ماذا تعرف عن مرض الشيزوفرينيا ؟ (الجزء الثاني)

ماذا تعرف عن مرض الشيزوفرينيا ؟ (الجزء الثاني) –  إعداد وتقديم: ريما رباح

الخيال والخرافة، لهما سحر كبير في قلوب العامة من الناس، فيليب ديك -كاتب أمريكي له مؤلفات روايات خيالية- يقول: «من الجائز أن كل شخص يعيش في عالم فريد خاص مختلف عن بقية عوالم البشر الآخرين، فلو كانت هناك حقائق عديدة، فهل يتسنى لنا اعتماد حقيقة واحدة؟».

عند هذه الزاوية يبرز لنا سؤال محيّر حول المحاكمة العقلية لدى مرضى الفصام، هل هو فعلًا عالم غير حقيقي، أم على النقيض جذريًا فإن عالمنا هو العالم غيرالحقيقي؟! بناء على هذا يكون الحكم النهائي هنا على مرضاه هو حكم شخصي لا موضوعي. لحسن الحظ فإن هذا ليس نهاية المطاف هنا، ففي ميدان العلوم والأبحاث اجتهد الأكاديميون طويلًا فكان لعلم الطب النفسي رأي مختلف تمامًا.

في المقال السابق عن الفصام «ما هو مرض الشيزوفرينيا-الجزء الأول» استعرضنا نبذة عن المرض والأعراض والعلاج؛ في هذا المقال سنكمل الإبحار في الرحلة لبيان علاقة بنية الدماغ بحدوث الإصابة بالفصام وبعض العوامل التي تشكل دائرة الخطر وترفع نسبة الإصابة، وأخيرًا عددًا من الخرافات الشائعة حول هذا المرض.

هل تظن أن مريض الشيزوفرينيا لديه أكثر من شخصية؟

لو طرحت هذا السؤال على أحد من أفراد عائلتك أو زملائك في العمل فعلى الأرجح ستكون إجابته هي: «بكل تأكيد»!

من التصورات الخاطئة المنتشرة على نطاق واسع لدى الجمهور الخلط بين مرض الفصام ومرض الشخصية المتعددة. يأتي هذا بسبب الأصل اليوناني لكلمة الشيزوفرينيا، حيث يحمل الشق الأول (σχίζειν) معنى الانقسام، والشق الثاني (χίζειν) يحمل معنى العقل. كما وتصاب الناس بالذعر عند سماع خبر إصابة أحد من عائلتهم أو معارفهم بالفصام بشكل يفوق وجلهم من تلقي نبأ الإصابة بالسرطان!

اختلاف كيمياء وبنية الدماغ

الذهان هو حالة غير طبيعية للعقل، يكون فيها الشخص المصاب منفصلًا عن الواقع، وهو من الأعراض المميزة في مرض انفصام الشخصية أو كما يعرف بالشيزوفرينيا. ويرى كثير من العلماء أن وجود خلل في التوازن القائم بين التفاعلات الكيميائية المعقدة والمترابطة في الدماغ وبين الناقلات العصبية أو المواد التي تستخدمها خلايا الدماغ للتواصل فيما بينها -وهي مبدئيًا الدوبامين والغلوتامات ومن المحتمل غيرها- يلعب دورًا في ظهور مرض الفصام. وفي نفس الوقت يرون أن حدوث مشاكل في فترة نمو المخ قبل الولادة قد يؤدي إلى وجود وصلات خاطئة مع توافر تغييرات كبيرة خلال فترة البلوغ؛ يتسبب في قدح الزناد للأعراض الذهانية لدى الأشخاص الواقعين في دائرة الخطر، سواء كان ذاك بسبب الوراثة أو الاختلافات الدماغية.

