تعرّف على السبب الحقيقي لتخلف العرب والمسلمين !

تعرّف على السبب الحقيقي لتخلف العرب والمسلمين – بقلم: طاهر يونس حسين

كنت قد كتبت مقالاً تكلمت فيه عن الجنة و عن رؤيتي إليها من منظور علمي من خلال معطيات كل عصر حتى وصلت إلى نتيجة أنَّ هذا المكان عبارة عن مكان لا يمكن للعقول الإحاطة به، فعلق رجل على هذا المقال تعليقاً جميلاً جداً، و سأنقله كما قاله بالحرف الواحد لأن تعليقه سيقودني إلى الكلام عن موضوع التخلف الذي نعاني منه الآن يقول الأخ Larbi Roudali :
” فيما قدم لفهم “الجنة”، أعطيت أدلة و أمثلة كثيرة و رائعة تروم الإقناع، و قد نجحت في ذلك على هذا المستوى…لكن الملاحظ هو أننا نستدل بسيرورة من التطورات الحضارية و العلمية و البشرية على مدى التاريخ، و نجعل هذه المظاهر و كذا الظواهر المستدل بها حجة لنا، و الحالة هذه أننا لم نصل إليها نحن المسلمون أصحاب هذه الجنة التي وعدنا بها..إنها ثغرة في “فكرنا” وحتى في إقدامنا على التطور الند بالند، مع الأقوام الأخرى التي لا تؤمن..فما جدوى أن نكون عالة على الحضارات الأخرى نقتبس منها الأمثلة ونستدل بها على ديننا، في حين لم نبذل أي جهد من أجلها؟ وكأننا ننتظر فقط متى نفنى لنحصل على هذه الجنة الموعودة..إذن فهذه الجنات المستمرة حضاريا وبشريا وحتى مستقبليا، ليست من جنتنا..فمتى نصل نحن إلى جنتنا و نستشهد بها ”
قبل البدء بمقالي سوف أتكلم عن ناحية مهمة جداً و التي نتعرض من خلالها لهجمة عنيفة فيما يتعلق بموضوع العلم، و هي دائماً ما يتم ربط العلم بدول الغرب كأوربا و الصين و أمريكا و أنَّنا مجرد عالة نأخذ ثمرة تعبهم و نوظفها حتى في طرح أفكارنا .. موضوع العلم بالذات لا يمكن لأي أحد في الكون احتكاره، لأنَّ العلم عبارة عن ثمرة شارك في إنتاجها كل الإنسانية منذ أيام ما قبل الميلاد و حتى عصرنا هذا و لتوضيح هذا الأمر سأضرب الكثير من الأمثلة التي توضح هذا .
يعتبر البارود من أقدم المتفجرات و لا يمكن على وجه الدقة تحديد من أول من اخترعه حيث إنَّ تحديد مصدر الاختراع بشكل دقيق تتنازعه عدة أقوال، و لكن المرجح أن المادة الأولى كانت عبارة عن اختراع صيني أثناء بحث الكيميائئين الصينيين عن مركب كيميائي للخلود، ثم انتقل إلى العرب الذين وظفوه في الحروب العسكرية ففي ثورة الزنج كان العمال الزنوج في العراق في مدينة البصرة ينقون ملح البارود عام 71هـ/690 م, و قد عرف الكيميائيون المسلمون العرب الأوائل ملح البارود في القرن السابع حيث كان يُستعمل لأغراض حربية مثل نسف الحصون و كذلك للألعاب النارية، و أول استخدام للمدفع كان في حصار سرقسطة في عام 511هـ/1118م .. ثمَّ في عام 672هـ/12733م حيث استخدمه حاكم مسلم عربي هو السلطان المريني أبي يوسف في حصاره لمدينة سجلماسة، و من المعروف أنَّ أول من استخدم البنادق و المسدسات و القنابل اليدوية هم المسلمون العرب حيث استعملوها في الدفاع عن غرناطة في القرن الرابع عشر، و لما سقطت الأندلس بيد الإسبان أخذوا البندقية العربية التي كانت تُدعى “القربينة” و استعملوها في القضاء على الهنود الحمر، و في كتاب “الفروسية و المكائد الحربية” لحسن الرماح المتوفى سنة 693هـ/1294م هناك شرح لصناعة أنواع عديدة من الصواريخ “الطيار” تختلف بالمدة و السرعة والحجم و كذلك نوع من الطوربيدات يصطدم بالسفن و ينفجر، و قد جاء في مخطوطات إسلامية تم العثور عليها تعود إلى القرن الرابع الهجري وصفاً لصناعة البارود: “تؤخذ عشرة دراهم من ملح البارود ودرهمان من الفحم ودرهم ونصف من الكبريت وتسحق حتى تصبح كالغبار، و يملأ بها ثلث المدفع فقط خوفًا من انفجاره، و يصنع الخراط من أجل ذلك مدفعًا من خشب تتناسب فتحته مع جسامة فوهته، وتدك الذخيرة بشدة ويضاف إليها البندق (كرات الحديد)، ثمَّ يشعل و يكون قياس المدفع مناسبًا لثقله”.
