لماذا يشكل العقل البشري أداة قاصرة لفهم الغيب .. كالخلود و أزلية و أبدية الله ؟

لماذا يشكل العقل البشري أداة قاصرة لفهم الغيب .. كالخلود و أزلية و أبدية الله ؟ – بقلم: طاهر يونس حسين

لتوضيح هذه المسألة بشكل دقيق سوف أضرب مثالاً على ذلك و من خلال هذا المثال سوف أنطلق لتوضيح فكرتي.. إنَّ وحدات إدخال المعلومات إلى الكمبيوتر هي الفأرة و لوحة المفاتيح و الميكريفون و الكاميرا و الماسح الضوئي ..إلخ، فلو قمنا على سبيل المثال ببرمجة برنامج يقوم بإدارة شؤون الطلاب في جامعة ما.. من خلال هذا البرنامج يمكنني إدارة ملفات الطلاب بشكل كامل من عمليات التسجيل و الامتحانات و سجلات المواد و جدول الدوام و إعداد التقارير.. إلخ.
هذا البرنامج حتى يقوم بالعمل الصحيح لا بد من إدخال المعلومات إليه و بعد إدخال المعلومات يبدأ البرنامج بمعالجة المعلومات، ثمَّ إعطائي الحكم و النتيجة المناسبة، و عن طريق أدوات الإدخال الرئيسية في الحاسوب يمكنني إدخال هذه المعلومات إلى الحاسوب سواء عن طريق لوحة المفاتيح أو الكاميرا أو الماسحة الضوئية.. إلخ، و دون إدخال المعلومات يبقى البرنامج أداة صماء لا تفيدني بشيء، فمن خلال إدخال أسماء المواد و معلومات القاعات و أسماء الطلاب و علامات الطلاب في الامتحانات.. يستطيع البرنامج أن يعطيني أسماء الطلاب المتفوقين في المادة الفلانية، و يستطيع إعطائي تفصيل لجدول الحصص الدراسية في كل قاعة، و يستطيع إعطائي أسماء الطلاب الراسبين.. إلخ، و نحن بالضبط و بشكل دقيق جداً نشبه برنامج الكمبيوتر هذا.. حيث إنَّ عقلنا عبارة عن برنامج الكمبيوتر، و من خلال المعلومات التي يتلقاها هذا العقل من محيطه يمكنه بناء الحكم و النتيجة المناسبة.. إن أدوات الإدخال الرئيسية لبرنامج عقلنا هي العين و الأذن، و من خلال كَمْ المعلومات الهائلة التي تدخل إلى العقل عن طريق أدوات الإدخال الرئيسية ( العين و الأذن ) يمكننا بناء تصور كامل عن عالمنا، فكل العمليات الفكرية منذ بدء البشرية حتى الآن تمت بناءً على ما توفره أعينُنا و آذاننا من معلومات لبرنامج الكمبيوتر الموجود في رأسنا.
إنَّ آلية عمل الرُّؤية باختصار هي سقوط الضوء على جسم ثم انعكاس ضوء الجسم إلى العين لكي تقوم قرنية العين بتجميع هذه الأشعة المنعكسة، و من ثمَّ تتجمّع هذه الأشعة من القرنية إلى شبكية العين.. ثمَّ يتم تمريرها باستخدام العصب البصري إلى الجزء المتخصّص بالإبصار في الدماغ الذي يقوم بتفسير الأشياء على شكل صور و أشكال .. أي أنَّ الضوء باختصار هو حامل لصورنا و عن طريق آلات بشرية كالعين يمكن التقاط هذا الضوء و تحويله الى صور بالدماغ، و إنَّ ضوء الشَّمس الأبيض إذا مررناه على موشور زجاجي يتحلل إلى سبعة موجات مختلفة الأطوال تتميز كألوان الطيف الأحمر، البرتقالي، الأصفر، الأخضر، الأزرق، النيلي، البنفسجي.. يعني باختصار اللون هو عبارة عن موجة طاقة كهرطيسية لها طول معين..هناك ثلاثة أنواع من الخلايا المخروطية في شبكية العين ” حساسة للأطوال الموجية الأخضر و الأحمر و الأزرق ” إنَّ الأجسام بعد تحليلها نجدها تتكون من الذرات و هذه الذرات تتفاعل مع الضوء (الطاقة) الذي يقع عليها، فإمَّا تمتصه كل موجات الضوء أو تعكس جزء منها أو تعكسها كلها ..