الذات والعالم والحرية – بقلم: خيال بعيد

الذات والعالم والحرية – بقلم: خيال بعيد

أي انسان هو عبارة عن ذات تنظر للعالم من حولها وتحكم على الجزئيات المحسوسة مثل الناس والحيوانات والنباتات والجمادات بأحكام عقلية نظرية وعملية وجمالية. وتنسج مجموعة من العلاقات العاطفية بينها وبين هذه الجزئيات فتصير لها محبوبات ومكرهات واّمال ومخاوف. فإذا قطعنا هذه العلاقات صارت النفس حرة من قيود هذا العالم. ولكن ليس الغرض هو ان تكون حرة من العلاقات دائما وكأن هذا غرض في ذاته كما هو الحال عند البوذيين بل الغرض هو ان نقيم علاقات عاطفية مع العالم وجزئياته بناء على معرفة نظرية حقيقية بما عليه العالم لا بناء على المعرفة الوهمية التي نحن غارقون فيها حتى الثمالة .

فقطع علاقاتنا العاطفية بالعالم الوهمي هو شرط لإقامة علاقات عاطفية مع العالم الحقيقي أي علاقات عاطفية قائمة على معرفة نظرية بالعالم على ما هو عليه وليس كما يبدو للوعي العامي أو كما يبدو لمؤلفي الكتب وأصحاب المذاهب ؟ واذا حدث هذا فتأكد انك لن تحب ابيك ولا امك ولا اخيك ولا وطنك ولا مال ولا جاه ولا مكانة ولا شهرة وانما ستتركز كل مشاعرك حول (واجب الوجود) فقط. ولن تدرك الاشياء المخلوقة وقتها من حيث هي هي وانما من حيث هي قائمة بواجب الوجود ولا قوام لها من نفسها ولا وجود لها من نفسها ولا حركة ولا تغير لها من نفسها وانما قوامها ووجودها وحركاتها كلها من (واجب الوجود ) . فإن أحببنا هذه الاشياء لم نحبها وقتها لذاتها وانما لأنها من خلق واجب الوجود وفعله. وان كرهنا الناس وقتها فإننا لن نكرههم لأنهم خالفونا او نافسونا وانما لأنهم خالفوا أمر واجب الوجود وما احبه لهم من احوال .

ولكن الوصول لهذه النظرة للعالم ليست بأمر سهل المنال لأن الذات مستغرقة في العالم الوهمي كما انها مقيدة مع جزئياته بعدد من العلاقات العاطفية كما انها هائمة مع معاناة ماضيها ومخاوف واّمال مستقبلها. فكم من انسان قد تقيد وعيه بتجربة مؤلمة في الماضي يعيش معها بكل كيانه وكأنها قد صارت حاضرة وكم من انسان لديه أمل في شئ يتمناه ولا يرى غيره مثل الشهرة او منصب مرموق او حتى دخول التاريخ وحسن الذكر وانتشار الصيت. وكل هذه هي مجرد اوهام تتقيد قلوب الناس بها فيستغرقون معها وفيها بكل كيانهم ومشاعرهم . ولكن ليس معنى هذا ان استغراق كل الناس في هذا العالم الوهمي هو ضلال يجب ان يتحرروا منه بل التحرر منه واجب لمن كان مستعدا بفطرته للتحرر منه وكما قال الشاعر (ولم ارى في عيوب الناس عيبا كنقص القادرين على التمام)

فإن كان هناك شخص ليس لديه بالفطرة قدرة على التحرر من العالم الوهمي فمن الخطأ ان نطالبه بما لا يقدر عليه وانما الأفضل والأنسب له هو ان نتركه يعيش في عالمه الوهمي ولكن نضع له قواعد ومناهج للمعيشة فيه بحيث تكون هذه القواعد والمناهج مانعة لإستغراقه الكامل فيه والإيغال في العلاقة معه. وهذا هو ما يفعله الأنبياء مع العوام المتوهمين لأن الأنبياء ينزلون لمستوى عقول الناس ويراعون ان الناس يعيشون في عالم متوهم ولا مقدرة لهم على الخروج منه الا فئة نادرة لديها استعداداً فطريا للخروج منه وهذه الفئة قادرة على استخلاص الحقائق من الإشارات والرموز والتلميحات التي ذكرها الانبياء عن العالم الحقيقي بحيث لا تتشوش عقول المتوهمين ولا يخفى فهمها عن الخواص المستعدين بالفطرة لفهمها .

ـــــــــــــــــــــــــ

هذا المقال لا يعبر سوى عن رأي كاتبه، ولا يعبر بالضرورة عن رأي فريق المكتبة العامة

هذا المقال لا يعبر سوى عن رأي كاتبه، ولا يعبر بالضرورة عن رأي فريق المكتبة العامة







تعليقات الفيسبوك