الحدود بين الدولة والدين: هل بالإمكان ترسيم الحدود بين ديننا ودولنا؟

الحدود بين الدولة والدين: هل بالإمكان ترسيم الحدود بين ديننا ودولنا؟ – بقلم: اسماعيل علوان التميمي 

لا شك ان بحث موضوع علاقة الدين الاسلامي بالدولة وعلاقة الدولة بالدين الاسلامي بوجه خاص هو موضوع في غاية الاهمية وفي غاية الخطورة ، ويحتاج الى المزيد من الجهد الفكري والبحث العميق والهادئ والشجاع والمسؤول من قبل كبار فقهائنا وعلمائنا وخبرائنا في مختلف الاختصاصات ولا سيما ، الدين ،السياسة ، القانون ،الاقتصاد والاجتماع .

 ليس على مستوى العراق فحسب وانما على مستوى كل دول العالم التي يشكل المسلمون غالبية سكانها وبالاخص في منطقتنا ، الذي تتداخل وتتشابك فيها الى حد بعيد القوميات والاديان والمذاهب والفرق في المذهب الواحد ، مما يقتضي وجود تنظيم لشكل العلاقة بين الاديان ومذاهبها وفرقها من جهة وبينها وبين الدولة من جهة اخرى .

الحقيقة اخفقت شعوبنا تاريخيا في ترسيم حدود واضحة وثابتة بين الدين والدولة . فمرة تحاول الدولة ابتلاع الدين ومرة يحاول الدين ابتلاع الدولة .وفي الحالتين تقع الكارثة عندما تغص الدولة بالدين وعندما يغص الدين بالدولة ، وفي الحالتين ايضا تدفع شعوبنا ثمنا باهضا وموجعا ادى ويؤدي في مآلاته النهائية الى تعطيل نهضتنا وتقدمنا .

كما ادى الى وقوع فتن وحروب في قمة الوحشية ملأت صفحات التاريخ واخرها مانشهده من الارهاب الاكثر عنفا والاكثر وحشية منذ فجر التاريخ الى اليوم مايزال يضرب بقوة بلدنا ومنطقتنا والعالم .

الحقيقة ان الارهاب الذي نشهده اليوم وهو يوغل في دمائنا ويفكك دولنا وينسف بيوتنا ومؤسساتنا ويلوث ارضنا ومائنا وسمائنا وقيمنا ويحطم اثارنا ويحول حياتنا الى جحيم حقيقي ، لم يأت من فراغ ولم ينقض علينا من الهواء فجأة وعلى حين غرة ، وانما يستند في كل ذلك الى فتاوى دينية يعتقد انها تبرر كل افعاله وجرائمه وفضائعه ، يتعلق بعضها بقرائته الخاصة للنصوص الدينية .

وبعضها يتعلق بقرائته الخاصة لسجل حافل باحداث دينية تاريخية رافقت الدعوة الاسلامية وما تلاها من ردات وغنائم ومغارم وفتن وغزوات ، وفتوحات وصلت الى تخوم الصين . ولو دققنا بعض الاحداث التاريخية التي تلت الدعوة الاسلامية واذا استعرضنا على سبيل المثال لا الحصر الفضائع التي ارتكبها الخوارج ، سنجد فيها الكثير من اوجه الشبه مع الاحداث والفضائع الارهابية التي نشهدها اليوم .

 اما الفرق الذي سنلحظه فانه يتعلق فقط بالادوات التي استخدمت في القتل فبدلا من استخدام السيف في النحر وقطع الرؤوس وبقر بطون النساء الحوامل يجري اليوم استخدام طرق تكنولوجية حديثة جدا في القتل الجماعي كالعبوات الناسفة والاحزمة والسيارات المفخخة والاستيلاء على طائرات نقل الركاب واستخدامها كصوارخ لنطح الابراج الحكومية والتجارية المكتضة بالبشر

وكذلك اهتدى الارهاب الى اسلوب جديد لتفخيخ الطائرات المسيرة وتفخيخ جثث الموتى الخ من الاساليب التي لايهتدي اليها حتى (الشيطان الرجيم )لايقاع اكبر عدد ممكن من الضحايا الابرياء اضافة الى استخدام الرصاص في القتل والسكاكين في النحر والفؤوس لتهشيم الرؤوس البشرية واستخدام المشتقات النفطية والسوائل القابلة للاحتراق قي حرق البشر وهم احياء اضافة الى استخدام الاسلحة الكيمياوية التي تقع في ايديهم .

.بعبارة اخرى ان هذا الارهاب ما هو الا مخرج من مخرجات عدم ترسيم الحدود بين ديننا ودولنا في المنطقة عبر التاريخ . ولو ان دولنا التي انسلخت من الدولة العثمانية على اثر اتفاقية سايكس بيكو التي عقدت سرا بين روسيا القيصرية وبريطانيا وفرنسا كانت قد نجحت في ترسيم الحدود بين الدين والدولة بما يعود بالنفع للدين والدولة معا ، لما وصلت الامور الى ما وصلت اليه من سوء فضيع وهائل طالت ارتداداته وتداعياته وشروره كل كوكب الارض وما عليه من حجر وبشر وبحر ونهر وشجر .

اذا المطلوب بذل جهد فكري ديني وسياسي واقتصادي واجتماعي وقانوني هائل من قبل مفكري الامة للتوصل الى تنظيم شكل من اشكال العلاقة النافعة بين الدين الاسلامي والدولة يسودها الاحترام والتعاون ونوقف محاولات ابتلاع احدهما للاخر .