لا يهمني من اكتشف البارود أولاً العرب أم الصينيون و لكن الفكرة أن هذا العلم كان عبارة عن علم اشتركت به عدة حضارات و كل حضارة كانت تضيف إليه بصمتها حتى وصلنا إلى هذا التطور الرهيب في المجال العسكري و الحربي و لا يمكن أن يدعي أحد أنه حكر على أحد .
علم البرمجة الذي بنيت عليه كل برمجيات الكمبيوتر يعتمد على مادة اسمها الخوارزميات “Algorithm” و هي تسمية تم اشتقاقها من العالم المسلم محمد بن موسى الخوارزمي و لا زالت تحمل اسمه حتى اليوم .
العالم المسلم الحسن بن الهيثم الذي أثبت حقيقة أنَّ الضوء يأتي من الأجسام إلى العين و ليس العكس كما كان يُعتقد في تلك الفترة، و إليه يُنسب مبادئ اختراع الكاميرا، و هو أول من شرّح العين تشريحًا كاملاً و وضح وظائف أعضائها، و هو أول من درس التأثيرات و العوامل النفسية للإبصار.. كما أورد كتابه المناظر معادلة من الدرجة الرابعة حول انعكاس الضوء على المرايا الكروية ما زالت تعرف باسم “مسألة ابن الهيثم”، و يعتبر ابن الهيثم المؤسس الأول لعلم المناظر و هو من رواد المنهج العلمي.
بروتاغوراس (487 ق.م – 420 ق.م) هو زعيم الفكر السوفسطائي في القرن الخامس قبل الميلاد الذي كان أول من فكر في قوانين النسبية و يعتبره البعض الملهم لأينشتاين.
يعتبر “الجزري” الأب الروحي لعلم الـ robotics و الخاص بتصنيع الـrobots كما نعرفها اليوم، فالجزري هو أحد أعظم مخترعين العصور الوسطى، و هو الذي يُعتبر من أحد أعظم المهندسين و الميكانيكين و المخترعين في التاريخ.. قام باختراع أكثر من رجل آلي (روبوت) حوالي سنة ١٢٠٠، و منهم روبوت يقدم الشراب، و آلة لغسل اليدين، و فرقة آلية موسقية قابلة للبرمجة… حيث طلب منه الخليفة أنْ يصنعَ آلة تُغنيه عن الخدم كلَّما رغب في الوضوء للصلاة، فصنعَ له آلة على هيئة غلام منتصب القامة، و في يده إبريق ماء و في اليد الأخرى منشفة، و على عمامته يقف طائر فإذا حان وقت الصلاة يُصفر الطائر ثم يتقدم الخادم نحو سيده و يصب الماء من الإبريق بمقدار معين، فإذا انتهى من وضوئه يقدم له المنشفة تم يعود إلى مكانه و العصفور يغرد..كان علم الجزري أحد الأسس للنهضة العلمية في الحضارة العربية الإسلامية التي انتقلت فيما بعد إلى أوروبا.. يعدّ كتاب الجامع بين العلم و العمل النافع في صناعة الحيل أهم كتب الجزري، و قد أتم كتابته سنة (1206 م)، أي أن الكتاب كان نتيجة عمل دام خمسًا و عشرين سنة من الدراسة و البحث.. في هذا العمل قدم الجزري عددًا كبيرًا من التصاميم و الوسائل الميكانيكية، و يُعد الكتاب “أروع ما كتب في القرون الوسطى عن الآلات الميكانيكية والهيدروليكية”، و قد أبهرت اختراعاته المهندسين على مر العصور و كُتبه مترجمة إلى عدة لغات.