الأشخاص في دائرة الخطر

حتى الآن لم يتمكن الباحثون من حصر جميع الأسباب المؤدية إلى الإصابة بانفصام الشخصية، لكنهم يعتقدون أن بعضها على وجه التعيين يصب في منحنى رفع نسبة خطر إصابة بعض الناس به.
الجينات والبيئة: أدرك العلماء منذ أمد طويل الارتباط الوثيق للفصام بالناحية الوراثية؛ تؤكد الإحصائيات تضاعف نسبة الخطر في حال إصابة أحد الأبوين تصل إلى (%6) عن مثيلتها في حال إصابة أقارب الدرجة الأولى بنسبة (2%)، وتبلغ النسب المسجلة حدها الأقصى في التوائم المتطابقة فتكون بين (40%-60%). وفي تناقض مع هذا الطرح، يصاب الكثيرون بالمرض دون وجود تاريخ عائلي، كما يوجد أفراد أصحاء ضمن الأسر التي أصيب واحد أو أكثر من أفرادها بالفصام.
توصل العلم إلى أن عددًا من الجينات المختلفة قد يزيد خطر الإصابة بالفصام، فمثلًا تركز الدراسات على رصد العلاقة مع الجين «سي فور-C4»، فقد تم اكتشاف الارتباط الوثيق لبعض الصيغ المشاهدة من هذا الجين بظهور مرض الفصام. يقوم الجين في الفترات الحيوية كمرحلة البلوغ بعملية تدعى «تشذيب التشابك»، وهي تعني خفض عدد الوصلات والتواصل العصبي بين الخلايا العصبية في الدماغ بشكل أكبر من الحد المطلوب عادة للوصول إلى الأداء الأمثل، في نفس الوقت تؤكد الدراسات على أنه لا يمكن لأي جين من الجينات منفردًا بذاته أن يتسبب في تحقق هذا الاضطراب، إذن لا يزال الوقت مبكرًا لتوظيف المعلومات الجينية للتنبؤ على نحو دقيق بمن يقع في دائرة الخطر، أي من هو الشخص المعرض للإصابة بمرض الفصام بشكل أكبر من غيره.

على التوازي، يعتقد العلماء أيضًا بضرورة توافر علاقات تبادلية بين الجينات وبعض مظاهر البيئة، كسبب حتمي لظهور الفصام، ومن أهم المظاهر البيئية:

  1. التعرض إلى الفيروسات.

  2. سوء التغذية قبل الولادة.

  3. مشاكل أثناء الولادة.

  4. عوامل نفسية.

العدوى والبيئة

من المهم جدًا هنا لفت النظر إلى أننا نقصد بالعدوى الفيروسية أنواعًا محددة بعينها، أثبتت المشاهدات أن من أهم حالات الإصابة بالفيروسات والتي توسع دائرة خطر الإصابة؛ إصابة الأم قبل الولادة بالعدوى بمرض الحصبة الألمانية أو الإنفلونزا، أو داء المقوسات، أو السيتوكينات بما في ذلك انترلوكين-8. كما أكدت على ارتباط الزيادة الكبيرة في تكرار حالات الحمل، كل هذه العوامل ترفع نسبة خطر إصابة الطفل بالفصام.

أما تأثير البيئة فإن بيئة العائلة هي من أفضل الأمثلة، فمثلًا وقوع الطفل أو المراهق في مأزق مزدوج (Double Bind)، فإن استمرار تعرض الطفل أو المراهق للتعامل بهذه الصورة لمدة طويلة يصيبه بالتشوش، وكمثال خارجي قول المعلم لتلامذته: «إن قلت إن عصاي غير حقيقية سأضربك، وإن قلت إن عصاي حقيقية سأضربك، إن لم تقل شيئًا سأضربك».

الخرافات والحقائق

الخرافة، العجيب هنا أنها بالرغم من حقيقة أنها كثيرًا ما تكون من صنع الخيال المحض؛ لكنها تصمد أمام الواقع بصورة معاكسة مناقضة لحقائق العلم والطب فتظل هي الأقوى تأثيرًا في وجدان الإنسان!

من الحقائق الصادمة لغالبية الناس والمعاكسة للتصورات السائدة في بعض وسائل الإعلام، أن الأفراد المصابين بالفصام قادرون نسبيًا على التمتع بحياة طبيعية.

أشهر أربع خرافات عن الشيزوفرينيا

تم رصد أكثر أربع خرافات شيوعًا عن مرض الشيزوفرينيا عند العامة، وهي:

  1. الفصام ترافق التعدد في الشخصيات:  الخرافة الأولى: انقسام الشخصية أو تواجد شخصيات متعددة، هي الأعراض الأساسية للمرض، وهي منتشرة عند أغلب الناس.في دراسة التحالف الوطني للأمراض النفسية (NAMI) عام 2008م، هناك (64%) من سكان الولايات المتحدة غير قادرين على تمييز الأعراض المرتبطة بانفصام الشخصية، لذلك فهم يظنون أن المصاب به يعاني من انقسام الشخصية أو من وجود شخصيات متعددة لديه، وهذا خطأ.الحقيقة: يتضمن الفصام غالبًا مجموعة متنوعة من الأعراض وما لأحدها أن ينطوي على ظهور شخصيات متعددة، يرجح ظهور هذه الخرافة حيث كلمة (schizo) في الأصل اللغوي تعني انقسام، لكنها في الطب النفسي ترمي إلى وجود انفصال الشخص عن الواقع أي إلى وجود ثغرات في قدرة الشخص على التفكير والتعبير عن العواطف.من الأمور المهمة التمييز بين اضطراب «انفصام الشخصية» واضطراب «تعدد الشخصية الفصامي». لاحقًا سوف نقوم بإجراء مقاربة مع رواية الدكتور جيكل والسيد هايد.