كيف تتم رؤية الألوان إذاً.. إنَّ عملية رُؤية اللون تعتمد على الموجة التي انعكست عن الجسم، و حسب طول هذه الموجة تتلقاها الخلية المخروطية المناسبة و يفسرها الدماغ على أنَّها اللون الفلاني، فعلى سبيل المثال اللون الأخضر للنباتات نراه كذلك لأنَّ النبات يحتوي مادة الكلوروفيل التي تمتص جميع موجات الضوء و تعكس موجة الأخضر فقط، فتتلقاها المخاريط الحساسة لطول موجة الأخضر فيفسرها الدماغ أنَّها خضراء، أما هي في الحقيقة لا تملك لوناً أخضر و إنما موجة ذات طول معين انعكست عن النبات و فسرها الدماغ على أنها اللون الأخضر، و التفاحة الحمراء تمتص جميع موجات الضوء ما عدا موجة اللون الأحمر فيفسرها الدماغ على أنَّها ذات لون أحمر.. كذلك الأمر للبقية.. باختصار شديد اللون هو شيء خاص بالدماغ و ليس خاصاً بالأجسام.. حقيقته موجة ذات طول معين انعكست عن الجسم ففَسَرها الدِّماغ على أنَّها اللون الفلاني.. أمَّا حقيقةً.. التفاحة ليست حمراء أي أنَّ جوهَرَها حمراء، و إنَّما دماغنا رآها كذلك، و كل هذا لأنَّ نظام الرؤية يعتمد على الضوء الساقط من الشَّمس أو المصباح.. أما لو كانَتْ أعيُنُنا ترى بأشعة اكس و ليس الضوء فإنَّنا سنرى بعضنا هياكل عظمية لقدرة هذه الأشعة على اختراق الأجسام.
أما حاسة السمع فآليتها كالتالي تدخل الأصوات قناة الأذن.. تنتقل الموجات الصوتية عبر قناة الأذن و تصدم طبلة الأذن.. تهتز طبلة الأذن و عظام السمع .. تعمل هذه الموجات الصوتية على اهتزاز طبلة الأذن و العظيمات الثلاث الموجودة في الأذن الوسطى.. ينتقل السائل عبر الأذن الداخلية.. تنتقل هذه الاهتزازات عبر السائل الموجود في الأذن الداخلية الحلزونية الشكل و المعروفة باسم قوقعة الأذن ، وتعمل على تحريك الشعيرات السمعية الدقيقة في قوقعة الأذن.. تستبين هذه الشعيرات السمعية الحركة و تقوم بتحويلها إلى العصب السمعي في صورة إشارات كيميائية.. و أعصاب السمع تنتهي الى المخ، ثمَّ يقوم العصب السمعي بإرسال المعلومات إلى الدماغ عبر نبضات كهربية، حيث تتم ترجمتها إلى أصوات.
مما سبق نستنتج أن العين و الأذن ليستا إلا وسيلتين لإدخال المعلومات و عملية الإبصار و عملية السمع تتم داخل الدماغ و هو الذي يترجم هذه الأمواج إلى صور أو أصوات.. يقول ربنا: ” وَ مَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا كَمَثَلِ الَّذِي يَنْعِقُ بِمَا لَا يَسْمَعُ إِلَّا دُعَاءً وَنِدَاءً صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لَا يَعْقِلُونَ ” البقرة:171.. تشبيه بليغ للكفار الذين عطلوا أدوات إدخال معلوماتهم عن إدراك الحقيقة فهم كالعمي و الصم.. عقولهم فارغة لا تحتوي أية معلومات لكي تقوم بمعالجتها و إدراك الحقائق منها و هم موجودون بكثرة حتى يومنا هذا و لو كانوا يملكون شهادات في الدكتوراة، و لكن نحن نعلم أن الصوت لا ينتقل في الفراغ.. بالتالي هنا مصدر من مصادر إدخال المعلومات قد تعطل بالتالي قد تعطل لدينا مصدر معلومات مهم لإدراك الفراغ بشكل تام بالتالي فقد حقيقته بشكل مطلق، و هناك أيضاً شيء مهم أنَّ مئات مليارات النجوم و الكواكب في الكون تشكل فقط حوالي 5 بالمية من مادة الكون..بينما البقية يُسمَى المادة و الطاقة المظلمة و هي تشكل 95 بالمية من الكون، و هذه مستحيل أن تُرَى لأنَّ الرؤية لدينا تعتمد على الضوء، و المادة المظلمة لا يصدر منها أي ضوء فهي غير قابلة للمشاهدة و لا بأي جهاز في العالم لأنَّها لا تصدر ضوءا.. بالتالي هنا فقدنا مصدراً مهماً جداً من إدخال المعلومات إلى الدماغ لمعالجتها، و هي الرؤية بالتالي هذا يشكل لدينا نظرة قاصرة جداً بشكل عجيب عن إدراك الكون، فكيف لنا أن نقوم بإدراك المفاهيم الغيبية و نحن لم نتلقَ أي معلومة بحواسنا نستطيع من خلالها بناء تصور لمفاهيم مثل الخلود .. أزلية و أبدية الله .. ماذا كان يوجد قبل وجود الكون .. و ما هي حدود هذه المساحات هل ستتوقف عند حد معين أم أنها ستستمر للأبد..