ساهمت اختراعات الجزري في فتح الباب لظهور كثير من الآلات التي لعبت دوراً محورياً في الثورة الصناعية في أوروبا، و التي أصبحت فيما بعد عماد المدنيّة الحديثة، و من أسمى اكتشافاته النظرية التي تقول “إن الحركة الدائرية يمكنها أن تولّد قوة دافعة إلى الأمام”، و قد قاده اكتشافه هذا إلى اختراع عمود الكامات (Camshaft)، و هو العمود الذي يدور بضغط مكابس المحرك فتتولد قوة دافعة للأمام كما يحدث في محرك السيارة .. و قد تلقف الأوروبيون اختراع الجزري بعد قرنين، و بنوا عليه حتى توصلوا إلى اختراع المحرك و بدأ عصر القطارات البخارية.
إنَّ الفكرة من كل الكلام السابق أنَّ العلم عبارة عن نتاج إنساني اشتركت فيه كل البشرية عبر العصور و كل حضارة كانت تأخذ من الحضارات التي قبلها و تضيف بصمتها عليه، فلا يمكننا القول أن العرب سرقوا علومهم من اليونانيين و الصينيين ..هذا كلام تافه و سخيف ينادي به الجهلة.. بل نقول أنهم أخذو منهم و أضافوا إليه و كذلك الأوربيين و الأمريكان و اليابانيين، فالعلم أشبه ما يكون بصرح حضاري كل حضارة تضيف إليه طوبتها الخاصة.. بالتالي عندما ندعم أفكانا الدينية و الفلسفية بعلم عصرنا لا يعني كما قال أخي الذي استشهدت بكلامه ” أن نكون عالة على الحضارات الأخرى نقتبس منها الأمثلة و نستدل بها على ديننا، في حين لم نبذل أي جهد من أجلها “، فنحن نظرتنا أوسع بكثير من هذا ..نحن ننظر من علو شاهق إلى الأمر لأن الأمور تختلف كثيراً حينما ننظر إليها من بعيد، فنحن ننظر إلى الإنسانية ككل و نستفيد من كل بشري في إثبات فكرتنا ..بل نتجاوز البشر حتى، فعمر الكون أكثر من 13 مليار سنة و عمر الارض حوالي 4 مليارات و نصف بالتالي الأمور أعقد من البشرية ككُل و التي لا يتجاوز عمرها عشرات الآلاف من السنين.. نعم نحن الآن لا شك متخلفين كأمة إسلامية على كافة المستويات العلمية و الأخلاقية و هذه حقيقة لا ننكرها أبداً،و من هنا سأناقش السبب الرئيسي لأسباب التخلف الذي نعاني منه .
من المعلوم أنَّ الوطن العربي يعاني من حالة تخلف طويلة و هو كان في حالة استعمار قام بنهب ثرواته و قتل أبنائه، و بعد خروج المستعمر من الوطن العربي.. سلَّم الوطن العربي لوكلائه من الحكام الذين استمروا على نهج أسلافهم.. بالتالي أعتقد أنَّ السبب الرئيسي للتخلف هو نظام الحكم السياسي و ليس الدين .. الدين ليس له علاقة لا من قريب و لا من بعيد في هذه القضية، لأن الدين بعيد كل البعد عن عن هذا الأمر منذ زمن طويل.. إنَّ وجود الدولة القوية العظمى التي تحمي العلم هي أهم ركيزة لتطور العلم، و إنَّ وجود دولة قوية يعني قيام حضارة قوية و الدليل على ذلك عندما كان لدينا دولة قوية تصل حدودها إلى الصين وصلت الحضارة في ذلك الوقت إلى الأوج و أثمرت عن علماء و علوم لا مجال لحصرها، و الآن أمريكا لأنها أعظم دولة في العالم و لديها القوة العسكرية الأكبر هي أكثر دولة متطورة علمياً على مستوى العالم لأنَّها دولة قادرة على حماية علمائها و توظيف علمهم في خدمة مصالحها.. بينما نحن كدول ممنوع علينا أن نتطور علمياً ؛ لأنَّ أي إنجاز علمي تريد تحقيقه ستصطدم مع هذه القوى التي ستدمر علمك، و لا ننسى كيف تم تدمير مفاعل تموز النووي في العراق في 7 حزيران 1981 من قبل اسرائيل ” اسرائيل التي تُعتبر مشروع غربي تم زرعه في قلب العالم العربي لخدمة مصالحهم و هي وُجدت بقرار سياسي و بجرة قلم منهم تنتهي أيضاً .. مجرد مشروع و وكيل