وبدون التوصل الى ذلك سوف لن نتمكن ان نقضي على الارهاب قضاء مبرما ونهائيا وربما سيعود الينا مستقبلا تحت عناوين اخرى . كما سنفشل قطعا في امتلاك ناصية النهضة . وسنوغل في العودة الى الوراء وسنوغل في دماء بعضنا البعض ، اذا لم يتدارك الامر كبار رجال الدين وكبار رجال الددولة وينجحوا في ترسيم الحدود بين ديننا ودولتنا بما يضمن احترام ديننا ودولتنا.

لدينا ثلاث ديانات مركزية رئيسية حاولت تاريخيا فرض شرائعها الدينية على الدولة وهي اليهودية والمسيحية والاسلام اما بقية الديانات فانها ديانات تدعوا الى الاصلاح وهي ليس ديانات مركزية تحاول ان تفرض شريعتها على الدولة .

 لناخذ المسيحية التي شهدت اعنف اشكال الصراع بين الدين والدولة مثالا ،حيث دفعت الملايين من البشر ضحايا للحروب الدينية ( الصليبية واالكنسية) الا انهم مع كل ذلك ، توصلوا الى شكل من اشكال العلاقة بين الكنيسة ودولهم ، اوقفت مسيرة طويلة من الحروب والدماء من خلال ما اطلق عليه فصل الدين عن الدولة .

السؤال الذي يثور هنا : هل بالامكان فصل الدين الاسلامي عن الدولة تماما كما فعلت الدول الاوربية مع الكنيسة ( فصل الدين عن الدولة ) ام ان الوضع مختلف ؟ الحقيقة نرى بحدود معرفتنا ان الوضع مختلف تماما . فهناك فروق كبيرة بين الديانتين سواء على مستوى النصوص وتأويلها او على مستوى ثقافة المجتمعات التي تتبع الديانتين .

بمعنى اخرهناك فرق كبير بين النصوص وتاويلها من جهة وبين اسلوب حياة المجتمعات ذات الديانة الاسلامية والمجتمعات ذات الديانة المسيحية من جهة اخرى ، لا يسمح باعتماد مبدأ فصل الدين عن الدولة ، ولكن بالامكان ترسيم حدود بين الدين والدولة التي يعتنق غالبية سكانها بالديانة الاسلامية تضمن علاقة توازن واحترام وتعاون بين الدين والدولة ، بما لايسمح بتدخل احدهما في الاخر فلا تتدخل الدولة في شؤون الدين ولا يتدخل الدين في شؤون الدولة .

لست ضليعا في الفقه الاسلامي ولا ادعي ذلك ولكن يمكن القول انه لم يرد نص صريح في الكتب السماوية الثلاث ومنها القران الكريم باعتباره موضوع بحثنا فانه لم يحدد شكل النظام السياسي الاسلامي ولا اسلوب تداول السلطة ولو شاء الله تعالى لفصله كما فصل المعاملات والعبادات. لذا نجد هناك تقسيرات عديدة ومختلفة فيها الكثير من التفصيل حول هذا الموضوع .فمنهم من يعتقد ان الدين لا يعني نظام حكم .

وانما هو دين يدعوا الى التي هي احسن اي يدعوا الى قيم الفضيلة وبر الوالدين وعمل الخير وتجنب الحاق الضرر بالناس والصدق والايفاء بالعهد وغيرها من مكارم الاخلاق وترك امر الحكم للناس وفقا للحديث الشريف ( انتم اعلم في امور دنياكم ) .

وهناك من يعتقد ان الاسلام هو نظام حكم ويستند الى ( وامرهم شورى بينكم ) الخلاصة ان اشكالية هل الدين الاسلامي هو نظام للحكم ام هو ديانة تدعوا الى اصلاح امر الامة بالحكمة والموعظة الحسنة ( وجادلهم بالتي هي احسن ) ستبقى اشكالية . ولكن من الثابت بانه لايوجد نص من القرأن الكريم يمنع ترسيم الحدود بين الدين والدولة لما فيه خير البلاد والعباد وهذا هو مايسعى له الدين وتسعى له الدولة معا .

لو راجعنا التاريخ سنجد هناك محاولات عديدة من قبل رجال دين ورجال دولة لترسيم مثل هذه الحدود الا ان هذه المحاولات كانت محاولات فردية تفتقد الى العمل المؤسساتي بمعنى لم تحتضنها مؤسسات دولة ولامؤسسات دينية ولم تحظى باهتمام شعبي. لذلك لم تحقق الاهداف التي قصدتها تلك المحاولات وبقيت مجرد تاريخ .

ولكن بالامكان دراسة كل هذه المحاولات من قبل مؤسسة تعنى بهذا الموضوع يتم الاتفاق عليها تضم اضافة الى رجال الدولة وخبرائها مفكرين اسلاميين من كل المذاهب الاسلامية تدرس امكانية تحديد اختصاصات رجال الدين كان مايكون مثلا ان يناط برجال الدين مهمة الاحوال الشخصية والارشاد الديني والموعظة الدينية

 وحرية ممارسة الشعائر والطقوس الدينية وكذلك المؤسسات الدينية والمدارس والجامعات والمعاهد الدينية على ان يحظر فيها ويجرم تدريس المناهج التي تحرض على الكراهية بين الاديان والمذاهب لاي سبب الخ من الاختصاصات .وما عدا هذه الاختصاصات تكون من الاختصاص الحصري للدولة .

المصدر: اقرأ وفكر

هذا المقال لا يعبر سوى عن رأي كاتبه، ولا يعبر بالضرورة عن رأي فريق المكتبة العامة






تعليقات الفيسبوك