوعة بإتقانٍ لا يُمكِن وصفَهُ من سماء و نجوم و كواكب و حيوانات و نباتات و إنسان و ما يحتويه من إعجاز لا يمكن وصفه من الناحية الجسدية أو الروحانية… و إنَّ شركةً ما عندما تقوم بتصنيع جهازٍ تافه.. تقوم بتأليف كتاب كامل يصفُ تفاصيلَ هذا الجهاز، و عندما نقومُ بكتابةِ تاريخ بلد أو حضارة نحتاج إلى مجلدات من آلاف الصفحات لتوثيقِ هذه المعلومات.. أما الدّنيا على الرغم من أنَّها عجيبة الصنعة، و مع ذلك صانعُها وخالقها وصفها بكلمتين ” متاع الغرور “.. لم يرسل لنا كتب لتوثيق هذه الصنعة العجيبة.. مع أنَّها تحتاج إلى ملايين المجلدات لوصفِها، و مع ذلك وصفها بكلمتين وحقَّر من شأنِها على الرغم من أنَّها شيءٌ عجيب بكل معنى الكلمة، و لكنَّها لا تساوي شيء بالنسبة للخالق، والرسالة التي يريد أن يُرسلها الله أنَّ هذه الصنعة هي شيء تافهٌ و سخيفٌ جداً بالنسبة للأشياء الأخرى التي صنعتُها، و لا تساوي عندي شيء وما صنعتُها إلا لتكونَ ميدانَ سباقٍ مُؤقت يُخفي وراءَه مِنَصةَ تتويجٍ عجيبة لا تتخيلها عقول و لا تُوثقُها كتب.. هذه الدّنيا بكل ما فيها من مخلوقات و ما أنتجته الإنسانيةُ من علومٍ ومعارف هي أهون عند الله أن تُوثَق و تُوصَف بكتب، و مع ذلك نحن نَتَبَجَّح طُول الوقت ونقولُ نحنُ اخترعنا، و نحن ابتكرنا و نحن و كُل مجموعتنا الشَّمسية و كل المجرات لا تساوي عند الله جناح بعوضة، فما هي نسبتُنا نحن البشر بالنسبة لهذا الجناح إذا كان الكون كله كهذا الجناح .
إنَّ لحظةَ الموت للإنسان المؤمن الذي عاش حياته في صراع مستمر هبوطاً و صعوداً بين شهواته و أهوائه و بين مشقات الطاعة .. تشبه حال الطالب المجتهد طول السنة الذي يدخل لِيخوض امتحاناتٍ مصيريةً كامتحانات الشهادة الثانوية أو الجامعة لمدة معينة شهر مثلاً ، و في اليوم الأخير من الامتحان بعد العودة من تقديم آخر مادة .. يذهب إلى البيت ليضع رأسه و ينام لمدة ساعتين ثم يستيقظ لينطلق بعدها للاستمتاع بالعطلة بعد تقديم الامتحان .. لحظة النوم هذه و لحظة الغفوة بالضبط لِمَنْ جرَّبها هذه لها متعة و لذَّة عجيبة لا يعرفُها إلا من جربها .. لحظة الموت و الله أعلم تشبه هذه اللحظة الممتعة لأنها اللحظة التي تعلن نهاية هذا الشقاء الدنيوي الذي لن يسلم منه مؤمن و لا كافر .. شقاء كتب على الجميع و السعيد من استغل هذا الشقاء و اغتنم لنفسه فُرصَةَ نَفَعْ يفيدُ فيها فقيرًا أو مسكينًا أو أرملةً أو علماً ينفعُ به النَّاس أو كلمةً طيبة أو تربية صالحةً لأولاده و عِشْرة بالمعروف لزوجته.. أو عباداتٍ بكافةِ أنواعِها.. إلخ، و لينسَى ماذا يكسبُ و ماذا يخسر، فإنَّ الجميع إلى خسارة، و لو بلغت أعمارهم 100 عام لن يتذكروا منها إلا بضعَ دقائق، و سوف تمحُو آلةُ الزَّمن أثرَ الكُل، و لنْ يبقَ في قائمةِ الذِّكر الحَسَنْ إلا أنفع و أخير النَّاس ..
.. لَمَّا ثَقُلَ رسولُ اللَّهِ صلّى اللَّهُ عليهِ وسلّم ، ضَمَّتْهُ فاطمةُ إلى صَدْرِهَا ، وَ جعلَ يَتَغَشَّاهُ الكَرْب ، و جَعَلَتْ فاطمة تقُـــول : يَا كَرْبَاهُ لِكَرْبِ أَبَــتَـاه ، فقالَ لها: ” لا كَـرْبَ عَـلَى أَبِيـــكِ بَعْــدَ الْيَـــوْم ” ….

” وَ لَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُم مِّنَ الطَّيِّبَاتِ وَ فَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِّمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلاً * يَوْمَ نَدْعُو كُلَّ أُنَاسٍ بِإِمَامِهِمْ فَمَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ فَأُولَئِكَ يَقْرَؤُونَ كِتَابَهُمْ وَ لاَ يُظْلَمُونَ فَتِيلا * وَ مَن كَانَ فِي هَذِهِ أَعْمَى فَهُوَ فِي الآخِرَةِ أَعْمَى وَ أَضَلُّ سَبِيلا ” الإسراء : 70-72
صدق الله العظيم


تعليقات الفيسبوك