ماذا تعرف عن الظواهرية أو علم الظواهر ؟

ماذا تعرف عن الظواهرية أو علم الظواهر ؟ – بقلم: عبير الأطرش

علم الظواهر أو الظواهرية علم يهتم بدراسة الظواهر في الزمان والمكان، أي كما هي في الواقع، موضوعه دراسة الظواهر النفسية كما هي بالفعل بهدف تحديد المعطيات النفسية، كما يهتم هذا العلم بدراسة ظواهر الوجود عامة فتكون غايته تحديد بنية الظاهرة وشروط حدوثها. وبصورة عامة،يعبر عن الظواهرية بمصطلح «الفينومينولوجيا»، وهو مصطلح يشير حسب الفلسفة المثالية إلى ذلك القسم التمهيدي من الفلسفة الذي يبحث عن الكيفية التي يتجلى فيها الوجود الواقعي في الوعي، ومن ذلك فينومينولوجيا الروح عند هيغل، فهي جزء من منظومته الفلسفية يعرض تعاقب المراحل التي يمر بها الإنسان حتى يعي الروح، ويطلق هذا المصطلح بمعناه الضيق على تيار من الفلسفة البرجوازية أسسه هوسرل Husserl، والفينومينولوجيا عند هوسرل هي المبحث الفلسفي الأساسي وعلم أشكال الوعي وتأمل الماهية والوجود الحق والمطلق، فالحقيقة عند هوسرل تعرف كتجربة حدسية حاضرة، وهذا التخيل الظواهري يتضح أيضاً عند هايدجر Heidegger الذي عدَّ أن مشكلة وجود العالم في الخارج مشكلة مصطنعة، لأن هذا الوجود في نظرة بداهة لا يحتاج إلى برهان، إنه بديهي وجلي جلاءً مباشراً.

يعد هوسرل مؤسس الفينومينولوجيا، وقد دعا إلى العودة إلى الحياة والواقع عودة إلى الحدس الأصلي للأفكار والأشياء، فهدف الظواهرية الهوسرلية هو بلوغ ماهيات الأشياء، بصفتها تراكيب كونتها الأنا المتعالية، بعد أن وضعت العالم الواقعي بين قوسين، إن مهمة فلسفة الظواهر عند هوسرل دراسة ظواهر الوعي فقط، والتي هي ماهيات مطلقة مستقلة عن الوعي الفردي وموجودة فيه في الوقت نفسه، وهذه الماهيات تدرك بالمعاناة المباشرة، ثم توصف كما تبدو حدسياً، إن هوسرل يقترح التخلي عن كل ما يربط بالعالم الخارجي لأن التوجه بالمعرفة يكون إلى أعماق الذات، إلى الوعي ذاته، وعندها يصبح محتوى المعرفة موضوعاً للبحث الفينومينولوجي، وهذا ما يسميه هوسرل بالإرجاع الفينومينولوجي والذي يقضي بأن يخرج من دائرة البحث كل ما يمت بصلة للعالم الخارجي، فالوضع الطبيعي للعالم مغلق أو خارج نطاق التأمل، إن الطبيعي غير ممكن إلا عن طريق تسويغ الشعور له، لذا يطلب هوسرل وضع العالم بين قوسين (أي تعليق كل حكم بغية رد الظواهر إلى ماهيات ورفض جميع الآراء والتصورات القائمة، والتخلي عن طرح مسألة وجود كل ماهو موضوع للبحث)،وبهذا يبقى موضوع المعرفة مقصوراً على الوعي الخالص المتحرر من كل صلة بالعالم الخارجي والمحتوي في الوقت نفسه على كل ما في العالم، إن كل ما يريده هوسرل هو التأكيد على أن هذا العالم لايمكن أن يكون مصدراً للمعرفة حقاً، لذا يجب صرف الانتباه عنه،إلا أن هذا لا يعني أن المعرفة ليست بذات موضوع، وإنما تتوجه دائماً نحو موضوع، إنها قصد إلى هذا الموضوع.

والقصدية هي الفكرة الأساسية في الظواهرية، فالظاهرة موضوع معروف وهي في الوقت نفسه المعرفة بهذا الموضوع، أي فعل نفسي، وهذه الإضافة الجوهرية إلى الموضوع، وهي «قصد» إلى الموضوع هي عين طبيعة المعرفة.

ويتجلى المذهب الفينومينولوجي لدى هايدجر في نظريته حول الحقيقة والوجود، فهو يرى أن النظرة إلى الشيء تحول ظهور الشيء إلى مجرد مظهر، والفكرة الميتافيزيقية للحقيقة تقتصر على إقامة علاقة حيوية أو تطابق مع الظواهر الملاحظة، لكنها بهذا تغفل الظاهرة الأصلية للظهور، إذ كيف يتسنى امتثال الموضوعات إذا لم يكن هناك موضوع يمكن إضاءتها به، أن يرى الشيء معناه أولاً أن يكشفه، أن يفتحه على شيء أخر غيره، وداخل هذه الفتحة الأنطولوجية[ر] تكون كل نظرة ممكنة، إن الفتحة هي الوسيط الذي منه ينبثق الشيء، والواقع مليء بالمعاني التي لايدرك منها العقل إلا الهيكل، والأرضية التي عليها ينكشف الشيء هي أولاً الوجود في العالم، إذن فالحقيقة لا تقوم في إحالة العقل إلى الواقع، بل في إحالة العقل والواقع إلى الأفق الأنطولوجي الذي يضيئها، وبذلك يقترب المذهب الفينومينولوجي لدى هايدجر بصورة شبه مطلقة من رأي هوسرل الذي قصر موضوع المعرفة على الوعي ومظاهره.

إن الغرض من الفينومينولوجيا توفير الوسيلة للكشف عن مبادئ الفلسفة بطريقة رياضية، وذلك بأخذ الأشياء على نحو ما تعرض للحدس أولاً بأول، فالحدس الاعتيادي والأكثر عفوية بالعالم يعطي خليطاً من الحدود الثابتة التي تظهر تارة وتختفي تارةً أخرى، ومن دون أن يتبدل فيها شيء، والمقصود بهذه الحدود الماهيات الثابتة التي تتم معرفتها عن طريق التحليل الفينومينولوجي الذي يعتمد وسيلته الوحيدة الوضع بين قوسين، ويلزم علة الفلسفة أن تضع بين قوسين مؤقتاً كل ما هو معطى سواء أكانت الوقائع المادية أم الماهيات الرياضية، لتصل إلى الحدس بماهية الوعي وأحواله المختلفة.

المصدر: الموسوعة العربية

هذا المقال لا يعبر سوى عن رأي كاتبه، ولا يعبر بالضرورة عن رأي فريق المكتبة العامة

هذا المقال لا يعبر سوى عن رأي كاتبه، ولا يعبر بالضرورة عن رأي فريق المكتبة العامة







تعليقات الفيسبوك