  2. المصاب بالفصام يشكل خطرًا على الآخرين:  الخرافة الثانية: العنف والتصرفات المفاجئة هي سمات المصاب، وهي فكرة سائدة لدى الجمهور، وهذا خطأ.الحقيقة: بالرغم من تصنيف الطب النفسي لبعض أفراد هذه الفئة تحت شريحة «مجرم»، إلا أن الغالبية يتم فرزهم تحت شريحة «غير عنيف». يجب الإشارة إلى أن نسبة ارتباط الجريمة بعلاقة مباشرة مع مرض الفصام نفسه لا تتجاوز(23%)! لذلك من المؤسف أن تعميم فكرة خطورة مرضى الفصام على الناس، مما يساهم بشدة في تثبيت وصمة العار على المريض، كما ويؤدي ذلك إلى زيادة معاناة المريض بسبب قلة الفرص أمامه للتمتع بالمسكن أو الوظيفة، فيرتفع لديه التوتر ويقل تقدير الذات، حينئذ تكون الحصيلة انخفاض في نوعية الحياة للمصاب.

  3. تنحصر معاناة المصابين بالفصام بالأوهام والهلوسات: الخرافة الثالثة: معاناة المصاب تنحصر بالأوهام والهلوسات، وهذا تصور شائع في المجتمع، وهذا خطأ.الحقيقة: يعاني المصاب علاوة على الأوهام والهلوسة من تسطح (انكسار حدّة) العواطف، وضعف الحافز، وعدم انتظام الكلام، وانعدام الرغبة في تكوين علاقات اجتماعية، وقد يواجه صعوبة في الحفاظ على التركيز وأداء بعض المهام الإدراكية. الأمر في حد ذاته ليس مفاجئًا، فالأعراض الذّهانية غير مألوفة وغالبًا ما تكون مخيفة للمرء، لذا تميل ثقافة العامة إلى التركيز على هذه الأعراض بشكل أكبر من الأخرى المصاحبة للفصام.

  4. الشيزوفرينيا مرض مستحيل علاجه: الخرافة الرابعة: علاج المصاب مستحيل، وهو قناعة طاغية لدى العامة، حيث حفرت تجارب الماضي والأفلام القديمة في ذاكرة الناس بأن الحل الوحيد للمصاب هو قضاء بقية حياته في العزلة، أي في المصحات العقلية. فأصبحت ضرورة إصدار قرار إيداع المصابين بأمراض عقلية خطيرة في هذه المؤسسات، تشبه حالة تلقي السجين حكمًا بالسجن المؤبد.وفي تناغم واضح مع فكرة الفيلم الشهير «رجل طار فوق عِش الوقواق» (One Flew Over the Cuckoo’s Nest)، فإن الفكرة النمطية الشائعة لتشخيص الفصام هي أنه تشخيص بات حاسمٌ للأمر؛ أي أن مريض الفصام محكوم عليه جزمًا بالبقاء أسيرًا في مستشفى الأمراض العقلية حتى نهاية حياته.الحقيقة: بالرغم من صحة الاعتقاد جزئيًا، فالفصام حتى اليوم يعتبر علميًا مرض لا يمكن شفاؤه، لكنه في المقابل مرض يمكن علاج أعراضه بنجاح! تقوم كلًا من العلاجات الدوائية والمعالجات النفسية وممارسات إعادة التأهيل بمساعدة المصابين بالفصام ليعيشوا حياة جيدة ومنتجة ومستقلة، تجدر الإشادة بأن مشاهدات الواقع تؤكد نتائج طيبة، إذ أن العديد من المصابين الذين يخضعون للعلاج المناسب يظهرون بشكل صحي تمامًا.

الدكتور جيكل أم السيد هايد؟

من الأمثلة المغلوطة الشهيرة في حياتنا اليومية الاعتقاد بأن رواية «الدكتور جيكل والسيد هايد» الخيالية للكاتب الأسكتلندي روبرت ستيفن سونو هي رواية كلاسيكية في الأدب العالمي، تعكس حالة مرض انفصام الشخصية، وهذا خطأ.