لهم”.. رغم أن البرنامج كان لا يزال سلمياً.. حيث أن العلماء العراقيين تمكنوا وحدهم من تخصيب اليورانيوم كهرومغناطيسياً دونما مساعدة أجنبية، غير أن هذا البرنامج دُمر تماماً بعد دخول المفتشين الدوليين العراق، و لا ننسى العالم الفيزيائي العراقي الدكتور سلمان رشيد سلمان اللامي الذي مات في جنيف بمرض غامض في العام 1981 و هو العام الذي ضرب فيه مفاعل تموز، و لا ننسى العالمة المصرية سميرة موسى أحد علماء الذرة الذين تم اغتيالهم في الولايات المتحدة الأمريكية في حادثة مدبرة في عام 1952.. بالتالي سبب التخلف غياب الدولة العظمى صاحبة القرار السياسي المستقل التي تستطيع أن تكفل تطور العلم و تستطيع حماية علمائها و حتى أوربا لم تكن متخلفة بسبب الدين المسيحي و إنما بسبب رجال دين أحسوا بخطر على مصالحهم الشخصية فوظفوا الدين لمحاربة العلماء و قتلهم حتى لا يذهب دورهم، فالدين لا يدعو و لا بشكل من الأشكال إلى نبذ العلم بل هناك رجال و كهنة نفوسهم قذرة يحاربون العلم باسم الدين خوفاً على مصالح شخصية دنيئة.. باختصار شديد نحن نفتقر إلى الدولة القوية التي تكفل تطور العلم و لا ننسى أنَّ لكل حضارة نهاية، و قد يتولى قيادة العالم فيما بعد دول أمريكا اللاتينية أو دول آسيوية أو العرب أنفسهم فلا تستغربوا ذلك ، فالاتحاد السوفييتي و الذي كان يشكل مساحة تقدر بسدس العالم انهار فجأة و تفكك إلى دول كثيرة و ذهب أدراج الرياح، و أوربا المتطورة الآن كانت أغلب منازلها في العصور الوسطى ..بلا غرف استحمام و لا مراحيض و كانت شوارع أوروبا في القرون الوسطى عبارة عن مرتع للفضلات البشرية و الحيوانية، و كانت تعبرها الحمير والبغال و الأبقار و الماعز و الخنازير، فتضيف إليها ما استطاعت، وبعد ذلك يأتي الجزارون فيذبحون المواشي في الشارع العام فتختلط الدماء و أمعاء الحيوانات بفضلات البشر كما كانت الفضلات البشرية تستعمل من أجل غسل الجلود و تلميع الزجاج، و أن بعض الشركات كانت تجمع تلك الفضلات في آبار عميقة لتعيد استعمالها.
سقوط الحضارات أسرع بكثير مما تتصورون و هو ينتقل من أمة إلى أخرى، و عندها ربما تقوم الحضارة الجديدة بتطوير العلم ليصبح العلم و التطور الذي نشاهده الآن بالنسبة إليهم مجرد إنجازات بسيطة فقد يصلون إلى مراحل أكثر تطورا.. بالتالي سنظل نستخدم العلم كحجة لنا نعزز به أفكارنا بغض النظر عمن ينتجه، لأن العلم نتاج إنساني لكل البشرية و لا ننسى أنَّك غير مسموح لك أن تتطور و أي إنجاز علمي مصيره القصف و التدمير و أي نابغة مصيره القتل.
نحن لا نفتقد للعلم و لا للعلماء بل نفتقد الى السلطة القوية الحقيقية صاحبة القرار السياسي المستقل بالإضافة إلى وجود العدل ضمن هذه السلطة لنحقق من خلالها رفاهية اقتصادية و تطور أخلاقي و هذا هو سبب تخلفنا الرئيسي لمن أراد أن ينظر بعين الحقيقة و الإنصاف.
خطب سعيد بن سويد بحمص، فحمد الله و أثنى عليه، ثم قال: أيُّها الناس، إنَّ للإسلام حائطًا منيعًا، و بابًا وثيقًا، فحائط الإسلام الحقُّ، و بابه العدل، و لا يزال الإسلام منيعًا ما اشتدَّ السلطان، و ليست شدة السلطان قتلًا بالسيف، و لا ضربًا بالسوط، و لكن قضاءٌ بالحق و أخذًا بالعدل .

ــــــــــــــــــــــــــــ

هذا المقال لا يعبر سوى عن رأي كاتبه، ولا يعبر بالضرورة عن رأي فريق المكتبة العامة

هذا المقال لا يعبر سوى عن رأي كاتبه، ولا يعبر بالضرورة عن رأي فريق المكتبة العامة







تعليقات الفيسبوك