إلخ، و لا يمكن أن نفهم حقيقة هذه الأشياء لأن عقول البشرية منذ بدء البشرية و حتى الآن لم تتلق حواسها معطيات من هذا الشكل.. لتقوم بإدخالها إلى الدماغ حتى يفسرها و يفهمها.. نحن عرفنا الشجرة و السماء و البحر و النهر لأنَّنا رأيناها و دخلت معلوماتها إلى دماغنا، فصار إدراكها شيء بديهي، و لكن لو لم نرَ شجرة في حياتنا منذ بدء البشرية.. لن نفهم شكل الشجرة لو بقينا مليون سنة نشرح معناها و لو شرحها أكبر فيلسوف في العالم، ثمَّ إنَّ هناك مخلوقات نظامُ الرؤية عندها لا يعتمد أبداً على الضَّوء مثل الخفاش الذي يعتمد نظامُ الرؤية عنده على الأمواج الصوتية.. أي أنَّ الرؤية عنده صوتية.. بالتالي ما يدرينا قد يكون هناك أنظمة للرؤية لا حصر لها.. أنظمة تعتمد على شيء آخر غير الضوء.. لا نعلم ما هو صراحة.. شيء آخر غير الشمس و ضوئها، و لا يمكننا عكس الوجود كلِّه على نظام أعيُنِنا الذي يعتمدُ على الضوء، و هناك أيضأ مسألة الأبعاد هذه مسألة مهمة جداً حيث إنَّها لا تعتمد لا على ضوء و لا على صوت.. بمعنى لو كان لدينا مخلوق يرى ضمن بعدين فقط طول و عرض.. يعني هذا المخلوق يعيش بشكل مسطح تماماً على الأرض بحيث لو أنَّ جسماً مُرتفعاً عن الأرض بمقدار ضئيل جداً 1 مم.. من المُستحيل أن يراه لأنَّه لا يوجد في قاموسه شيء اسمه الارتفاع، و لا يعرف ما معنى ارتفاع لأنَّه يعيش فقط ضمن فضاء ثنائي البعد طول و عرض فقط بالتالي هكذا مخلوق لو عاش معك و بجانبك ألف عام لنْ يراك لأنَّك ثلاثي الأبعاد طول و عرض و ارتفاع و هو ليس لديه ارتفاع، و العلماء يقولون أنَّ للكون 11 بُعدا بالتالي لو كان هناك مخلوق يعيش بفضاء خماسي الأبعاد لن تراه لو بقي معك و بجانبك ألف عام.. هنا مسألة الرؤية لا تعتمد فقط على الضوء و إنَّما مسألة الأبعاد مهمة أيضا.
بالتالي خلاصة هذا الكلام حتى تستطيع أن تدرك مفاهيم الغيب لا بد أن يكون لديك معطيات تدخل إلى رأسك لتقوم بمعالجتها ثم تطلق حكماً عليها، و نحن آمنا بالله و بوجود الصانع العظيم من خلال التأمل بمخلوقاته، و من خلال ما وصلَنَا من الأنبياء من أخبار صادقة كمثل الأعمى الذي آمن بوجود الشجرة و وجود السماء و البحر و الجبال عن طريق ما أخبره المبصرون من أخبار مع أنه لم يرها بحياته، و أيضاً مسألة مهمة لكي نقوم بفهم معنى تلك الأشياء من خلود أبدي و معلومات عن الإله لا بد أن يكون في الآخرة تركيبة جديدة .. عقل جديد و حواس جديدة إضافية شيء آخر غير السمع و غير البصر كمثل الكمبيوتر الذي يمتلك أدوات إدخال كالفأرة و لوحة المفاتيح و الميكريفون و الكاميرا و الماسح الضوئي ..إلخ، و من خلال هذه الحواس الإضافية نستطيع إدخال معطيات كثيرة إلى دماغنا فندرك من خلالها كل هذه الطلاسم التي حيرت البشرية منذ آلاف السنين و حتى الآن و هذا الكلام أوجهه لكل ذي عقل أن يتفكر فيه بشكل جيد، و أن لا يطلق حكماً بعدم الإيمان و يضيع حياته على كفر بناء على حواس ضيقة أطلق من خلالها حكماً شاملا .
” نَحْنُ قَدَّرْنَا بَيْنَكُمُ الْمَوْتَ وَمَا نَحْنُ بِمَسْبُوقِينَ * عَلَىٰ أَن نُّبَدِّلَ أَمْثَالَكُمْ وَ نُنشِئَكُمْ فِي مَا لَا تَعْلَمُونَ * وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ النَّشْأَةَ الْأُولَىٰ فَلَوْلَا تَذَكَّرُون ” الواقعة:60-62
صدق الله العظيم

ـــــــــــــــــــــــــــــــــ

هذا المقال لا يعبر سوى عن رأي كاتبه، ولا يعبر بالضرورة عن رأي فريق المكتبة العامة






تعليقات الفيسبوك