في الواقع تمثل حالة الدكتور جيكل والسيد هايد مرضًا شبيهًا هو اضطراب الشخصية المتعددة (اضطراب الهوية الفصامي)، وهو مرض عقلي نادر، يميزه ديمومة تواجد شخصيتين على الأقل لدى المصاب وتكون متمايزة تمامًا في السمات والتصرفات، كما وتتناوب الشخصيات في التحكم وإدارة سلوك وتصرفات المريض ويرافق ذلك وجود خلل في الذاكرة، مثل فقدان جزء من المعلومات الهامة بشكل غريب لا يتسق مع كونه مجرد حالة عادية من النسيان، وفي هذا الإطار سنأتي مباشرة على مقارنة المفهوم الطبي مع شخصيات وأحداث الرواية.

الشخصيتان الرئيستان هما:

أولًا، الدكتور جيكل: هو الطبيب الثري المحبوب المهذب سليل عائلة راقية وترمز هذه الشخصية إلى الخير.
ثانيًا، السيد هايد: هو شخص عنيف كريه الخَلْق والخُلُق مجهول في المجتمع، يظهر فجأة ويختفي فجأة ولا يعلم أحد عنوانه، وترمز هذه الشخصية إلى الشر.
أحداث الرواية تحمل نتوءات عن النمط المعروف في الطب النفسي اليوم، صحيح أن تناوب الشخصيتين -وهما متمايزتان في كل من التعامل وانطباعات الناس عنهما- على إدارة مسرح الحياة اليومية يطابق تعريف اضطراب الشخصية المتعددة، إلا أن بعض الأعراض لا تتطابق مع مثيلتها في اضطراب الشخصية المتعددة، فمثلًا يتذكر الدكتور جيكل تصرفاتا لسيد هايد بعكس المعروف اليوم في اضطراب الشخصية المتعددة وهو عدم تذكر أي شخصية ما تأتيه الشخصية الثانية.

قد يكون هذا الفرق عائدًا لعدم تطور العلم في هذه النقطة بشكل كاف حين كتابة الرواية. اللافت هنا، أن المؤلف اختار وجود اختلاف في الشكل الخارجي لكل منهما وقد يكون ذاك لرفع وتيرة وقع الرواية على القارئ.
جدير بالذكر أن الرواية لاقت رواجًا فوريًا منقطع النظير في عصرها عام 1931م، ويشار إلى أن الملكة فيكتوريا قد قرأتها بنفسها. تغوص القصة -ممتطية حصان علم النفس- بأسلوب أدبي مشوق في جدلية الخير والشر والصراع الدائر بينهما في نفس الإنسان. وتنتهي الحكاية بانتصار وسيطرة هايد (الشر) على جيكل (الخير). من المبهر أن استخدام مصطلح «جيكل وهايد» للإشارة إلى التناقضات السلوكية أصبح شائعًا اليوم.

النتاج الختامي

بموضوعية متناهية، يجب توطيد الاعتراف بأن هذا المرض يسبب اختلالًا عميقًا في حياة المصاب ومحيطه، وكل شخص منا معرض للإصابة به، دونما اعتبار لعوامل الجنس أو العرق أو الثقافة أو الطبقة الاجتماعية.

عند استطراد البحث تفرض العديد من التساؤلات نفسها علينا في عدة من المناطق المبهمة، فمثلًا هل يرتبط الفصام ببعض البنى التشريحية الدماغية على وجه التحديد؟ وهل يمكن للحاسوب التنبؤ بخطر الذّهان؟ هل يمكن توجيه اللوم -جزئيًا-إلى دور الجراثيم في حنجرة المصاب فيتطور الاضطراب؟

كحال العلم منذ الأزل، ما يكاد فريق العلماء ليصيب فرحًا بعد كل ولادة لأجوبة مبشرة، حتى تتوالد أمامهم أجنة أسئلة جديدة في بداية لحلقة ثانية وتتوالى الدورات. من المثير هنا أنه وفي خضم مثابرة الأكاديميين على محاولة كشف أسرار الجينوم البشري والهندسة الوراثية، قد تنقلب الحقائق الحالية لتصبح هي ذاتها خرافات وأساطير جديدة مستقبلًا. عند هذا المنعطف؛ هل يكون هذا هو كل ما تبقى لنا هناك يا ترى؟!

«الحقيقة؛ لا تعدو كونها وهمًا.. على الرغم من أنه وهمٌ مُلِحٌّ جدًا» — ألبرت أينشتاين.

المصدر: الباحثون المصريون

هذا المقال لا يعبر سوى عن رأي كاتبه، ولا يعبر بالضرورة عن رأي فريق المكتبة العامة

هذا المقال لا يعبر سوى عن رأي كاتبه، ولا يعبر بالضرورة عن رأي فريق المكتبة العامة






تعليقات الفيسبوك